أمـر لا يـعـقـل – قصة : د . إبراهيم ياسين
هـل يـعـقـل أن يفكر المرء في نفسه متناسيا الآخرين ممن يعيشون معه في الوطن والبلدة وربما في البيت . كان قـد جلس في المقهى على أحد الكراسي الأمامية . طلب من النادل زجاجة كوكا كولا ، سأله إن كان يبيع السجائر بالتقسيط أجابه النادل بالإيجاب ، طلب سيجارتين ، التفت إلي يسألني عن الثقاب ، وحين أكدت له أنني لا أدخن بدأ يحدثني عن تاريخ علاقته بالتدخين وبدا كأنه استأنس لحديثي رغم أنني استغربت منه هذه الجرأة الزائدة ، وتساءلت كيف أمكن لشخص ليس بينك وبينه سابق معرفة أن يسترسل معك في حوار من أي نوع كان ، حتى من دون أي مبرر معقول . قلت في نفسي لعله لم يفهم الأمور بالصيغة التي أفهمها بها أو لعلي أنا الذي كنت دائما أبحث عن التفسير المنطقي لأي حالة أو ظاهرة تصادفني ، هل من الضروري أن نخضع كل أمورنا للمنطق ؟ هل نحتاج إلى طلب الإذن لنحدث شخصا ما عما يختلج في صدورنا ؟ أم أن الأمر بسيط لا يستدعي كل هذه القيود . بدأ يحكي قصته ـ كما سماها هو شخـصيا ـ مع السيجارة ، قال لي بأن رفقة السوء هي سبب هذه البلية التي أصابته منذ أزيد من أربعين سنة .أيامها كان يجمع أعقاب السجائر أمام المقاهي ويحاول الاقتداء بالكبار على خلفية ملصقات كان يراها هنا وهناك تحمل صور رجال يضعون بين أصابعهم سيجارة من نوع ونستون أو مارلبورو وعلى وجوههم علامات الرجولة والقوة ....
"ولما صعّرتُ لها خدي وطاءً على الثرى
في يوم بعيد و شديد البرودة من أيام كانون قبل ثلاثين عاما وقف الأستاذ عبد الجليل نائب مدير المدرسة كعادته بوجهه الأحمر الملسوع من البرد قرب بوابتها الكبيرة المشرعة لابتلاع التلاميذ جماعات وفرادى ، ليس قربها بالضبط ، إنما بعيد بعض الشيء ، يذرع الأرض ذهابا وإيابا مطأطأ الرأس وقد لف ذراعيه خلف ظهره ، وأخذ باطن كفه الأيسر يحتضن قفا كفه الأيمن وتركهما يستريحا على العصعص . أحيانا يتوقف للحظات بين الفينة والأخرى ليطيل النظر إلى الأرض حوله كمن يبحث عن قطعة نقود ضائعة ، ثم يعود للمشي البطيء كالسلحفاة من جديد . وقد يضع كفه في جيب بنطاله ليدفئه ، فيخرج الكف وقد اصطاد حبة فول كان قد نسيها من زمن ، فيلقي بها في فمه كمن يلقي حجرا في حفرة عميقة ، وقد يقتنص الكف فتافيت ورق عتيق فيرمي بعضها ويحتفظ بالبعض الآخر.
استيقظت على صوت أرعن.. 
بـعـد أن ضاقـت الـسـبـل بـعـلـي واشـتـدت أزمـتـه الـمـالـية جـراء زيـادة نـفـقـاتـه بـدأ يـحـس بـثـقـل الـمـسـؤولـيـة الـمـلـقـاة عـلـى عـاتـقـه .قـد كـبـرت الـبـنـات ولـم يـعـد مـا يـحـصـل عـلـيـه مـن أجـرة هـزيـلـة كـافـيـا لإعـالـة أسـرتـه الـتـي بـدأت تـنـمـو بـشـكـل مـسـتـمـر فـي الـوقـت الـذي ظـل فـيـه راتـبـه كـمـا هـو ولـمـدة تـزيـد عـن عـشـر سـنـوات .لـقـد انـتـظـر تـرقـيـتـه كـمـوظـف بـسـيـط بـالـبـريـد ، لـكـن دون جـدوى فـي حـيـن حـصـل عـلـى الـتـرقـيـة شـبـان لـحـقـوا بـالـوظـيـفـة بـعـده بـسـنـوات عـدة ودون أن يـعـلـم لـذلك سـبـبـا . ومـع تـوالـي الـضـغـوط الـمـاديـة عـلـى كـاهـلـه بـدأت زيـاراتـه لـمـكـتـب رئـيـسـه تـتـوالـى مـتـسـائـلا مـسـتـفـسـرا عـن مـصـيـر وضـعـيـتـه ، كـيـف يـتـسـلـق مـوظـفـون أصـغـر مـنـه سـنـا وأقـل خـبـرة وتـجـربـة بـل وكـفـاءة ، الـسـلالـم والـدرجـات ويـبـقـى هـو قـابـعـا فـي نـفـس الـمـكـان كـأنـمـا كـتـب عـلـيـه أن يـبـقـى بـلا حـراك عـلـى خـلاف نـظـام الـكـون والـحـيـاة . كـانـت وسـيـلـتـه الـوحـيـدة هـي الـشـكـوى وكـتـابـة رسـائـل الاسـتـفـسـار دون أن يـمـلك أن يـتـخـلـى عـن مـبـادئـه كـمـا فـعـل ويـفـعـل الـكـثـيـرون مـمـن يـعـرفـون الـمـسـالك والـطـرق والـمـمـرات الـجـانـبـيـة...
كلما استمعت إلى صوت البيانو، تذكرت رغبتي القديمة في تعلم الموسيقى.. تلك التي نشأت ذات يوم حين سمعت البيانو لأول مرة. لكن العمر تقدم بي، ولم تتح لي هذه الفرصة حتى اللحظة، وقد كان على الدوام ثمة ما يمنعني من ذلك.. النشاط في حزب سري، والعمل في أوقات الدراسة مثل إخوتي الآخرين، والزواج أخيرا، وإنجاب الأطفال.
سامية،يا جنونا ألم بي ذات نزوة على باب العمر المتهالك. أبحث عنك الآن في كل الوجوه, في كل نفثة دخان, وفي كل رشفة من فنجان قهوة سوداء.
ناداني فخرجت. حييته فأجاب.
عندما فتح باب شاحنته ، وجدها امرأة لم يرجمالا كجمالها ، قامة كالنخلة المثمرة ، وجه خجول ، يميل إلى شكل البيضة ،يغطي رأسها غطاء محترم أزرق اللون ، تلمع نجماته الذهبية ، في ضوء مصباح سقف الشاحنة . جلبابها الترابي و المزركش ، يوحي بأنها فتاة تنتمي إلى طبقة متواضعة ، كطبقته تماما . لهذا لم يخنه حدسه هذه المرة ، و توقف لإنسان قريب منه ، في ليلة دامسة كهذه ، و بذلك يكون قد كسر جدار الموقف الصعب ، الذي اتخذه مع نفسه ، بأن لا يتوقف أبدا لأي شخص يشير له في الطريق ، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بليلة سوداء ، تحتفي بالتيه و الضياع ، أكثر مما تكشف عن ملامح معاني معينة . و ذكرى اللصين ،اللذين أشبعوه ضربا ، بعد أن أخذوا كل ما كان يملك ، من أتعاب شهر من العمل .. لن ينساها أبدا.
في هذه القرية الجبلية ، الغارقة في محراب الغمام الدائم . المنعزلة عن الرب والهائمة بعشقه . أرواح ساكنيها لاينزلون إلى السفح إلا مرة في السنة بعد جني خراج سخاء الأرض، لتبادل المشروبات الروحية بالجرر أو بعض الألات الموسيقية أو إصلاح عطبها . مشروبات يخيل لسابح في طعمها وعطرها أن فواكهها زرعت في حديقة جنة مصممها أريج خيال وأن عاصرها يد رب عظيم . . حتى عندما ينزلون لايصولون ويجولون في الكلام مع أهل السفح : وحده الحكيم له شرف الكلام .