منذ العصور الأولى في تاريخ البشرية، أقام الإنسان علاقة وثيقة ومتعددة الأبعاد مع المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه. فقد كان يعتمد على ما توفره الطبيعة من موارد لتلبية حاجاته الأساسية؛ فيجمع الثمار والنباتات، ويصطاد الحيوانات للاستفادة من لحومها وجلودها، ويستعمل الأشجار والأعشاب والمواد النباتية في بناء المساكن وصناعة الأدوات والملابس وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية. ولم تكن هذه العلاقة قائمة على الاستغلال المادي للطبيعة فحسب، بل قامت أيضًا على الملاحظة المستمرة والتجربة المتراكمة، مما مكّن الإنسان من التعرف على خصائص الكائنات والنباتات والأشجار، وتصنيفها وتمييز بعضها عن بعض، وربط كل عنصر منها بما يميزه من صفات وخصائص.
ومع مرور الزمن، تجاوزت علاقة الإنسان بالطبيعة حدود الانتفاع المباشر، لتنتقل إلى المجال اللغوي والثقافي والذهني والرمزي. فأصبح الإنسان يستمد من الطبيعة صورًا وتشبيهات وأسماءً ودلالات، ويحوّل بعض عناصرها إلى رموز حاضرة في مخيلته وفي تعبيراته الثقافية. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي انتقلت بها بعض النباتات والأشجار من مجرد عناصر طبيعية تُستعمل في الحياة اليومية إلى مكونات من...

  • نبذة عن الكاتب(ة): عدي الراضي - باحث في التاريخ والتراث

   نفس سيناريو الأحداث المتعلق بالإمام أبي حنيفة النعمان في علاقته بالسلطة السياسية، نجده يتكرر وبنفس التفاصيل تقريبا في تجربة الإمام مالك بن أنس؛ فهو الآخر سيتعرض لمحنة قاسية من قبل الحاكم بسبب مواقفه المناوئة للسلطة السياسية، لكن ومع ذلك ـ وفي مفارقة غريبة ـ ستتبنى الدولة مذهبه الفقهي، وستجعل منه مذهبا دينيا رسميا.
  ولنا أن نطرح نفس الأسئلة التي سبق وأن طرحناها بخصوص علاقة أبي حنيفة النعمان بالسلطة السياسية، لنتساءل إن كان الإمام مالك فقيها مواليا للسلطة أم مناوئا لها؟
 وإذا كان اعتماد الدولة العباسية لمذهبه الفقهي ضمن مذاهبها الدينية الرسمية، كاف للقول إن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة، فلماذا عاقبته بكل الوحشية والقسوة التي توردها السردية الرسمية؟
  إن منطق الأشياء يقضي بأن يكون المكان الطبيعي لفقيه الخليفة هو البلاط لا السجن، وأن يحظى بالتوقير والاحترام من قبل الحاكم، وأن يستفيد من عطاياه وإكرامياته، لا أن يتعرض للسجن والتعذيب. لكن الغريب في الأمر، هو أن تقدم لنا السردية الرسمية الإمام مالك بشخصيتين مختلفتين، بل ومتناقضتين؛ تارة في شخصية فقيه السلطة الموالي للخليفة، الذي يُأتمر بأوامره،...

   تقدم لنا السردية الرسمية أبا حنيفة النعمان كمثقف عضوي وبطل قومي، ورجل شجاع لا يخشى في قول الحق لومة لائم، حتى وإن كان اللائم هو الخليفة أبو جعفر المنصور نفسه. مثقف ظل يواجه استبداد الدولة بعزيمة قوية وإرادة صلبة وبأس شديد، حتى إنه تعرض بسبب ذلك، وهو في سن السبعين، إلى محنة قاسية، وإلى تعذيب وحشي، وإلى الاعتقال بسجون الخليفة، حتى مات بها سنة 150 هـ. 

  وترجع السردية الرسمية محنة أبي حنيفة النعمان إلى سبب رئيسي، وهو عدم اعترافه الضمني بالشرعية الدينية السياسية لبني العباس، وهو يرفض شغل المنصب الذي عرضه عليه الخليفة أبو جعفر المنصور قاضياً للقضاة. وتؤكد تلك السردية أن فقيهنا رفض ذلك المنصب تورعاً وخوفاً من أن يُجبر على الحكم بغير الحق والعدل، وأن يتحول إلى أداة في يد السلطة السياسية، وهو ما يبدو واضحا من خلال رده الصارم والحاسم على مقترح الخليفة، حين واجهه بالقول: "والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لاخترت أن أغرق."(1)

   لكن هل رفض أبو حنيفة النعمان فعلا الاشتغال إلى جانب بني العباس؟ وهل رفض حقا الاعتراف...

تقديم المترجم:
الدّليل الكلاميّ الكونيّ The Kalam Cosmological Argument كما عرضه الباحث وليام لين كريغ صيغةٌ استدلاليةٌ قديمة، ومستحدثة، ومطوّرة في آن واحد: تربط دليل الحدوث الكلامي عند الفلاسفة المسلمين، وعلى الخصوص عند حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، من النّاحية الصُّورية؛ والتّطورات العلمية الحديثة في علم الفلك، وعلم الكونيات، والرّياضيات، والفيزياء من النّاحية المَعرفية. ولهذا، فالقالبُ الصوري والمنطقي لهذا الدّليل قديمٌ، ومحتواه ومضمونه المعرفي جديدٌ. إنّ الغرضَ الأسمى لهذا الدّليل يتجلى في نفي القِدم، وإثبات الحدوث (الخلق)، من جهة؛ ونفي اللانهاية، وإثبات النّهاية (البعث والمعاد) من جهة ثانية. 

لقد واجه الفلاسفة المسلمون، بهذا الدّليل، القائلين بالقدم، وبالخصوص الفلاسفة اليونان؛ ونجد له صياغات عدة، عند أبي يعقوب يوسف الكندي، وعند أبي نصر الفارابي، وعند أبي علي بن سينا، وعند نصير الدّين الطوسي، وعند أبي المعالي الجويني، وعند فخر الدين الرّازي...وهو الّذي يُسمِّيه المناطقة والمتكلمين القياس العقلي، مميزين إياه عن القياس الشَّرعي.

لا يقصد وليام لين كريغ بالكلام ما نفهمُه نحن بعلم...

بداية لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الشرعي نزل في واقع مغاير لواقعنا، وفي ظروف ليست كظروفنا ، ما يحتم علينا ضرورة الرجوع للبحث في أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث، لأن الخطاب الشرعي نزل مخاطبا أفرادا وجماعات لهم عادات وتقاليد وأعراف، ويحكمهم واقع زماني وجغرافي مختلف.

و"رغم أن التشريع مصدره خطاب علوي متنزل من سماء التجرد والإطلاق إلى عالم الطبيعة والتجدد؛ إلا أنه مع ذلك لم يتعال على الواقع ولم يصادره ولم يسلب حقيقته المتغيرة"[1]، ولعل أقوى ما يعضد هذا القول أن القرآن نزل منجما حسب الوقائع والأسئلة التي كانت تطرح على النبيﷺ فينزل القرآن مجيبا عنها، هذا بغض النظر عن تصرفات النبيﷺ وبعض تقريراته التي تدل على أنه هو الآخر يستحضر الواقع في التشريع للأحكام.

من هنا يمكننا القول بأن للمآل إرهاصات أولية بدأت منذ عصر النبوة وزمن التشريع، إلا أنه لم تكن الحاجة ماسة للبوح به كقاعدة وأصل يرجع إليه، إذ أنه كان يؤخذ سليقة فقط، وحتى بعد عصر النبوة، مع الخلفاء والتابعين إلى عصر التدوين وتطوير الفقه وأصوله، لم يكن هؤلاء الكبار في حاجة لإفراد المآل بالبحث والدراسة، ولكنهم أدرجوه ضمن قواعد أخرى وأذابوه فيها كقاعدة ( الاستحسان، و الذرائع، و المصلحة...) إلى أن جاء عصر الشاطبي، وهو أول من نبه – فيما أحسب -...

مقدمة
تُعتبر الفلسفة العربية الإسلامية إحدى أبرز الإسهامات الفكرية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث جمعت بين التراث الديني الإسلامي والإرث الفلسفي اليوناني والعقلانية. في هذا السياق، برز علم الكلام وعلم أصول الفقه كتيارين رئيسيين شكلا إطارًا للتفكير الفلسفي في العالم الإسلامي. يركز علم الكلام على الدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام العقل والمنطق، بينما يسعى علم أصول الفقه إلى وضع قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه في إطار الفلسفة العربية الإسلامية، مستخدمة مقاربة تأويلية تركز على تفسير النصوص وفهم السياقات التاريخية والفكرية لكلا العلمين

.1. إطار الدراسة والمنهجية

تعتمد الدراسة على مقاربة تأويلية مستمدة من مناهج التفسير الفلسفي، ولا سيما أفكار هانز-غادامر حول التأويلية (Hermeneutics)، التي تركز على فهم النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية. يتم تحليل النصوص الكلامية (مثل أعمال المعتزلة والأشاعرة) ونصوص أصول الفقه (مثل كتابات الشافعي والغزالي)، مع التركيز على كيفية تشكيل هذين العلمين للفلسفة العربية الإسلامية. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام: علم الكلام، علم أصول الفقه، ومقارنة تأويلية بينهما...

    التشريع القانوني للمجتمعات، بما هي بنيات متحركة بل ودائبة الحركية، وجب أن يواكب القضايا والمستجدات التي تفرزها باستمرار ومن دون انقطاع، بما يضمن تطورها الطبيعي، وتوازنها المستمر، وانخراطها في العصر الذي تنتمي إليه. إن أي خلل في تحيين التشريعات بما يضمن كل ذلك، تترتب عنه بالضرورة اختلالات مجتمعية عميقة، ومشاكل بالجملة ولا حصر لها، تفضي إلى تخلف المجتمع، وعجزه عن مسايرة إيقاع ركب الحضارة الإنسانية. وهذا ما ينطبق تمام الانطباق، على المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع لفقهاء الإسلام، كنتيجة طبيعة للاختلالات التشريعية الكثيرة، والتي ترتبت عن عدم قدرتهم على مسايرة دينامية المجتمع وحركيته غير المتوقفة، وهو ما يفسر اليوم، كيف أن المسلمين أضحوا في وضع أشبه بأطرش في حفلة غنائية صاخبة، لا هم قادرون على استيعاب حجم التطور المتسارع الذي شهدته وتشهده البشرية، ولا مسايرة إيقاع التحولات السريع الذي تسير وفقه، ولا الانخراط في عصرهم وهم يحملون عقلية ماضوية غير محينة، ما كان من نتائجه المباشرة أن تخلفوا عن ركب الحضارة الإنسانية، وظلوا تبعا لذلك في مؤخرة الأمم من حيث مؤشرات التنمية والتقدم.

  لقد عرفت المجتمعات...

ما من شكّ أنّ قضية "التراث والمعاصَرة" أو "التراث والحداثة"، أو ما يرد بمسمّيات رديفة أو شبيهة، هي من القضايا الدورية، المطروحة في الفكر العربي. والتطرّق إليها بالحديث قد يغري بموالاة هذا الطرف أو ذاك، والأمر كذلك مدعاة إلى حنين مفرط أو إلى توتّر مزعج. ولذلك لا نتعاطى غالبا مع هذه الثنائية باعتدال ورويّة، ولا نتمالك أنفسنا جراء حاضر ضاغط وآتٍ داهم. ومن ثَمّ تُعَدّ تلك الثنائية -التراث والمعاصرة- من أكثر الثنائيات إحراجًا بين العرب، محافظين وحداثيين، على مدى القرن الفائت وإلى الحاضر الحالي، دون حسم واضح بشأنها.

ولو شئنا تعريفا جامعا مانعا لتلك البؤرة الإشكالية لتعدّدت بنا السّبل، مع أن التراث يظلّ "من المعلوم من المعارف والصنائع والمنجزات". ومع ذلك فالإشكال ليس في التعريفات، لأنها قد تتحول إلى نقيض ما نصبو إليه، وليس في رسم الحدود لهذا التراث، وليس في تعداد مجالاته وبيان حقوله، بل في المنهج السويّ الذي نعي به هذا التراث، ونقصد به تحديدا "التراث والوعي التاريخي". حتى لا نتحول بِدورِنا إلى كائنات تراثية، غير واعية بما تستهلك وغير مدركة لما تريد.

ذلك أنّ الوعي التاريخي بالتراث هو عملية جدلية مركّبة، تتروّى في...

مقدمة

يُشكل محمد أركون (1928-2010) واحدًا من أبرز المفكرين العرب والمسلمين في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التراث الإسلامي والفكر الديني من منظور نقدي ومعاصر. يتمحور مشروعه الفكري حول إعادة قراءة التراث الإسلامي بمنهجية نقدية تاريخية، تسعى إلى تحرير الفكر الإسلامي من التقليدية والجمود، وإعادة بنائه في ضوء التحديات المعاصرة. يهدف هذا البحث إلى تحليل منهجية محمد أركون ومشروعه الفكري، مع التركيز على أسسه النظرية، أهدافه، أدواته، وتأثيراته.

العنصر الأول: الإطار النظري لمنهجية محمد أركون

السيرة الفكرية لمحمد أركون

وُلد محمد أركون في الجزائر عام 1928، ونشأ في بيئة ثقافية متنوعة تجمع بين التراث الأمازيغي والإسلامي والاستعماري الفرنسي. درس الفلسفة في جامعة الجزائر ثم انتقل إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون. تأثر أركون بمفكرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ولويس ماسينيون، مما ساعده على صياغة منهجية نقدية تجمع بين التاريخانية والسيميائية والأنثروبولوجيا[1]

 أسس منهجية أركون

تعتمد منهجية أركون على ثلاث ركائز أساسية:النقد التاريخي: يدعو أركون إلى دراسة النصوص الدينية والتراث الإسلامي في سياقها التاريخي والاجتماعي، لفهم الظروف التي أنتجتها. يرى أن النصوص الدينية...

مقدمة
يُمثل هشام جعيط (1935-2021) أحد أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التاريخ الإسلامي، متميزًا بمنهجه النقدي الذي يجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي والفلسفي. تتمحور أعماله حول فهم الظواهر التاريخية الإسلامية، لا سيما في سياق نشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، كما يتضح في مؤلفاته مثل الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية وثلاثيته عن السيرة النبوية، وخاصة الجزء الثاني تاريخية الدعوة المحمدية في مكة. يهدف هذا المقال إلى تحليل فكرة التاريخ عند جعيط من خلال مقارنة رؤيته لنشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، مع التركيز على منهجه النقدي وتأثيره على فهم التاريخ الإسلامي. الإطار النظري: فكرة التاريخ عند هشام جعيط

يرى هشام جعيط أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو عملية استقراء وفهم عميق للديناميكيات الاجتماعية والثقافية والدينية التي شكلت المجتمعات. في كتابه الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية، يقدم جعيط رؤية شاملة لنشأة المدينة الإسلامية كنتاج لتفاعل الحضارة العربية مع الحضارات السابقة مثل البابلية والفارسية والهلنستية. يعتمد جعيط على منهج تاريخي تفهمي يسعى إلى فهم...

     القواعد المنهجية التي تحكمت في تحديد معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله فقهاء الإسلام، كما القاعدة التي قال بها الإمام مالك: " لن يصلح امر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وكذا قاعدة: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"،وكذا القاعدة القائلة بــ: " لا اجتهاد مع نص "...هي قواعد منهجية، فرضتها طبيعة مهمتهم في تخريج الأحكام الشرعية، الضامنة للاستقرار المجتمعي، الذي كان يبتغيه الحاكم الطاغية.

    لقد اتسمت منهجية الفقهاء بنزعتها النكوصية الماضوية، كنتيجة طبيعية لطبيعة المهمة التي أسندت لهم على مر العصور، في تخريج الأحكام التي كانت تأمر بها السلطة السياسية، ضمانا لاستقرارها واستمراريتها. لقد كان أخشى ما يخشاه الحاكم المستبد، هو التحولات التي قد يجئ به التطور الطبيعي للمجتمع، والتي قد تحمل معها بوادر التغيير التي قد تعصف به وبحكمه، لذلك فقد ظلت غايته القصوى دوما، هي محاولة الحد ما أمكنه ذلك، من وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بأن يجعله منه ساكنا وجامدا، وهي الغاية التي ترجمها فقهاء السلطة أحكاما "شرعية"، من خلال تبنيهم لمنهجية تشريعية تعتبر كل محدثة ضلالة.

   لقد كان من الطبيعي بالنظر إلى طبيعة مهمة الفقهاء تلك، أن يتبنوا منهجية في التشريع، تنتج أحكاما شرعية، غايتها التحكم في وتيرة...

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ