حين يبلغ العقل حدوده: كانط ودرب العلم الآمن - يوسف آيت السّاهل
على سبيل التقديم:
لا يتحدّث كانط، في تصدير الطبعة الثانية من نقد العقل الخالص، عن «درب العلم الآمن[1]» بوصفه استعارة لغوية عابرة، بل باعتباره مقياسًا حاسمًا للتمييز بين معرفةٍ تستحق اسم العلم، وأخرى لا تتجاوز مقام الظنّ والرأي والتخمين. فالعلم، عنده، ليس تراكمًا للأفكار، ولا تتابعًا للاعتقادات، بل هو مسار صارم للفكر، طريقٌ منضبط، واضح المعالم، يضمن اليقين لا الإقناع، والثبات لا التقلّب.
إنّ ما يدفع العقل، في نظر كانط، إلى طرح السؤال عن نفسه وعن معارفه، ليس مجرّد حبّ التأمّل، بل حالة أعمق وأخطر: التخبّط. التخبّط الذي يظهر حينما تتكاثر الأحكام دون معيار، وتتوالد الأسئلة دون قدرة على الحسم، وحين يصبح العقل عرضة للتناقض مع ذاته، فيثبت الشيء ونقيضه، ويدّعي البرهنة حيث لا برهان، ويطمح إلى معرفة ما يعجز، من حيث بنيته، عن معرفته. عند هذه النقطة، لا يعود الشكّ فضيلة منهجية، بل يتحوّل إلى علامة أزمة.
هنا بالذات يبرز سؤال «الدرب»: أيّ طريق سلكه العقل؟ وهل هي طريق العلم، أم مجرّد مسالك ملتوية للرأي والهوى؟
فالعقل، ما دام يسير في الظلام، يظلّ في حاجة إلى الإصغاء، لا إلى صوتٍ واحد، بل إلى أصوات المختلفين، تمامًا كما قال ابن رشد: «لا بدّ مع ذلك أن يسمع الإنسان أقاويل المختلفين في كلّ شيء يفحص عنه، إن كان يجب أن يكون من أهل الحق