ابن رشد والتـوفـيق بين الحكـمــة والشــريعــة: قراءة في كتاب "فصل المـقال وتقريـر ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" - حــمــزة فــنــيـــن
1 - الفلسفة والمنطق والشريعة؛ أيّة علاقة؟
’’ قُلِ انْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‘‘. (يونس، 101).
يَبدأ ابن رشد كتابه " فصل المـقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال "[1] بتعريف فعل الفلسفة بأنه النّــظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصــانع، والاعتبار ليس سوى استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهو نفسُه القياس. وهذا الفعل هو عينُه ما دعا إليه الشرع، حيث يسوق ابن رشد آياتٍ من القرآن تؤكّد ذلك مثل ’’ فاعتبروا يا أولي الأبصار‘‘، ’’ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رُفعت‘‘... وكلها آيات تؤكد على ضرورة النظر العقلي في الموجودات، الذّي هو أتمّ أنواع النظر/القياس أي البُرهــــــان. هكذا تغدو إمكانية معرفة الله مشروطة بمعرفة البرهان، ولا يمكن معرفة البرهان إلا بالرجوع إلى أنواعه وشروطه التي لا يمكن معرفتها وضبطُها إلا بالرجوع إلى المقدمات من مقولات وعبارات، فكأن ابن رشد هنا يُشرعن المنطق بمعنى أو بآخر. وهو أيضاً، في إطار تدعيم قوله، يقابل بين مجال الفقيه ومجال العارف/ الفيلسوف، فكما يستنبطُ الفقيه المقاييس الفقهية وجب على العارف أن يستنبط المقاييس العقلية، وكلها قياسات...