قراءة في "أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام" ـ د.محمد الراجي
يعالج كتاب “أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام”، كما يبدو من خلال المصطلحات المفتاحية الأربعة المسطورة في العنوان؛ باعتبارها دالَّة على محتواه، تأثيرات المنصات الاجتماعية في صناعة الرأي العام الإلكتروني، والآليات والأساليب التي تُستخدم في تكوينه. ولئن كان هذا الموضوع شكَّل مجالًا لأبحاث جامعية ودراسات إعلامية كثيرة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، ثم تناسلت هذه الأبحاث في سياق التحوُّلات التي عرفها المجال العربي منذ العام 2011، فإن المقاربة التي يعتمدها الكتاب تستند لرؤية توليفية؛ تكمن في دراسة الأطر المرجعية التي تُحدِّد دينامية هذه الشبكات بوصفها وسيطًا أيديولوجيًّا؛ يُنْشِئُ السياقات (العوالم الافتراضية) التي تجعل المستخدمين يحتكمون إلى الاهتمامات السائدة فيها، فتصبح هنا الوسيلة أو المنصَّة في ذاتها مُؤَدْلَجَةً، وليس المحتوى وحده، خلافًا لما دَرَجَتْ عليه الدراسات والنظريات الإعلامية التقليدية التي تربط جوهر أو طبيعة الوسيلة بمضمون الرسالة الإعلامية. ويُثير هذا الطابع؛ أي: أيديولوجية الوسيلة، إشكالًا فلسفيًّا بشأن “جوهرانية”* شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها؛ التي تُجسِّد رؤية معينة وتصوُّرًا مخصوصًا للعلاقات...
الملخص
في عصر ما قبل الإنترنت، هيمنت فكرة رئيسية على مجريات السلوك البشري٬ حيث عزف معظم الأفراد عن التحدث في أمور السياسة وتدبير الشأن العام وحقوق الإنسان٬ سواء في الأماكن العامة أو في النطاق الأسري أو مع زملاء العمل. ولكن في عقب التطور الهائل لشبكة الانترنت٬ وطفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال٬ بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي من قبيل (فيسبوك-توتير...)٬ والمواقع الالكترونية الإخبارية والتفاعلية والمدونات وغيرها من تمظهرات التكنولوجيا الرقمية٬ أتيحت للأفراد والجماعات فضاءات شاسعة و مساحات حرة للتداول و النقاش في كافة أمور الحياة و في مقدمتها القضايا السياسية، وبالتالي إعطاء الأقليات فرصة للتعبير عن آرائهم السياسية والفكرية بحرية مُطلقة بعيدا عن ضغوطات المجتمع والنظام السياسي الحاكم.
لن أدّعي في هذا المقال الوجيز تشخيص واقع منظومتنا التعليمية، وإنما سأقتصر على التمهيد لبلورة الأسئلة التي يطرحها اليوم تطور المعرفة على تلك المنظومة. لنقل إننا سنحاول أن نتوقف قليلا عند الهزّة التي لحقت ميدان المعرفة والتحوّلات التي أصابت مجالاتها ووسائطها، وما يمكن أن يكون لذلك من وقع على مدارسنا وبرامجنا وطرائق تدريسنا.
في الشهر الماضي استضافت هولندا المؤتمر العالمي للفضاء السيبراني (الإلكتروني) لعام 2015، والذي جمع ما يقرب من الألفين من المسؤولين الحكوميين والأكاديميين وممثلي الصناعات، وغيرهم. وقد توليت رئاسة لجنة من الخبراء لمناقشة الفضاء الإلكتروني والأمن، وقد ضمت اللجنة نائب رئيس شركة مايكروسوفت واثنين من الوزراء الأجانب. وكان هذا المؤتمر الذي ضم أطرافاً متعددة من أصحاب المصلحة هو الأحدث في سلسلة من الجهود الرامية إلى إرساء قواعد الطريق من أجل تجنب الصراع السيبراني.
نزلت وسائل التواصل الاجتماعي مثل هِبة سماوية على الباحثين في شؤون التسويق ومستطلعي الرأي ومتقصي قابلية المستهلك للمعالجة والتشكيل. هنا، يصرّح الناس بما يأكلون ويشربون، وأي ثياب يرتدون، وكيف يحبون أن يُخاطبوا؛ وهذه سانحة غير مسبوقة لدراسة أمزجتهم وأذواقهم ونزعاتهم في مجمعات كبرى من المعلومات، لم تكن متاحةً بالكم والعمق والسعة هذه في الماضي.
يندرج تحت مظلة "إنترنت الأشياء" العديد من التقنيات التي بات استخدامها أمراً اعتيادياً في حياة الإنسان اليومية، على غرار الأجهزة الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، وغير ذلك من التجهيزات والأنظمة المنزلية الذكية المتصلة بالإنترنت التي تشهد ازديادا كل يوم.