محرقة القرن: غزة جرح في ضمير العالم.. الدم الذي لا يُرى – د. حسن العاصي
بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا تعود غزة إلى الحياة، بل إلى ما يشبه ما بعد الحياة. الركام لا يفسح الطريق، والهواء لا يحمل سوى رائحة الموت المؤجل. في شوارعها التي كانت تنبض بالأطفال، لا يُسمع سوى صدى الصدمة، وفي وجوه من تبقّى، لا ترى إلا سؤالاً واحداً: "هل نحن أحياء؟ أم مجرد شهود على موتنا؟"
الناجون من المحرقة الفلسطينية لا يحتفلون بالهدنة، بل يتلمسون أطرافهم ليتأكدوا أنهم لم يفقدوا شيئاً آخر. يبحثون في الأنقاض عن صور، عن أسماء، عن أجزاء من ذاكرة. يرممون ما تبقى من منازلهم كما يرممون أرواحهم، ببطء، وبألم، وبلا ضمانات. فالغزّي لا ينجو، بل يُؤجل موته، ويُعيد تعريف الحياة كل مرة من نقطة الصفر.
ناجون يسترقون الحياة
في غزة، لا أحد ينجو حقاً الناجون ليسوا أحياءً بالمعنى الذي نعرفه، بل هم أشباح تمشي على الركام، تتنفس الغبار، وتُقنع أنفسها أن هذا النبض لا يزال يعني شيئاً. في غزة، النجاة ليست خلاصاً، بل لعنة طويلة الأمد. من نجا من القصف، لم ينجُ من الذكرى. من نجا من الموت، لم ينجُ من السؤال: لماذا بقيت أنا؟ الناجون في غزة لا يعيشون، بل يسترقون الحياة من بين أنقاض البيوت، من تحت صراخ الأطفال، من خلف جدران المستشفيات التي لم تعد تشبه شيئاً سوى المقابر.
كل صباح في غزة هو اختبار جديد للقدرة...