سنتناول مفهوم العقلانية في المجال الفلسفي و العلمي و السياسي, باعتباره انتصار للعقل و مولدا لإنسان جديد هو الإنسان العاقل و الحر الذي بشرت به الثورة العلمية الكبرى في القرن 17 وجسدته الثورات السياسية في أوروبا في القرن 18 و 19 .
سنحاول تتبع انتصارات العقل هذه من خلال [ ظهور ] مفهوم " القانون ".
I - ديكارت أو الإعلان الفلسفي عن مولد " العقلانية ":
يعتبر ديكارت – عند الجميع – مؤسس العصر الحديث, و فيلسوف العقلانية و التنوير, لأنه أول من دعا بوضوح الى ضرورة تحطيم الأسس القديمة للمعرفة ( الحس ) و تأسيسها على أسس جديدة ذهنية ( رياضية هذه المرة ).
هذه المحاولة الجزئية يصفها هو نفسه في " مقالة الطريقة " بقوله " بنشري مبادىء الفلسفة التي استخدمتها إنما افتح النوافذ و أدع ضوء النهار يدخل الى الكهف الذي انغلق فيه أصحابه " فليس أصدق تعبيرا من وصف العصر الوسيط برمته بالكهف المظلم المنغلق على أصحابه. و ليست وضعية ديكارت من عصره سوى أشبه بوضعية سجين أفلاطون المتحرر من كهفه ( و هو مثال و نموذج الفيلسوف ) , و ليست عملية التحرر هذه سوى عملية تبدأ في الإنسان ذاته نحو الإنسان كذاب , و لعلها تلك هي مزية ديكارت الكبرى التي مثلها في ميتافيزيقا ه بدءا بالكوجيتو كجوهر لذات نحو أفق هذه الذات و هو امتلاك الوجود كله باعتباره وجود هذه الذات المتحررة حيث " نصبح أسيادا للطبيعة و مالكين لها " كما يقول ديكارت...