طاغور: العالم مدرسة! - حميد بن خيبش
توثق ذاكرة الأدب لعدد لا يستهان به من الرسائل التي خطّها مشاهير الأدباء والمفكرين. رسائل تخاطب العالم، وتحدثه عن أشواق وآلام، وتجارب ظلت تلسع قلوبهم كإبر النحل، لكنها تُخلف أثرا جليا على شعور القارئ وتفكيره.
رسائل تُلامس في مذكراتهم واقعا شبيها بالذي نعيشه، مع اختلاف واضح في القدرة على التصوير والحُكم. ذلك أن الطفولة المحفوفة بالعوز والحرمان هي ذاتها في كل أرجاء البسيطة، وشغب التلصص على عالم الكبار متعة يتقاسمها كل الصغار. كما أن الشقوق التي تُخلفها متاعب الحياة وأحزانها هي ذاتها، مع فارق في تقريب الصورة برشاقة قلم لا تحظى به كل الأصابع!
ضمن هذا المنحى الذي يُلون النسيج الداخلي للكاتب بألوان الحكمة والجمال، قدم رابندرانات طاغور ذاكرته كمادة أدبية مفعمة بالسحر، لكنها لا تصلح دليلا في المحكمة. وفي كتابه (ذكرياتي) يعرض طاغور مسيرة متألقة جمعت بين الأدب والنشاط السياسي، لتثمر بناء مدرسة تلخص نظرة فريدة للعالم والإنسان.
لم يقنع طاغور بعطائه الأدبي الذي تواصل على امتداد ستة عقود، وقدم خلاله أعمالا رائدة في الشعر والقصة والرواية والمسرح، وإنما أبدى حرصا عجيبا على تفكيك عقدتي التخلف والجهل في بلده البنغلاديش، وطرق أبواب المستقبل عبر إذكاء الشعور الوطني في مجال السياسة، وتصويب الممارسة التربوية بما يحقق تجاوزا صائبا...