الإعلام كسلاح من أجل هندسة الوعي في زمن الحرب والعدوان - شفيق العبودي
في زمن الحروب الحديثة، لم يعد السؤال هو: من يَقْصِفُ مَنْ؟ بل: من يُعَرِّف القصف؟ من يمنحه اسمه ومعناه وشرعيته؟ هنا في هذه المنطقة الرمادية بين الحدث وسرده، يولد أخطر أشكال السلطة: سلطة إعادة هندسة الوعي. لأن ما نشهده من تغطية إعلامية للعدوان الصهيوأمريكي على إيران ولبنان، خاصة من قبل بعض القنوات الأكثر انتشارا ومشاهدة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ليس مجرد انحياز، بل هو اشتغال ممنهج على تفكيك الإدراك وإعادة تركيبه. الإعلام هنا لا يخطئ بل يُنتج ما يمكن تسميته "خطأً وظيفيًا" يخدم بنية القوة. إنه لا ينقل الواقع، بل يعيد صياغته ضمن قوالب تجعل العنف مقبولًا، بل وأحيانًا ضروريًا، وحتى موازين هذه القوة موجهة رغم أنف الواقع.
إذن كيف يوظف الإعلام اللغة من أجل هندسة الوعي؟
بالإضافة الى أزيز الطائرات ودوي الانفجارات هنا وهناك، تندلع حرب إعلامية موازية، وفي قلب هذه العملية تقبع اللغة، فالكلمات الموظفة من قبل المراسلين والمحليين ليست بريئة، بل هي حوامل أيديولوجية مشحونة. حين يُقال "ضربة استباقية"، يتم اختزال زمن كامل من الاعتداء في لحظة دفاع. وحين تُسمى جثث الشهداء (القتلى) مجرد "أضرارًا جانبية"، يُمحى الإنسان من المعادلة،...