أنفاس بدأ التصوف الإسلامي حركة زهدية ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا سعياً للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي وصحابته في الزهد، ثم تطور وأصبح نظاماً له اتجاهات عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد: الإكثار من الصوم والتقشف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة والتجرد عن ضروراتها. إلا أن الزهد في الإسلام لا يعني هجر الدنيا وترك العمل، فالإسلام دين وسط واعتدال لا يدعو للرهبانية والتطرف([1]).
والتصوف نزوع ذاتي تأملي يعتمد على خيال الفرد وتجربته وذوقه ويهتم على الخصوص بالنفس وصفاتها. ظهر المصطلح عند المسلمين في القرن الثاني للهجرة، أما قبل ذلك فكان الصوفي يسمى زاهداً، لأن التصوف ظهر في مرحلة من مراحل تطور الزهد.
إن الصوفية الذين سلكوا طريق التصوف كانوا ملمين بالعلوم الدينية مما يمكنهم من الرد على انتقادات خصومهم، وحتى لا يتعرضوا للانحراف إذا ما تصوفوا مع جهل([2]). ويرتبط التصوف بالمجاهدات والرياضات النفسية، ويصب جل اهتمامه على الروح. والطريقة الصوفية تنقسم إلى مواقف هي المقامات والأحوال. المقام والحال اصطلاحان يستخدمها الصوفي للدلالة على مكانته في الطريقة الصوفية وما يأتيه من رحمة الإله.
المقام: هو مقام الإنسان فيما يقام فيه من عبادات. وأما الحال: فهي ما يتعرض لـه القلب عفوياً من سمات الرحمة الإلهية....

أنفاسالتراث الذاتي هو ما يصل إلى شعبٍ ما ممّا خلَّفه القدماء وتتوارثه الأجيال، ويحدث لتيارات عامّة واتجاهات ومدارس فكرية ويؤثّر في سلوك الناس. وهي مسؤولية تاريخيّة تتحمّلها الأجيال فتواصل تاريخها أو تتركها فتنقطع جذورها فتذوب في ثقافات مغايرة، والفعل اللاتيني Tradere يفيد كِلاالمعنيين: يحمل أو يخون.
(1) الأصالة والخصوصية:
وأَهمُّ ما يميز التراثُ الذاتي الأَصالةَ والخصوصية. فالأصالة تعني الأنا في مقابل الآخر، والمألوف ضد الغريب/ والقريب في مواجهة البعيد، والمحليّ كمانع للمستورد. تعني الأصالة الذاتيَّ في مقابل العرضيّ/ والطبيعي في مواجهة المصطنع، و"الجوّاني" ضد "البراني". أمّا الخصوصية فتعني نوعية التراث وسِمَاته المميزة ونموذجه الأوحد وقانونه الخاص ليس في مقابل الشمول والعمومية ولكن في مقابل فقدان النوعية والذوبان في خصوصية أخرى تَدَّعي أنها الخصوصية الشاملة. وهو التقابل الذي وضعه كانط في وصفه للإرادة بين الذاتي والغيري.
(I) جذور التراث:
وللتراث جذور في وجدان الشعب. فهو تأكيد للأنا ضد الآخر وإثبات للذات في مقابل الغير. ولمَّا كان التراث مُعاشَاً في وجدان الناس فإن جذوره تعطيهم عمقا‍ً تاريخياً قد يصل أحياناً إلى بدء الخليقة ونهايتها، وقد يتجاوزها إلى ما قبل العالم وما بعده. يمتد التراث في وجدان الشعب ويعطيه الآتي:
- 1   الأصالة ضد التذويب والتميّع والاغتراب...

أنفاستمسك ابن حزم ولا شك بالمنطق الأرسطي لحل بعض المعضلات الموروثة في الثقافة الأندلسية كتمسك أهل الأندلس بالنوازل والفقه المالكي وتزمتهم على المستخرجة… وبالمقابل رفض كل ما هو عقلي كالكلام والمنطق… لهذا قد أخطأ من اعتبر أن ابن حزم صنع بالمنطق ما صنع الغزالي به، فابن حزم يوظف المنطق في العقليات بينما الشريعة فهو يدرك أن خصائصها غير خصائص المنطق.
مقدمة:
أريد في البداية أن أعيد إلى أذهاننا تلك الصورة القاتمة التي رواها ابن أحمد الأشبلي في وصف حالة المنطق بالغرب الإسلامي وهي صورة ولا شك أشبه بتلك التي حكاها ابن حزم وابن طملوس وقد تجلت في كتابات كثير من منتقدي فن المنطق، فليس هناك أبشع من اعتباره زندقة وسفسطة بل وفي كثير من الأحيان كفر وحدث، يحكى ابن أحمد الأشبلي أنه قال: "كان الحفيد أبو بكر بن زهر قد أتى إليه من الطلبة اثنان ليشتغلا عليه بصناعة الطب فترددا إليه، ولازماه مرة وقرآ عليه شيئا من كتب الطب، ثم إنهما أتياه يوما وبيد أحدهما كتاب صغير في المنطق وكان يحضر معهما أبو الحسين المعروف بالمصدوم، وكان غرضهم أن يشتغلوا فيه، فلما نظر ابن زهر إلى ذلك الكتاب قال: ما هذا؟ ثم أخذ ينظر فيه، فلما وجده في علم المنطق رمى به ناحية، ثم نهض إليهم حافيا(…) وهم يتعادون قدامه إلى أن رجع عنهم مسافة بعيدة فبقوا منقطعين عنه أياما لا يجسرون أن يأتوا إليه. ثم إنهم توسلوا إلى من حضروا عنده واعتدوا بأن ذلك الكتاب لم يكن...

أنفاستناول علماء الإسلام موضوع السحر والسحرة من زوايا مختلفة .ويمثل  " الغزالي " قمة التفكير عند علماء المسلمين في الإيمان المطلق بالسحر والاعتقاد به على الرغم من أنه علم مذموم , ويرى أن هناك في الكون أموراً غريبة من قبيل السحر وأن هناك في ( الأعداد ) خواص عجيبة مجرية , كتلك الخواص التي تستعمل في تجربة معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق , ويشير الى ذلك المربع الذي يعرف بمربع ( بدوح ) وهو شكل فيه تسعة بيوت – أو خانات – يرقم فيها أرقام مخصوصة بحيث يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر , سواء قرأته بالطول أو العرض أو على التأريب . وقد تناول الغزالي هذا الموضوع وهويتحدث عن ( سر النبوة ) في كتابه ( المنقذ من الضلال ) .
وليس عجيباً أن يتكلم الغزالي عن السحر وهو في معرض الحديث عن النبوة , فإن للنبي معجزات يبرهن بها على صدق رسالته . والمعجزات أعمال خوارق للعادة والطبيعة , فما هو الفرق بينها وبين السحر .ومن هنا كان تناول الغزالي للقضية .
على أن " ابن خلدون " قد تناول موضوع السحر بتفصيل وتدقيق أكثر حينما تكلم عن ( السحر ) في المقدمة ." لأنه لما كانت المعجزة بإمداد من روح الله فإنه لا يعارضها شيء من السحر فإن سحر فرعون وسحرته لم يستطع أن يقف أمام العصا التي تلقف ما يأفكون وذهب سحرهم واضمحل كأنه لم يكن ".
والسحر حقيقة واقعة , فقد قال , " ابن خلدون في " مقدمته :" واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه...

أنفاستعتبر حركة جمع التراث التاريخي وتدوينه جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التي جرى جمع شتاتها وتسجيل مادتها في عصر الصحوة البورجوازية، وأهم من ذلك تبويب العلوم وتصنيفها واستقلال بعضها عن البعض الآخر، وتحديد موضوعات كل علم ووضع أصول مناهجه.
وبطبيعة الحال شارك الإخباريون ـ شأنهم شأن غيرهم من المشتغلين بالعلوم الأخرى ـ في تلك الحركة، بأن جمعوا الروايات التاريخية من شتى مصادرها، من الوثائق الرسمية، والنقوش الأثرية ـ في القليل النادر ـ ورواة القصص، والنسابة، وشيوخ القبائل، فضلاً عن المصادر الأجنبية، ثم رتبوا تلك المادة بعد نقدها وتمحيصها، ودونوها على الورق في شكل كتب ومصنفات ورسائل.
ويخطئ بعض الدارسين حين يرجعون بتاريخ التدوين التاريخي إلى العصر الأموي، استناداً إلى بعض الروايات التي تنسب رسالة مكتوبة في مثالب العرب إلى زياد ابن أبيه، ورسالة ذات طابع شعوبي في التظافر والتناحر لنسابة مجهول، وبعض مدونات لعبدالله بن عباس لم يطلق عليها اسماً خاصاً.
ونعتقد أن تلك الروايات تنطوي على انتحال بيِّن، فمن غير المعقول أن يكتب زياد في مثالب العرب وهو أمير لبني أمية على العراق في عصر أطلق عليه الدارسون عصر السيادة العربية. ورسالة التظافر والتناحر المشار إليها مشكوك في صحتها أيضاً للجهل بمؤلفها، فضلاً عن أن ظاهرة الشعوبية ولدت بعد في العصر العباسي. ومدونات ابن عباس يشكك عدم عنونتها في احتمال اعتمادها، ولو صحت فهي لا تمت...

أنفاسيقال أن الشعوب تتعامل بأشكال مختلفة مع تراثها.‏ في الواقع، أنها تتعامل مع تراثها طبقاً لبناها المعرفية وانطلاقاً من أحكامها ومفاهيمها. لذلك يجيء التعامل مختلفاً.‏
ما نريد أن نقولـه هنا هو أن الاختلاف في مسألة التعامل مع التراث ليس فطرياً، بل أنه ذهني ولـه ما يفسره في طرائق التفكير والانفعال عند كل مجتمع من المجتمعات.‏
فالتراث مفهوم حديث، بالمعنى الذي أعطي لـه في الأدبيات والكتابات التي تلت عصر النهضة. إنه يمثل كتلة كبيرة من الأعمال العائدة للأزمنة العربية الماضية والتي كان للإسلام فيها إسهاماً معنوياً كبيراً.‏
من هنا يبدأ، عندنا، ربط المخزون الفكري العائد للأزمنة الماضية بمرجعية هي المرجعية الدينية. فلا يعود التراث، ضمن هذا الفهم، مجرد خزان ضخم لأعمال كتّاب من الماضي، يتم التعامل معه بالعقل، بل يتحول إلى مخزون معنوي هائل يستثمر في تجييش المشاعر، وأحياناً العصبيات.‏
لذلك يبدو تعاملنا مع التراث، منذ اللحظة الأولى، تعاملاً منحازاً، إذ نضعه بشكل إرادي في موقع سيتحكم به لاحقاً، فيغدو التراث بعدها رديفاً ولو غير معلن للإيمان، ينصاع لقانونه وينضوي تحت لوائه.‏
فلو نظرنا في اتجاهين، غرباً وشرقاً، سوف نلاحظ أن ما نحن عليه لا ينتمي إلى تجربة عالمية وطبيعية وفطرية، بل يعود إلى خيار فكري غير مدرك مستمد من موقف مسبق وضعنا أنفسنا فيه....

أنفاسفي هذا المجال هناك مجموعة من الملاحظات لابد من الأخذ بها لتمهيد التربة في اتجاه تحقيق شروط هذا الجدل البنّاء وتحوله إلى تعايش مخصب ومثمر يستفيد منه الإسلام وتستفيد منه الحداثة.
أـ ينبغي الإدراك أن عدم التوافق وأن الصدام لا ينبعان من وجود منظومتين أو منطقين مختلفين، فعلى الصعيد العقدي والرمزي ليس هنا إلا منطق واحد لدى المجتمعات وفي كل زمان ومكان، هو منطق التداعي والربط التعسفي والاعتباطي واعادة توظيف العلامات والرموز والمفاهيم والصور واعطائها المعاني الجديدة. ويكفي من أجل ذلك القيام بإعادة تفسير المنظومتين كما فعل العرب والمسلمون أنفسهم حتى الآن وكما سوف يفعلون في المستقبل. إذ ليس هناك أي حل تاريخي آخر، وليس هناك أي امكانية كي تغير أمة أو جماعة كلياً منظومة قيمها وتتبنى منظومة أخرى. وحتى الاسلام لم يفعل ذلك، وانما عمل إلى حد كبير من خلال اعادة توظيف المعطيات الثقافية العربية وتوجيهها في اتجاهات جديدة ارتبطت هي نفسها بتغيير المجال الجغرافي والسياسي تغييراً كاملاً حتى أمكن لها النجاح والانتصار. والأزمة التي يعرفها العرب مع الإسلام اليوم ليست جديدة وإنما هي حلقة من الحلقات الطويلة على طريق اعادة التفكير وتجديد المفاهيم والقيم والمعاني، أي وضع الاسلام والمنظومة القيمية الاسلامية في العصر والتطبيق العصري. وإذا كان...

أنفاسفي الفكر العربي وظاهرة الدين:
لقد أثر الدين في المعرفة والبحث في المجتمع العربي من حيث اختيار النظريات والمناهج والميادين. ووضع الحدود التي لا تتعارض مع تعاليم الدين وروحه. وفكرة العلم النافع وغير النافع التي ترد في التراث كثيراً تعبّر عن تدخّل الدين أو توجيهه المعرفة المطلوبة حتى تأتي ملبية الحاجات المجتمعية والفكرية، ولكي تحافظ على الوحدة والتماسك في كثير من الأحوال. وقد كانت كلمة العلم والعلماء، وما زالت _في بعض الحالات _ ترتبط بالمعارف الدينية وأهلها. أما الظاهرة الدينية، الموضوع، فقد ظلت خارج ميدان الدراسة العلمية لأنها تتضمن فوق البشري والمتعالي. وتنتهي حدود أي دراسة عن الدين عند الشرح أو التأويل الذي يُمكّن الدين من مسايرة مستجدات التاريخ والتطور.
أخذت دراسة الظاهرة الدينية حيزاً كبيراً في الفكر العربي _ الاسلامي المعاصر، ولكن علم الاجتماع في الوطن العربي بتعريفه ومحاولاته المعروفة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية لم يساهم بقدر وافٍ في دراسة الظاهرة الدينية بوسائله وتحليلاته الخاصة رغم أهمية الظاهرة.
كذلك نعني بالتفسير الاجتماعي _ التاريخي للظاهرة الدينية الاجابة عن نشأة الدين ووظائفه وتوظيفه، بتتبع التطور الزمني والسياق الاجتماعي والثقافي للظاهرة. ونستطيع القول، بحسب الفهم المعروف لعلم الاجتماع والمقصود من...

أنفاسإننا نضع كلمة اسلامي بين قوسين لكي نلفت الانتباه إلى مسألة خاصة تتعلق بشرعية إطلاق مثل هذا التعبير بالنسبة للمسلم الذي يقبل ـ حتى ولو قليلاً ـ أن يخضع لمعطيات التاريخ وعلم الاجتماع والتيولوجيا والتحليلات الخاصة بها. إذا كان الوعي يستأهل صفة (اسلامي) من وجهة نظر ذاتية ـ أي من وجهة نظر المسلم نفسه ـ فإنه من غير الممكن وصفه بذلك من وجهة نظر موضوعية إلا ضمن الحدود التي يكشفها التحليل النقدي.
كيف يمكن مقاربة بهذا الوعي؟ أين يمكن لنا استكشاف أمثلته الحقيقية ذات الأهمية؟ هل يجب أن نعطي امتيازاً خاصاً لأولئك الذين يحرسون المؤسسات والأملاك الدينية ويضمنون استمراريتها؟ ما المكانة التي ينبغي تخصيصها للخطابات الرسمية التي تمجد خصائص الاسلام بحماس لا حد له، ولتلك المؤلفات المدرسية والمحاضرات الثانوية والجامعية، والمؤتمرات ومقالات الصحف: وحتى المجلات الاختصاصية؟
الخطاب الاسلامي اليوم ذائع ومنتشر أكثر من أي وقت مضى. ووفرته وتكاثره وانتشاره الواسع كانت قد أدت في وقت قصير إلى غلبة الشخصية الجماعية على الشخصية الفردية. من الممكن إذن أن نختار من هذه الخطابات الكثيرة التي لا تنفك تتزايد وتطغى عينة تحتوي على الموضوعات والمعايير والفرضيات الأساسية التي تشكل الشخصية الجماعية بأسرها. سوف نقترح للدراسة والتحليل هنا خاتمة أحد كتب مؤلف مصري معروف...

انفاسسأتحدث في هذا المقام عن أبعاد كلمة الصورة في التراث العربي الإسلامي، مستندا إلى افتراض أصوغه بالشكل التالي: إن العرب المسلمين قد مارسوا "التصوير" وأكثروا منه، وإن دلت التجارب الواقعية أنهم أغفلوه، بمعنى أنهم لم ينسوا أبدا الصورة عكس ما يعتمده الناس، وسأحاول تسويغ ذلك بناء على مستويات غير التصوير المجسم، لأخلص أن الصورة ينبغي أن تطلب لدى العرب في التصوير إذا كان ثمة تصوير، في غير ذلك من كلامهم، وممارساتهم الفكرية، كالفلسفة، والتصوف، وصناعة المعاجم، والشعر والبلاغة والنحو وهلم جرّا…
العلامات في التراث العربي:
لكل ثقافة علاماتها، فما قد يكون مؤشرا Index(1) في الثقافة الفارسية Intention، قد يكون مؤشرا بقصد Index intentionnel في الثقافة العربية، الدخان la fumée مثلا، ليس عند العرب القدامى مجرد مؤشر على وجود النار le feu، وليس وجود النار مؤشرا على وجود الحرارة فحسب، بل إنه بسبب من المواضعة Convention، مرتبط في الثقافة العربية بالكرم والقرى، والكريم تدل عليه ناره، والرجل البخيل لا نار له. ويدلنا على ذلك قول الشاعر يهجو قوما بخلاء بكونهم إذا رأوا ناسا أغرابا قالوا لأمهم بولي على النار.
وبناء على ذلك، فإن العلامة "لا تكتسب دلالاتها إلا من خلال وضعها في الثقافة"(2)، وإذا كانت الثقافة عبارة عن علامات بأنواعها الثلاثة: مؤشر Index،...

انفاسحول كتاب "مفهوم العقل" لعبد الله العروي
ربما لن يرضى الأستاذ العروي بـهذا العنوان تقديما لكتابه  في مفهوم العقل. فهو يجره إلى سياق لم يرد، وربما لا يريد أن ينخرط فيه، وأعني ذلك الجدال الذي يكثر فيه الحديث اليوم والذي تتزعمه كتابات محمد عابد الجابري ومحمد عركون.
وحتى إن لم يكن في استطاعتنا أن ننفي دخول صاحب هذا الكتاب في ذلك الجدال، فإنه مع ذلك لا يرد بشكل صريح على أية أطروحة من الأطروحات الواردة في الساحة النقدية في هذا المضمار. وربما كانت هذه سمة تميز كتابة العروي بصفة عامة، وهو صمته عما يجري بالقرب منه، وتفضيله محاورة البعيد عن مجادلة القريب.
وعلى رغم ذلك فسيتضح لنا خلال هذا العرض الوجيز لمضمون هذا الكتاب القيم أن الأمر يتعلق أساسا بنقد العقل الإسلامي.

مسألة أخرى ربما لن يرضاها أستاذنا هي كذلك، وهي ما تحمله كلمة نقد من شحنة فلسفية. والمعروف أن العروي يأبى لكتاباته أن تدرج ضمن الإنتاج الفلسفي، وهو يفضل أن يصنفها بالأولى، ضمن اجتماعيـات الثقافة. وعلى أية حال فإن كان بإمكاننا أن نسلم بأن الكتب الأخرى التي تعرض فيها لسلسلة المفاهيم كمفهوم الأدلوجـة ومفهوم الدولة ومفهوم الحرية ومفهوم التاريخ هي أقرب إلى اجتماعيات الثقافة، فإن الكتاب الذي بين أيدينا كتاب في الفلسفة، منهجا ولغة ومضمونا وموضوعا، بل إن صاحبه يبين عن تمكن كبير وإطلاع واسع على الفكر الفلسفي عربيّه وغربيه، لذا فهو حوار مزدوج مع التراث الغربي والتراث الإسلامي....

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ