قدم صاحب البرنامج المذكور أعلاه والمذاع عبر اليوتوب الدكتور حسن نجمي كضيف متميز، فريد من حيث بروفايله، باعتباره يجمع بين الحسنيين: بين النخبة ورقيها ونخبة النخبة وبين نخبة الأرض وشعبيتها ورائحتها ووجعها، بالإضافة إلى أنشطة أخرى ومسارات متقاربة ومتقاطعة. كل هذا اجتمع في شخصية مغربية ووطنية التي هي الأستاذ والشاعر والأديب وابن الشعب حسن نجمي.
بعد هذا التقديم، شكر حسن مضيفه على هذه الاستضافة الكريمة. فما كان من صاحب البرنامج إلا أن جدد ترحيبه بضيفه، مذكرا إياه بأنه قال في إحدى المرات: "اسق نبتة النعناع قليلا كي يخضر طعم الشاي".
وافق الضيف الكريم على ما قيل وأشار إلى أنه قاله في قصيدة "النافذة" ولا يزال يذكر ذلك.
من أجل مواصلة الحوار، طلب بنشيكر من ضيفه الحديث عن علاقته بالشاي. فقال إنه كان منذ الطفولة يعتبر الشاي مشروبا أثيرا جدا، وعشنا المستوى الاجتماعي الذي فيه "كب وكسر حتى يوفى العمر". كان الشاي مركزيا في حياتنا كأسرة وعائلة بالنسبة إلي شخصيا. كان الشاي هو زيت الأعراس، هو سبب اللمة والجمع بين العائلات والناس والأصدقاء، خصوصا في الفضاءات القروية.
واصل حسن نجمي جوابه بالقول إن الشاي لا غنى عنه. فمنذ أن جاءت هذه النبتة الطيبة...

لقد غلب على ظن كثير من الباحثين المعاصرين أن أصول الفقه علم تجريدي لا علاقة له بواقع الناس، محتجين على ذلك بأن ما يدرسونه ومايتدارسونه داخل المدارس ومدرجات الجامعات لايجدونه مطابقا للواقع ما يدفعهم للقول بمثل هذه التفسيرات  المغلوطة. هذا يطرحنا على سؤال لماذا أصول الفقه؟ وما الغاية منه؟

إن هذا السؤال يجعلنا نرجع للبحث في تاريخ نشأة هذا العلم، كيف نشأ الفكر الأصولي وكيف تطور، إلا أان هذا يستدعي أن يخصص له بحث مستقل ومفصل.

إذا كنا ندرك جميعا حقيقة أصول الفقه ونعتبره  كمنهج في البحث والبناء، أي البحث في الأدلة وبناء الأحكام، فإننا سنجزم بأن هذا أمر متعلق بمنهج تنظيمي، ولايمكن أن يكون التنظيم تجريديا، هذا من جهة. ثم من جهة أخرى إذا ما أردنا أن نقرأ الفكر الأصولي كي نفهم حقيقته، فلابد أن نقرأه قراءة موضوعية وواقعية، وليس قراءة تجريدية متعالية. ولعلي أقصد هنا بالواقعية، قراءة الفكر انطلاقا من واقعه، إذ أن هذا الأخير هو الذي يكشف لنا عن الصورة الحقيقية للعلم أو الفكر.

نحن لا ننكر أن هناك بعض القراءات التجريدية لهذا العلم جردته من علميته وواقعيته، لكن هذا ليس دافعا للقول بانتهائه والحكم بموته.

يجب أن نعلم جميعا...

كتاب عبارة عن دراسة علمية رصينة من إنجاز الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز، صدرت طبعته الثانية عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت سنة 2011، يتضمن ثمانية فصول موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية (222 صفحة). يذهب الكاتب إلى أن قلة من الباحثين – سواء العرب أو الغربيين – من ركز على البعد السياسي من المشروع النبوي، إذ استأثر الجانب الديني والدعوي بالقسط الأوفر من اهتمامهم، ذلك أن النبي (ص) كان أيضا قائدا سياسيا (ما يميزه عن مجموعة من الرسل) تَوَسل بوسائل السياسة والقوة المادية للتمكين لرسالة الإسلام، وكانت تصدر منه تقديرات واجتهادات سياسية لا تخلو من فطنة وبعد نظر. وهكذا يتحدد موضوع البحث في "تكوين المجال السياسي الإسلامي والموقع التأسيسي للمشروع النبوي فيه". وفي هذا الصدد، لا يخفي المؤلف إعجابه الشديد بالمشروع السياسي النبوي وعظمة قائده محمد (ص).

وعليه، فقد شغلت المسألة السياسية مكانة مركزية في الإسلام منذ صدره الأول لحاجة الرسالة الدينية إلى سلطان سياسي يرسخ دعائمها، ويوسع من رقعة انتشارها، ويضمن بذلك استمراراها ومنعتها. فما هي مظاهر وتجليات حضور مشروع سياسي نبوي؟

أولا: الوظيفة السياسية للحرب...

تمهيد:
تندرج هذه الدراسة في إطار التأريخ لأدبية مدغرة الشعرية، لاسيما شعر المديح النبوي المدغري، كجزء لا ينفصل عن الأدب المغربي الأصيل في أبعاده الأدبية والروحية والصوفية، فقد أسهم شعراء مدغرة على مدى قرون في الدينامية الفكرية لمجتمع الواحة، مستلهمين من محبة النبي «صلى الله عليه وسلم» المتجذرة في نفوسهم، أفكارهم الدينية، وهي الأفكار التي ترجموها إلى أشعار مدحية، تخاطب روحَ وعقلَ ووجدانَ وفؤادَ الإنسان المدغري المُحِب في الجناب النبوي الشريف، فالتدين من السمات الأساسية التي تطبع شخصية المجتمع الواحي المدغري، لذلك أبدع هؤلاء الشعراء في نظم قصائد مدحية نبوية شريفة إبداعا يليق بمكانة النبي «صلى الله عليه وسلم»، موظفين أغراضا شعرية ترسم فيها قصائد المديح النبوي المدغري عبر أبياتها تجليات العشق المحمدي كما عاشه هؤلاء الشعراء، فالتغريدة النبوية المدغرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدين وبالمقدس في أغلب أشعارها، سواء في الشعر الفصيح أو الملحون، بهذا المعنى تسموا المدحة النبوية المدغرية بلغتها الشعرية المدحية فصيحا وملحونا فوق الزمان والمكان إلى عوالم روحانية مشرقة، لتضيء ظلام النفوس الحائرة، والأرواح المنكسرة والقلوب المكلومة، إنها تستمد من الوحي الإلهي...

كثيرا ما أصبحنا نسمع في الآونة الأخيرة أن الفقه الإسلامي لم يعد يعالج قضايا الواقع، بل أصبح فقها يغلب عليه طابع الترديد والتكرار والتقليد، مما أدى إلى الإعراض عن الفقهاء وفتاواهم التي لاتتجاوز سقف الحفظ والاجترار، بل ولم يظهر عليها أثر الاجتهاد. إذ أنهم يعيدون ترديد الفتاوى القديمة ويسقطونها على واقعنا المعاصر دون أدنى تأمل في الواقع ولا أخذه بعين الاعتبار، مما أثر على الفقه الإسلامي بشكل سلبي.

وهنا نطرح السؤال ؛ هل فعلا لم يعد الفقه قادرا على مسايرة العصر وأحداث الواقع التي تتولد يوما بعد يوم، أم أن الفقيه هو الذي لم تعد له القدرة على النظر والتأمل والاجتهاد في الفتاوى وبناء الأحكام؟

لقد سبق وان قلت في مقال سابق إن الفقه ابن زمانه، وإن الواقع له تأثير كبير في إصدار الفتاوى وبناء الأحكام، لكن وعلى ما يبدو أن بعض متفقهة زماننا أضحى يغلب عليهم الجمود، إذ يمكن أن نسميهم فقط "ناقلي فقه" وليسوا فقهاء. ولست أدري هل مثل هؤلاء بالفعل فقهاء، أم يدعون ذلك فقط ، وعلى العموم فإن الفقيه الحقيقي هو الذي ينزل الواقع منزلة النص حين لا وجود لنصوص قطعية في المسائل المعروضة، أما القياس على الفقه الجاهز فإنما يزيد الطين بلة ويجعل فتاوى الفقيه بعيدة كل البعد عن واقعه ومتعارضة معه....

كنت طرحت على نفسي سؤالا لغويا استشكاليا متداخلا مفاده: هل صوت الحرف باللغة اية لغة من اللغات المعاصرة هو ابجدية نحوية؟ ام هو خاصية الافصاح عن معنى الصوت؟ هنا يكون رسم الحرف الابجدي النحوي كتابة يحمل دلالة خاصية المعنى المجرد من الصوت المنطوق جهرا بالكلام.

الحقيقة التي لا يمكننا اغفالها هي ملازمة رسم الحرف للصوت والاختلاف النحوي بينهما هو في معنى الصوت سواء كان الصوت منطوقا غير مرسوم أم مكتوبا .

الفرق بين الحرف المكتوب ضمن نص طباعي لغوي مقروء تداوليا هو ملازمته لصوت له معنى. لا توجد ابجدية قرائية حروفها بلا صوت دلالي له معنى.

اما في رسم الحرف اللغوي على جدار او داخل لوحة فهو يمتلك التعبير المقصود واحيانا يكتسب الجمالية الفنية على حساب فقدانه الصوت الدال الخفي او المسموع. فالحرف داخل نص مكتوب طباعة هو غير الحرف داخل لوحة تشكيلية, فالحرف في كلا التوظيفين هو دلالة تشكيلية بلا صوت لا منطوق ولا صامت.

وجدت جوابي الخاص بي ان رسم الحرف غير التشكيلي يشير الى ابجدية نحوية يلازمها صوت له معنى. رسم الحرف بالابجدية اللغوية هو شكل رمز يحمل دلالة صوتية ذات معنى. الحرف الابجدي عماد الكتابة وكي يتوفر على هذه الميزة ضروري ان يكون مرسوما بشكل متفرد عن غيره من حروف لغة ما, والثاني ان...

ايها الطير الطائر!
لا افهم لغتك، ولا تفهم لغتي
فلماذا لا نتفاهم بلغة الحب
ما دام كلانا يلهج باسم المحبوب؟

قراءة "كتاب المحب والمحبوب" للفيلسوف رامون لول المكتوب في الاصل باللغة الكتالانية تقودنا على الفور الى الاستنتاج بان هذا الفيلسوف يستلهم شعر الحسين ابن منصور الحلاج والشعر الصوفي الاسلامي اجمالا في هذا النص الذي اراد له ان يكون بمثابة سيرته الصوفية. وهناك ايضا نصوص اخرى يؤكد من اطلع عليها بلغتها الاصلية انها تستلهم هي ايضا قصائد الحلاج الذي عاش بين عامي 244 - 309 هـ (858 - 922 م). لكن كيف اطلع رامون لول الذي عاش بين عامي 1235 و1313 على قصائد الحلاج في تلك الفترة من الحياة الثقافية لاوروبا الوسيطة والمظلمة؟

لنلاحظ اولا ان مؤلفات رامون لول ظلت مجهولة تماما في الاوساط الفلسفية الغربية حتى فترة قريبة وبشكل مستغرب رغم الشهرة الواسعة التي نالها كرائد لفلسفة الحب الالهي في الغرب المسيحي الكلاسيكي وكأحد اهم ثلاثة مفكرين عرفتهم اوروبا القرن الثالث عشر الميلادي الى جانب توما الاكويني في ايطاليا ودون سكوت في انكلترا. حيث ظل كتابه "الفن الكبير في الكشف عن الحقيقة" المكتوب باللغة اللاتينية في عام 1276 بمثابة المرجع الوحيد حول افكاره، في حين وجدنا ان الفترة ما بين صدور ذلك الكتاب ووفاة لول في 1313 هي الفترة الاهم في الخصب والنضج الفلسفي لديه. اما السبب الرئيس المباشر الذي...

في علاقة الدين بالتدين تسود في بيئاتنا العربية  مقاربتان اثنتان ، الأولى مكتفية  بظاهر النص من غير اهتمام كبير بتأثير العقل وسياقات التاريخ والاجتماع والمذهب في فهمه  وتنزيله ، ففهم فـئـة  للنص هو ذات النص[1]، وبذلك فإن فهم السلف حجة على من دونهم دونما اعتبار للسياقات الموضوعية الداعية لترجيح فهم على فهم ، وحكم على حكم[2]، وتقف المقاربة الثانية على النقيض من الأولى  ، فتنفي أصلا أن يكون للنص وجودا في ذاته، إنما هي أفهام وتمثلات في أذهان أصحابها وفق إكراهات التاريخ وإغراءاته ، فالنص يذوب في ذهن صاحبه بمجرد تلقيه ، وتغيب حقيقته وراء حجاب كثيف من الأفهام والتمثلات المحكومة بالواقع ، المنضبطة به والمسيجة بسياجه[3]، وبهذا تتم إزاحة النص وأحكامه إزاحة كلية  أو شبه كلية ، فلا يبق إلا الواقع، ولا يتم الاعتراف إلا به.

نتيجة المقاربة الأولى أن يتم الاستغناء بظاهر النص عن ضوابط فهمه وتنزيله من حافات السياق والقرائن[4]، ونتيجة الثانية أن يتم  الاستغناء بالتدين عن الدين  ، وبالعقل عن النقل ، وبالعلم عن الشرع[5] .

وهكذا يجد المتابع نفسه بين خيارين متضادين  ، وموقفين متنافيين ، إما اعتبار النص وإزاحة تأثير الواقع في ذهن المتلقي ، وإما...

إن الأصول الكلية للشريعة جاءت لأجل تحقيق مقاصد الشارع، وبالتالي فإن كل ما يوافق الشرع من أصول اجتهادية كالمصلحة المرسلة...، وإن لم يوجد مايشهد له بالصحة من الأدلة النقلية، فإنه يعتبر أصلا صحيحا، ذلك لأنه وإن لم يشر الشارع إليه، إلا أنه وافق مقتضى عموم الكتاب والسنة، بل والمقصد العام من التشريع، أي جلب المصالح ودرء المفاسد، فالذي يشهد لمثل هذه الأصول الاجتهادية هو عموم الكليات المصلحية للشريعة.
فإذا كانت هذه الكليات تشهد لهذا الأصل أو ذاك بالصحة والضبط ، فأنه يلزم الأخذ به وجعله أصلا معتبرا من أصول التشريع، لأن الأصول الكلية تبقى عامة تجري على كل ما يوافقها ويحقق المصلحة المعتبرة شرعا.
لقد أنزل الشارع سبحانه الخطاب ليبين للناس مصالحهم في الدنيا والآخرة على التمام والكمال، وهذا البيان الذي جاء به الخطاب الشرعي إذا فهمه المكلف فهما جيدا سليما أدى به إلى تحقيق مراد الشارع الذي قصده منه، وهو عمارة الأرض وإصلاحها وحسن الخلافة فيها، هذا إذا ما فهم المكلف ماجاء به الخطاب من أوامر ونواهي وأحكام...، فإن هذه الأحكام ليس مقصودة في ذاتها بقدر ماهي وسائل يتوسل بها للوصول إلى تحقيق مراد الشارع من هذه الرسالة الربانية الخالدة. إنه إعمار الأرض...

لقد كان الفقه كل شيء عند المسلمين، لقد كان بمثابة النظام السياسي للدولة الإسلامية الأولى، إذ أن كل النقاشات السياسية والمعاملات والعلاقات بين الأفراد داخل المجتمع الإسلامي ترجع إلى الفقه للحسم فيها انطلاقا مما هو مقرر من أدلة وقواعد أصولية وفقهية مختلفة، وكذا انفتاح الفقهاء على الواقع وثقافات الناس المختلفة نظرا لكون المجتمع الإسلامي في مرحلة توسع الدولة اللإسلامية أصبح مجتمعا يجمع بين ثقافات مختلفة، وهذا كله كان له تأثير في المجتمع الإسلامي، وبالتالي تأثير في الفقه الإسلامي من حيث النظر في النوازل وإصدار الفتاوى والأحكام التي تعتبر بمثابة القانون التشريعي للدولة والمجتمع عامة.
وقد كانت هذه الفتاوى تتماشى مع تطورات المجتمع والواقع، وكأني بالفقه هنا، كان يمثل قانون الدولة بلغة العصر، الذي ينظم أحوال الأمة مجتمعا ودولة على حد سواء،" ولعل هذا الدور وأقصد تعبير الفقه عن كل مجالات الحياة كان سببا قويا في انتشاره ورسوخ قدمه في الثقافة والمجتمع الإسلامي"[1]،إذ أنه كان يعالج مجمل القضايا الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية داخل الدولة الإسلامية، فقد كانت له سلطة سياسية ذات طابع ديني محض، وقد افلح في التوفيق بين هاتين...

يعرض المجتمع العديد من النوازل والقضايا التي تحتاج جوابا في كل وقت وحين، مما يجعل الأمر قد يلتبس على بعض العامة الذين يظنون أن الأحكام الشرعية كلها أحكام ثابتة لا تتغير، وهذا مما يخلق لهم تضاربا في الأفكار، بل وربما يوهم بعضهم بأن العلماء يتلاعبون بالدين، أو لا يستطيعون إصدار فتاوى لكل مايعرض لهم.

دعونا أولا نقف عند مفهوم الواقع وأثره على بناء الحكم الفقهي أو بالأحرى أثره فالاجتهاد وصناعة الفتوى، هذا الذي يجعلنا نتساءل، هل من حق الفقيه أن يجتهد ويصدر الفتوى خارج الواقع كما يظن البعض، أم أنه لابد أن يجعل نفسه جزءا من هذا الواقع الذي هو بصدد دراسة عينية لقضاياه وإشكالاته؟

إن الواقع هو تلك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أبدا، بل يجب الاعتراف بها وتكييف الأحكام حسب ماتعرضه هذه الحقيقة من ظواهر اجتماعية مختلفة، وعليه فإنه من الوهلة الأولى يتبين لنا أنه لايمكن للفقيه أن يجتهد خارج حيزه الزماني والمكاني والحالي، وإلا فإن اجتهاده سيؤول به إلى ماهو مخالف لواقع الناس، وبالتالي مخالف لمقصد الشارع.

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ