1

     تُمثِّل الروابطُ الاجتماعية بين الأفرادِ هياكلَ مَعرفيةً تَستمِد مشروعيةَ حُضُورِها الفِكْري مِن سُلطة الظواهر الثقافية ، وتَستمِد شرعيةَ وُجُودِها العملي مِن هُوِيَّة الفِعْل الاجتماعي الذي يَتِمُّ تكريسُه على أرض الواقع سَبَبًا وغايةً . وبُنيةُ المُجتمعِ الوظيفيةُ التي تَتَكَوَّن مِن الحُضُورِ الفِكري والوُجُودِ العملي لا تَمتاز بالكثافة اللغوية الرَّمزية فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تَمتاز بِسُيولةِ المعاني الشُّعورية المُستمدة مِن صَيرورة التاريخ ، بِوَصْفِه وَعْيًا مُتَجَدِّدًا بِتَحَوُّلات شخصية الفرد الإنسانية زمنيًّا ومكانيًّا . وإذا كانَ الزَّمَنُ هو فلسفةَ مصادرِ المعرفة ، فَإنَّ المَكَانَ هو كَينونةُ الحياةِ الواقعية، وهذا الارتباطُ الوثيق بين الشُّعور والوَعْي مِن جِهَةٍ، وبين المعرفة والواقع مِن جِهَة أُخْرَى، يُجسِّد جَوْهَرَ البناءِ الاجتماعي في مَساراتِ التاريخ المُتشابكة معَ إفرازات البيئة معنويًّا وماديًّا، ويُؤَسِّس التَّجريةَ النَّقْدِيَّةَ في الأحداث اليومية فرديًّا وجماعيًّا ، ويَستعيد مَركزيةَ الوَعْي الحضاري مِن أشكال الغِيَاب التي تتكاثر في الأنظمةِ الفِكرية ، والمعاييرِ الأخلاقية ، والأنماطِ السُّلوكية ، والنماذجِ الاستهلاكية ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تَكريس...

الحُدُوسُ الحِسِّيَّةُ بِدُونِ مَفاهِيمَ عَمْياء، وَالتَصَوُّراتُ العَقْلِيَّةُ بِدُونِ حُدُوسٍ حِسِّيَّةٍ جَوْفاء".
نَقْدِ العَقْلِ المَحْض، عَمانْوِيل كانِطٍ.

-1مُقَدِّمَة:

 اِسْتَقْطَبَتْ سوسيولوجيا " التّفاعل الرَمْزِيَّ" اِهْتِمامَ المُفَكِّرِينَ وَعُلَماءِ الاِجْتِماعِ مُنْذُ بِدايَةِ القَرْنِ العِشْرِينَ حَتَّى اللَحْظَةِ الراهِنَةِ، وَذٰلِكَ نَظَراً لِما تَنْطَوِي عَلَيْهِ هٰذِهِ السّوسيولوجيا مِن جِدَّةَ وَأَصالَة فِكْرِيَّةٍ مُفارِقَةٍ لِلنَظَرِيّاتِ الكُبْرَى التَقْلِيدِيَّةِ فِي عِلْمِ الاِجْتِماعِ، وَلِما تَتَمَيَّزُ بِهِ مِن قُدْرَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ عَلَى اِسْتِكْناه الأَعْماق الرَّمْزِيَّة الخَفِيَّة وَالدّلالِيَّة لِلحَياةِ وَالظَواهِرِ الاِجْتِماعِيَّةِ. لَقَدْ أَدْهَشَ رُوّادُ هٰذِهِ النَظَرِيَّةِ جُمْهُورَ الدارِسِينَ وَالباحِثِينَ بِما فَتَحَتْهُ مِن آفاقٍ فِكْرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فِي مَجالِ البَحْثِ السوسيولوجِيِّ، وَبِما رَسَّخَتْهُ مِن رُؤىً وَتَصَوُّراتٍ جَدِيدَةٍ عَن طَبِيعِيَّةِ الحَياةِ الاِجْتِماعِيَّةِ القائِمَةِ بَيْنَ الناسِ فِي خِضَمِّ التّفاعل وَالتَّبادُلِ الاِتِّصالِيِّ الرَمْزِيِّ.

 تُشَكِّلُ "التّفاعليَّةُ الرَمْزِيَّةُ " أَحَد...

” يعبّر الخيال السوسيولوجي عن إطار تصويري وأداة تحليلية من أجل إدراك  البناء الاجتماعي باعتباره حقيقة تاريخية قائمة بذاتها يمكن تجزئها إلى مجموعة من الأنساق الفرعية وتدرس في علاقتها بالبناء الكلي، فالباحث السوسيولوجي هو جزء من المجتمع الذي يدرسه وحياته لا تنفصل عن موضوع  بحثه ومن هذا المنطلق فهو يحتاج إلى الخيال السوسيولوجي لكي يتفهم حياته من خلال الظروف الاجتماعية المحيطة به، بل وأكثر من ذلك فيجب على كل إنسان أن يتحلى ويتصف بهذه الأداة من أجل تخطي عقبة الوعي الزائف التي قد يقع فيها في مختلف مراحل حياته الاجتماعية “ (عالم الاجتماع الراديكالي الأمريكي ﺗﺸﺎﺭﻟﺰرايت ميلز 1916/1962).

- تمهيد: يعتبر رايت ميلز الأب الروحي للاتجاه الراديكالي في علم الاجتماع المعاصر، فقد استوعب التراث الفلسفي الأوروبي- الأمريكي خصوصاً الفلسفة البراجماتية (النفعية)، التي كانت تعتبر أحد أهم التيارات الفلسفية الهامة في الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت([1]). نُظر إلى ميلز باعتباره واحداً من أهم مؤسسي النزعة الراديكالية في علم الاجتماع الحديث، ليس بسبب أفكاره الناقدة للتراث السوسيولوجي المحافظ والتقليدي فقط، بل بسبب تبنيه لوجهة نظر راديكالية ملتزمة([2])....

1
الأنظمةُ الاجتماعية المُرتبطة بتاريخ الأفكارِ قائمةٌ على دَلالاتِ اللغةِ تَوَاصُلِيًّا وثقافيًّا ورمزيًّا ، وهذا يَعْني أنَّ اللغةَ تُمثِّل شَرعيةَ الجَوهرِ الوُجودي للمُجتمع ، وتُجسِّد مَشروعيةَ الفِعْلِ الاجتماعي الذي يَرتكِز على المعايير الأخلاقية في تفاصيل الحياة اليومية، مِمَّا يُسَاهِم في تَكوينِ مَنهج تحليلي للرابطة المصيرية بين الوَعْي بالماضي وإدراكِ الحاضر ، ومُساعدةِ الفرد على أن يَكُون نَفْسَه بعيدًا عَن مَتاهةِ الأقنعةِ وشَظَايا الأزمنةِ . وإذا كانَ طريقُ الفردِ نَحْوَ تحقيق نَفْسِه يَمُرُّ عَبْرَ استعادةِ أحلامه المَقمومة ، فَإنَّ طريقَ المُجتمع نَحْوَ الاندماج الثقافي يَمَرُّ عَبْرَ تفجير طاقة اللغة . وهذان الطريقان يَحْمِيَان الفِكْرَ الإنساني مِن التناقضات الحياتية الناتجة عن أنماط الاستهلاك المادي ، ويُؤَدِّيَان إلى تَشييد مَصادر المعرفة على قواعد البناء الاجتماعي ، بِحَيث تُصبح المعرفةُ سُلطةً حاكمةً على البُنى الوظيفية في مراحل التاريخ ، التي يَتِمُّ تحليلُها وَفْقَ الرَّمزيةِ اللغوية ، والدِّينَامِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ ، والعَقلانيةِ المُنفتِحة ، وهذا يَدفَع باتِّجَاه إعادة صِياغة العلاقات الاجتماعية ، كَي تُصبح...

1
النظامُ الوُجودي في اللغةِ مُرتبطٌ بِمَركزيةِ الوَعْي الإنساني زمنيًّا ومكانيًّا ، وهذا النظامُ لَيْسَ كُتلةً فلسفيةً جامدةً ، وإنَّما هو حركةٌ اجتماعيةٌ يَتَزَاوَج فيها تاريخُ الأفكارِ معَ الأحداثِ اليَوْمِيَّة ، مِن أجْلِ تَتَبُّعِ آثارِ الزَّمَنِ عَلى جَسَدِ المَكَان ، وعَناصرِ البيئة ، وطَبيعةِ الإنسان ، وسُلطةِ المُجتمع ، باعتبار أنَّ الزَّمَنَ لا يُمكِن مَعرفةُ مَاهِيَّتِه عَبْرَ الإمساكِ به ، وتَقييدِه ، وإنَّما تُعرَف مَاهِيَّتُه عن طريقِ تَتَبُّعِ آثارِه . وكما أنَّ آثارَ الزَّمَنِ تدلُّ عليه ، كذلك تأويل اللغةِ يدلُّ عليها . والبِنَاءُ الزَّمَني هو أرشيفٌ يَحْوِي أحلامَ الإنسانِ المَكبوتة في دَاخِلِه ، ويَشْمَل خصائصَ المُجتمع المُسْتَقِرَّة في أعماقه . والبُنيةُ اللغوية هي هُوِيَّةٌ تَحْوِي مَصَادِرَ المَعرفةِ المُتمركزة في السُّلوك، وتَشْمَل العلاقاتِ الاجتماعية المُتَجَذِّرَة في الثقافة.والمَنظومةُ المُجتمعية المُتَكَوِّنَة مِن البِنَاءِ الزَّمَني والبُنيةِ اللغوية تُسَاهِم في بَلْوَرَةِ الرُّؤى الفِكريةِ التي تَتَحَكَّم بالتفاعلاتِ الرمزيةِ في اللغةِ والبيئةِ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى إعادة اكتشافِ الإنسانِ...

” إن مفهوم الإنسان المشتق من النظرية الفرويدية، هو فعل الاتهام الأقصى الذي لا يمكن دحضه ضد الحضارة الغربية، وفي الوقت ذاته هو أفضل دفاع لصالحها لا يمكن رده. فإن تاريخ الإنسان بحسب فرويد هو تاريخ قمعه. ذلك أن الحضارة لا تفرض أشكال القسر على وجوده الاجتماعي فحسب، ولكن على وجوده الحيوي. فهي لا تحد من بعض أجزاء في الوجود الإنساني فقط ولكنها تحد بنيته الغريزية ذاتها ومع ذلك، فإن هذا القسر أو الإرغام هو وحده شرط التقدم الأولي “ (هربرت ماركيوز – الحب والحضارة).

يسعى المقال إلى مناقشة علاقة التقابل والتضاد بين مفهومي اللوغوس والإيروس في الحضارة الغربية المعاصرة بالاستناد إلى نقد ماركيوز لمفهوم الإنسان ذي البُعد الواحد على اعتبار أن لوغوس بوصفه منطق السيطرة وقمع الغرائز، وإيروس بوصفه غريزة الحياة، ومنطق التمرد الساعي إلى اللذة وتحقيق الارتواء، ومن هنا فقد تم النظر إلى مجالي الغرائز والحساسية على أنهما معاديان للعقل، بل ومفسدان له. اعتمد ماركيوز في نقده للمجتمع الصناعي المتقدم على مقولات النظرية الفرويدية عن الإنسان، التي تعتبر من أعنف الاتهامات الموجهة إلى الحضارة الغربية، من حيث إن تاريخ الإنسان عند فرويد هو في الوقت نفسه تاريخ قمعه، فالحضارة عند فرويد لا تمارس قهرها على وجود الإنسان الاجتماعي فحسب، بل...

لا تَصُوغُ النَظَرِيَّةُ ما نَعْرِفُهُ فَحَسْبُ، بَلْ تُخْبِرُنا أَيْضاً بِما نُرِيدُ أَنْ نَعْرِفَهُ، أَيْ الأَسْئِلَةَ الَّتِي نَحْتاجُ إِلَى إِجابَةٍ عَلَيْها. تالكوت بارسونز ([1])

1- مُقَدِّمَة :

يُعَدُّ تالكوت بارسونز (1979-1902) (Talcott Parsons) أَحَدُ أَبْرَزِ أَعْلامِ المَدْرَسَةِ البِنائِيَّةِ الوَظِيفِيَّةِ فِي الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ فِي النِصْفِ الثانِي مِن القَرْنِ العِشْرِينَ. وَقَدْ عَمِلَ عَلَى تَطْوِيرِ النَظَرِيَّةِ الوَظِيفِيَّةِ فِي ظِلِّ مُسْتَجَدّاتِ الأَوْضاعِ السِياسِيَّةِ وَالاِجْتِماعِيَّةِ فِي أَمْرِيكا. وَقَدْ قُدِّرَ لَهُ أَنْ يُطَوِّرَ الاِتِّجاهَ الوَظِيفِيَّ فِي التَفْكِيرِ السوسيولوجِيِّ الأَمْرِيكِيِّ لِيَأْخُذَ أَبْعاداً نَظَرِيَّةً جَدِيدَةً.

وْمِن أَجَل فَهُمْ أَعْمَق لِسُوسِيوَلِوَجِيا بَارسُونزيَجِب الْخَوْض فِي الظُّرُوف الِاجْتِمَاعِيَّة لِلْحَيَاة الْأَمْرِيْكِيَّة الَّتِي فُرِضَتْ نَفْسَهَا عَلَى الْمُفَكِّرِين فِي عِلْم الِاجْتِمَاعِ، وَتَجِلَتْ فِي نَظَرِيَّاتِهِمْ وَرُدُود أَفْعَالِهِم الْعِلَمِيَّةَ، وَمِن الْبَدَاهَة فِي عِلْم الِاجْتِمَاع أَنّ السِّيَاق الِاجْتِمَاعي يُحَدَّد التَّوْجُّهَات الْأَسَاسِيَّة لِلتَّفْكِير السُّوسِيُّوَلَوَجِيَّ، وَلِكَيْ نِفُّهُمْ طَبِيعَة التَّوْجُّهَات الْفِكْرِيَّة...

1
تاريخُ البِنَاءِ الاجتماعي هو وَعْيٌ مُستمِر بالحَاضِرِ والحَضَارَةِ،وتأسيسٌ عقلاني لأشكال المَعرفة التي تَتَمَاهَى معَ مَناهجِ تحليل الذات ، وأنماطِ تفسير البيئة ، وطَرائقِ تأويل العَالَم . وأشكالُ المَعرفةِ لَيْسَتْ كِيَانَاتٍ جامدة في حَلْقَةٍ حياتيَّة مُفْرَغَة ، وإنَّما هي أشكال وُجودية تُعَاد هَيْكَلَتُهَا لتحريرِ الفِكْر مِن النظام الاستهلاكي ، ويُعَاد تَوظيفُها لتحقيقِ التوازن بين الأنساق الثقافية ، مِمَّا يَدفَع باتِّجَاه تَكوين تَصَوُّرَات مُنفتِحة للفِكْرِ والثقافةِ بعيدًا عن المَصالحِ الشخصية الضَّيقة، ونَزعةِ التمركز حول الوَعْي الزائف. وأكبرُ تهديدٍ لأشكالِ المعرفة هي العلاقاتُ الاجتماعية القائمة على تَسليعِ شخصية الإنسان ، والتعاملِ مَعَهَا كَشَيْءٍ مَحصور بين العَرْضِ والطَّلَبِ . والمَعرفةُ لا تَتَجَذَّر في المُجتمعِ كَهُوِيَّةٍ تاريخية وخِطَابٍ حَضَاري إلا إذا صارت رمزيةُ اللغةِ طبيعةً ذاتيةً للأحداثِ اليومية ، وإطارًا مَرجعيًّا للصِّرَاعاتِ داخل النَّفْس الإنسانية ، ومَنظورًا فلسفيًّا للزَّمَنِ المَفتوح ، باعتباره ماضيًا لا يَمْضِي ، وحَاضِرًا لا يَغِيب ، ومُسْتَقْبَلًا لا يُخَاف مِنه ....

1
التَّحَوُّلاتُ الفِكرية في العلاقات الاجتماعية لَيْسَتْ انعكاسًا سَاذَجًا لحركة الأفراد في تفاصيل الحياة اليومية، وإنَّما هي تَحَوُّلات ناتجة عن التَّحليل النَّقْدِي لِجُذُور المُجتمع في أعماقِ الوَعْي التاريخي ، وتعقيداتِ النَّسَق الحضاري . والتحليلُ النَّقْدِي هو الضَّمَانةُ الأكيدة لحفظِ كِيَان المُجتمع مِن الفَوْضَى ، وحمايةِ كَينونة التاريخ مِن التَّشَظِّي ، لأنَّ مَفهومَ التحليل قائمٌ على تفكيكِ الفِكْر إلى عوامل أوَّلِيَّة ، وإعادتِه إلى أنويته الداخلية ، ومفهوم النَّقْد قائمٌ على كَشْف الثَّغَرَات في جُذورِ المُجتمع المَخْفِيَّة ، وكِيَانِه الظاهري . والارتباطُ العُضْوِي بَين التحليلِ النَّقْدِي والتَّحَوُّلاتِ الفِكرية يُمثِّل مَنظورًا وُجوديًّا لشخصيةِ الفرد وهُوِيَّةِ المُجتمع ، وكيفيةِ رَبْطِهما معًا في مركزيةِ الذات ، والانطلاقِ مِنها نَحْوَ سُلطة المعرفة المُهَيْمِنَة على العلاقات الاجتماعية . وإذا كانت سُلطةُ المعرفة تُولِّد آلِيَّاتٍ لُغَوية لمساعدة العَقْل الجَمْعي على التَّحَكُّم بعناصر الواقع المُعَاش ، فإنَّ العلاقات الاجتماعية تُطوِّر أدواتٍ فِكرية لتحقيق المصالح الذاتيَّة والجَمَاعِيَّة كَمًّا وكَيْفًا...

الصراعات هي جزء لا يتجزأ من التطور الإنساني، ومن خلالها يتم تحقيق التغيير والتقدم" - كارل يونغ
"الصراعات لا تخيفنا، فالحياة نفسها تحمل الصراعات، وما يتعلق بها هو كيفية التعامل معها" - مايا أنجيلو

1- مقدمة:

شهدت نظرية الصراع تطورها على أيدي نخبة من علماء الاجتماع في القرن العشرين الذين اخذوا على عاتقهم العمل على تطوير هذه النظرية في ضوء التطورات التاريخية الجديدة التي ألمت بالمجتمعات الرأسمالية في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد أثمرت جهود كثيرٍ منهم في استكشاف أبعاد جديدة لنظرية الصراع تتجاوز حدود المركزية الماركسية القائمة على مفهومَي الصراع الطبقي، والحتمية التاريخية للتطور القائم على التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقاته. وانطلق منظرو الموجة الجديدة  للصراع الاجتماعي إلى تناول قضايا جديدة ومختلفة عن كلاسيكيات نظرية الصراع، مثل: صراعات الجندر، وقضايا التفاوت الاجتماعية القائمة على أشكال جديدة من الصراع حول: السلطة، والموارد، والثروة، والقوة، والثقافية، والصراعات التي تأخذ طابعا عرقيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا ودينيًّا وثقافيًّا [1].

وقد شهد مفهوم "الصراع" (Conflict) تطوره الفكري الملموس في خمسينيات القرن الماضي،...

” لقد حاول الفن جولدنر كعالم اجتماع راديكالي واعٍ وبارز، أن يلمس جملة هذه القضايا في مؤلفه الأزمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي وقد نجح في ذلك بامتياز. فقد سجل تأملاته في هذا الصدد خلال عقد السبعينيات، غير أن ملامح الأزمة التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين، وسجل الفن جولدنر طبيعتها في السبعينيات استمرت تفرخ أزمات متوالية بصورة مستمرة، حتى انتهت الألفية الثانية، وقد اتسع نطاق الأزمات وساحتها، حتى ملأت فضاء العلم، وحينما جاءت الألفية الثالثة طرق علم الاجتماع أبوابها وهو يحمل أزماته على كاهله، ولقد كان ألفن جولدنر على حق حينما دق الأجراس بقوة في رجاء أن يستعيد علماء الاجتماع وعيهم ليتأملوا بهذا الوعي واقعهم وموقفهم، وأدوارهم في قلب هذا الموقف، ولينتقلوا بهذا التأمل لأعماله في مواجهة أزمات علمهم حتى يستعيد عافيته ليكون قادراً على تأمل وفهم ما يقع من أحداث وتفاعلات على ساحة نظامنا العالمي المعاصر بأصعدته العديدة“. (علي محمود أبو ليلة)

- تمهيد:

يعتبر ألفن جولدنر· رائداً من رواد الاتجاه النقدي السوسيولوجي المعاصر في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً في بداية العقد السابع من القرن العشرين المنصرم. فقد أبدى...

مفضلات الشهر من علم النفس

مفضلات الشهر من علم الاجتماع