في حضرة البقال - قصة : د. إبراهيم ياسين
في الصباح الباكر ، تقدم الزبون من المحل ، سلم على البقال كعادته ، سأله عن أحواله وأحوال تجارته... ثم قال بصوت خافت واضعا أصابعه على شفتيه بحركة تثير الضحك : الشيء المعلوم . كان قد تعود أن يشتري من البقال قرصي خبز وقطعتي جبن منذ أن استقر في هذا الحي مع زوجته ، كان قد قرر أن ألا تنجب زوجته حتى تستقر أحوالهما وتتحسن ظروفهما .وكعادته وضع قطعا نقدية معلومة على الصندوق الخشبي أمامه ، انتظر أن يأخذها البقال ويقول عبارته المعهودة :" الله يخلف عليك " ، لكن البقال صمت لحظة متأملا تلك القطع النقدية... ضحك ضحكة خفيفة...قال : يا سبحان الله ، ما أسرع ما تتغير الأمور وما أغرب تقلبات الدنيا... نظر إليه الزبون... حذق فيه... قال بلهجة تحمل سخرية : ما تعودت منك أن تتفلسف...لقد كنا نعدك بسيطا ، فها أنت تبدي حذلقة وتنتج معرفة...
مهلا مهلا... قال البقال... ما هذا الذي أسمع منك ، أنا ما أنتجت لحد الآن إلا فشلا... فهل ما قلته الآن تعدونه أنتم معرفة... فإن كان ما قلته قبل هذا فلسفة فإني أحمد الله تعالى على هذه النعمة التي أسبغ علي وإن كنت أتمنى لو يبدلها أموالا أو سلعة أروجها وأكسب منها قوت يومي... وأتخذ منها رأس مال أستقل به عن صاحب المحل الذي يستغلني كما ترى... فضلا عن أن الفلسفة من السلع التي لا يبحث عنها أمثالي... وأنا إنما قصدت أن أقول بأن المبلغ الذي...

ارتضينا، مجموعة الزملاء والأصدقاء القدامى، أن نلتقي دورياً، مساء الجمعتين الأولى والثالثة من كل شهر، في مقر نقابتنا .. إخترناه كنوع من التأكيد على زمالتنا القديمة والطويلة، كخريجين في ذات الكلية؛ ودام ذلك لسنوات .. نتوافد إلى مكان انعقاد اللقاء، في حديقة النقابة، صيفاً، وداخل إحدى قاعاتها، شــتاءً؛ لا نفاجأ بأن تتغيب وجوه، ما دامت تعود فتواظب على اللقاء في المرات القادمة؛ ولكن المفاجأة الحقيقية تكون عندما يطل علينا وجه غاب لسنوات طويلة، أو كان – منذ البداية – خارج مجال الحلقة؛ ولكنها مفاجآت قليلة. وبمرور الوقت، بدأ التململ يدب بيننا. استهلكنا كل ما يمكن أن نتكلم فيه عن قضايا المعاش وتدخلات الحكومة في انتخابات النقابات، وغيرها من قضايا الوطن. واكتشفنا أننا نكرر كلام الصحف وبرامج الإذاعة والفضائيات، محلية وغير محلية؛ ونبدو ونحن نتكلم كأننا نقول كلاماً مختلفاً؛ ولكن أي مدقق من خارج الحلقة يمكنه بسهولة أن يلاحظ أن كلاً منا يعيد إنتاج نفس الأفكار، بكلمات مختلفة أحياناً، وبنبرات صوت مغايرة، وبدرجات مختلفة من الانفعال. كما أنه بمستطاع أي مراقب لجلساتنا أن يلاحظ تتعدد ألوان توجهاتنا السياسية؛ وهذا أمر لا غرابة فيه، فأغلب رواد اللقاء من أجيال متقاربة، ولدت عند النكبة – 48 – ونشأت مع الثورة، ودخلت الجامعة في...
الجدار مليء بآثار مسامير قديمة وثقوب ، بجوار الجدار طبلية ورثها عن أبيه ، لها ثلاثة أرجل أما الرابعة فحل محلها علبة سمن فارغة ، وإلى الطبلية تصوب عينان مفتوحتان صامتتان ووراء صمتهما أسئلة تدق من زمن بإلحاح .. هو إلحاح رافقه مذ جاء إلى الدنيا بصمت في هذا البيت العتيق .. وحين تصمت العيون تعمى الآذان وتُصمًّ القلوب .. أو تتظاهر بالموت وقت الكلام .. فيتحول الكلام إلى صمت فعال .
لم يكن ممكنا لنا نحن الثلاثة، أن نظل في المنزل مع أمي في غرفة واحدة، وبخاصة في النهار. كان الشارع الرئيس في المدينة، هو المكان الأثير بالنسبة لي، فهو الأكثر صخبا ونساء وجديدا. أعبره في اليوم عشرات المرات، متنقلا من جهة إلى أخرى. فقد كنت ألاحظ من موقعي كثيرا من الخسارات في الجهة الثانية.. فتيات في سراويل الجينز الضيقة، ونساء في فساتين قصيرة تكشف مساحات حارقة من الفخذين، ما يجعلني أسارع إلى العبور، فتنقلب الحال تماما.
"في ليلة مقمرة وقعت جريمة قتل في قريتنا"
اتفق الأصدقاء العشرة على تأسيس مكتب حزبي جديد في مدينتهم الصغيرة ، فقرروا أن يسموه مكتب " النزاهة " وخططوا أنهم قبل ذلك سيجتمعون في المقهى لتوزيع الأدوار وإسناد المهام ، بعد نقاش طويل وجدال عنيد حددوا الرئيس ونائبه وبقية أعضاء المكتب الجديد ، وفي اليوم المعلوم اتفقوا على أن يحضر كل واحد منهم ومعه ستة من أصدقائه أو من أفراد أسرته على أن يوصيهم بالتزام ما اشترطه عليهم من القواعد وهي أن يصوتوا إذا صوت ويسكتوا إذا سكت... حتى إذا اجتمعوا بحضور رئيس الحزب الكبير أو نائبه أو الرئيس الجهوي... أو أحد نوابه الذين لا يحصيهم إلا الله تعالى... تلوا آيات بينات من الذكر الحكيم وألقى الرئيس الذي يفترض فيه أنه أكثرهم بلاغة وأتقنهم لقواعد السياسة والحذلقة... كلمات يملأها الكثير من العطف والحنان... عبر فيها عن الحب الذي يكنه لهؤلاء المناضلين الأحرار ولمنطقتهم الجغرافية المباركة... تلاه في الحديث عضو صنديد من صناديد المكتب القديم ، ومما قاله في ذلك اليوم المشرق : يا سيدنا الرئيس ، إن البلاغة العربية والبلاغة اليونانية وبلاغة السند والهند... واختصارا : إن البلاغات كلها تعجز عن التعبير عما نكنه لكم ( بصيغة الجمع ) من التقدير والاعتزاز والمحبة والاحترام... لما صدر منكم من التكريم والتشريف لنا ولمدينتنا إذ تواضعتم وقررتم أن تزورونا...
ستزورني الملائكة، غدا. اليوم، إنها الشياطين التي تحيط بي.. تدفع بي إلى الشارع المظلم. أتبع الخطوات المتسارعة والرتيبة: طق-طق..طق-طق.. طق-طق.. أرفع ياقة المعطف، وبحركة شبه عفوية، ألقي بنظرة على أرجاء المكان. بعض الشباب في مقتبل العمر يتسامرون عند مدخل عمارة مظلم، يتناوبون على سيجارة وحيدة..وفي الجهة الأخرى، رجل وحيد، يمشي سريعا. . حين يمر بجانبي، أشم رائحة سمك.. انتبه إلى ابتعاد الخطوات الرتيبة، فأسرع لأتدارك المسافة الفاصلة بيننا.. قد تكون الفرصة مواتية عند المنعطف القادم.
صحوت على نقرات حادة على زجاج باب الشرفة ، فركت عينى المغمضتين نفضت عن ملامحي بقايا حلم مزعج ، رأيت حبات المطر المتساقطة من سمائي تنقر باب الحجرة وتدعوني إلى الاستيقاظ .
= رأيتـُـهُ :
أطرق اطرق باب المساء فتفتح لى ...... وتولى الوجه ولا ترد على السلام ... اعفو أنا عن صمتك وأغزل منه نسيج الوقار ...