العقل الفردي في مواجهة إجماع الجماعة: لماذا تتعذر الفلسفة في العالم الإسلامي؟ - د. باسي حافظ
مقدمة
ليست الفلسفة سؤالا عن الوجود فحسب، بل هي تمرد على "الوجود المفترض". ففي ثقافة تقدس اليقين كدين مواز، يصير التشكيك جريمة، والتفكر خيانة! لكن أي هوية هذه التي تخشى الفكر حتى تعلن الحرب على روح ابن رشد؟ أليست الهوية الحقيقية هي التي تنبض بتناقضاتها، لا التي تحنط تحت راية الإجماع المزيف؟ لقد حولوا التراث إلى سجن للعقل، ونسوا أن ابن سينا نفسه كان "زنديقا" في عين من يرفعون اسمه اليوم دون فهمه. الفلسفة هنا ليست ترفا، بل مقاومة وجودية ضد من يسرقون السماء ويبيعونها أوهاماً.
الإجماع في الفقه السياسي ليس حوار عقول، بل هو طقس لتصنيع الطاعة. لقد سخروا "التوافق" ليكون غطاء ميتافيزيقيا لاستبداد دنيوي بائس: فكل مخالف يرمى بالشذوذ، وكل صوت حر يهشم باسم "وحدة الجماعة". لكن أي جماعة هذه التي تختزل نفسها في صوت الحاكم أو الفقيه؟ لقد حولوا الشرعية إلى لعبة ميتافيزيقية، حيث يقدم القمع كحكمة إلهية، ويلبس الخوف من المختلف ثوب "حماية الدين". إنه إجماع السلطة، لا إجماع الحقيقة.
كيف لتراث أنجب ابن رشد — الذي أضاء عصر الأنوار الأوروبي — أن يتحول إلى سجان للعقل في أرضه؟ لقد صرنا أمام كارثة ثقافية: ماض يشيد تماثيله ويحرق في الوقت نفسه كل من يحمل روحه. ابن سينا وابن رشد لم...