- ناجح الطاهرالكتابة واستعادة الذات: قراءة في نص «الاستواء: ما تبقى بعد المحو» لخالد الطاهري

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

الكتابة بوصفها فعل محو
ينطلق النص بفعل أمر: «اكتب بالمحو. دع النور يمرّ من خلالك...».
تكشف هذه الجمل عن تصور الكاتب للكتابة فهي بحث دائم عن النور، به يستضيء الطريق، وبدونه يكون معتم. والكتابة، في هذا الأفق، لا تقوم إلا على المحو، لا باعتباره فعلا ماديا، وإنّما تلك الصّيرورة المنبتة لمزيد من المعنى.
وحين يقول خالد: «كنت أسحب ورائي كل السنين الميتة»، يُجيز أنّه الآن يسجّل حاضرًا حيًّا راضيًا عنه. ومن هنا نستشعر هوية مشروع الكتابة الذي يأخذه كله دون هوادة. أنا أكتب لأعيش. أنا أكتب لأجعل السنين حيّة. أنا أكتب لأسير نحوي. ويحاول أن ينهض بالسؤال:
من أنا؟
كيف صارت أنايا؟
هل أنا من يكتب أم الأنا تكتبني؟

تشظّي الأنا
ظلّت إشكالية الذات تطارد الراوي مساحة طويلة من النص الذي حاول منذ البداية أن يسايرها منذ الطفولة، فعاد بها عبر الأزمنة، وعبر الأمكنة، وعبر الشخوص التي كلّما حاول إفرادها بحيّز منفصل إلا وعادت تغرف من ذاته شاء ذلك أم أبى.
تلك الذات المنكسرة بين الماضي والحاضر، والمتخيّلة والمتمنّية، والحالمة، والواعية، واللاواعية، السائرة والتائهة، كلّها خيوط بحث عنها الراوي بين ثنايا الحروف والكلمات، بين اللغة والأسلوب الذي به ناشد تلك الذات كي تحمله فوق المعنى وتغوص به في أعماق النفس. يطلب مناجاة دائمة ولا يظفر بها.
لقد عاد الكاتب يقصّ حياته لا كما هي، بل كما تخيّلها الآن. رجع إليها ليبثّ فيها نبضًا يشعر به الآن وهنا. يستجمع شظاياه من هنا وهناك، من الذكرى ومن الحنين، ومن الشخوص التي تعيشه وتراوده، ومن الأزمنة الممتدة في كيانه، ومن اللحظات المخفية في خطواته. إنّه كمن يعيد تشكيل ذاته من جديد.
هذا الأنا... من أكون؟
يسأل، فتتوالد الإجابات من خلال التمعّن في الحوارات الداخلية لكل الشخوص. إنّ هذه الهوية المتلاشية بين السطور تكتب لتكتشف نفسها. كل سطر يعرّي سرًّا من أسرارها، ويزيح ثوبًا من أثوابها.
يعود بنا الكاتب من هنا إلى سنوات الطفولة، يحدّثنا عن البيئة التي احتضنته في طفولته، وعن سنوات التمدرس، وعن العائلة، وعن الأقارب، وعن حياته بين هذه العوالم التي من خلالها وصّف لنا ترحال وعيه بها. حدّثنا عنه في ثنايا هذه الأمكنة وهذه الشخوص التي اختارها لتعبّر عن تفسيره لذاته أوّلًا. لقد عنونها بالتهجّي الأول والثاني والثالث والرابع والخامس، أين ترك المجال للفراغ، كأنّه يسترجع أنفاسه.

الميتاسرد وسؤال الكتابة

تحمله اناه الكاتبة لخطاب مباشر، من خلاله ينزع اقنعته ويجلس وجها لوجه قبالة القارئ ويخاطبه: «اعذروني يا سادتي الكرام»، وكانه يخاطب جمعا من القراء، وخيل له انه امام جمع من المريدين.
تعود لنا الذات الحاضرة «الزوج» لتخرج من الاحداث وتستقر في مكتبها على كرسيها، لتستكمل رحلة المسير او رحلة الكتابة.
من خلال الميتاسرد المتبع في مساحات مهمة في النص، والذي تفرق فيه من البداية حتى نهايته، حاول الكاتب ان يقودنا الى فهم مشروعه الكتابي: «لماذا نكتب؟» هل هو بوح ام حاجة ام بحث عني؟

البنية بوصفها معنى

بيد ان السؤال الاعمق لا يتعلق بـ«لماذا نكتب»، بل بكيف صيغ النص ليحمل هذا السؤال في صميم هيكله. فالرواية لا تكتفي بان تخبرنا ان الكتابة بحث عن الذات، بل تبني هذا البحث بنية، وتحوله الى شكل. والشكل هنا ليس زينة، بل هو المعنى ذاته.
يفتتح النص بـ«عتبة المحو»، وهي ليست فصلا سرديا بالمعنى التقليدي، بل موقف الكاتب امام القارئ قبل ان تبدأ الحكاية، اعتراف بالعجز يسبق الكلام، واستئذان يعلن ان ما سيأتي ليس خطابا مكتملا بل نزيفا مفتوحا. ثم تأتي فصول «التهجي» الخمسة كرحلة نزول الى الطفولة والامكنة والشخوص، لا بالتسلسل الزمني المألوف، بل بمنطق الطبقات الجيولوجية، كل طبقة تحفر اعمق مما سبقها، والراوي لا يروي ماضيا بل يعود اليه ليفهم كيف صار ما صار.
وعند الصفحة الثالثة والسبعين، يكسر النص مساره فجأة. يتوقف الراوي ليقول ان ملفاته اختطفت من الحاسوب، وان الصبر انهار، وانه لا يعرف كيف يكمل. ثم يخرج الى المقهى ليكتب من داخل الخسارة: «انا لم اتوقف عن الكتابة، انا فقط توقفت عن الادعاء انني اعرف الطريق». هذا الكسر ليس عرضا في السياق، بل هو المفصل الحقيقي في البنية، اللحظة التي يتزامن فيها انهيار الكاتب الحقيقي مع انهيار الراوي، ويعلن فيها النص صراحة انه لا يمثل الازمة بل يعيشها. من هذا الكسر تولد الرواية مرة ثانية.
فالجزء الثاني لا يكمل الاول، بل يعيد بناءه من الداخل. «العودة» و«النزيل» و«بطن الحوت»... هذه المحطات ليست حوادث سردية بالمعنى الكلاسيكي، بل لحظات تحول وجودية يختار فيها الراوي ان يقف امام كل حادثة، لا ليرويها فحسب، بل ليسأل ما الذي فعلته به. وحين تنتهي الرواية بجملة: «عند النقطة الاخيرة من الجملة الاخيرة، لم اكتب... بل استويت»، يغلق النص الدائرة البنائية التي فتحتها «عتبة المحو». ما بدأ باستئذان وعجز ينتهي باستواء وصمت، لا لان الكتابة اكتملت، بل لانها صارت غير ضرورية.

البحر شخصية تتحول

ولعل البحر هو الشخصية الصامتة الاكثر حضورا في هذه الرواية. لا يقدم بوصفه خلفية جغرافية، ولا رمزا جاهزا، بل يتحول عبر النص كما يتحول الراوي نفسه.
في البداية يظهر حاجزا لا وجهة، «حتى البحر لم يكن وجهة، بل كان حاجزا اخيرا امام السير». ثم يصبح في فصول التهجي ملجأ للطفولة وحاملا لذكرى الام، وفضاء تتكشف فيه اللحظات الاولى للوعي. وفي الجزء الثاني يتحول الى محاور صامت يسأل فلا يجيب: «اسأل البحر فلا يجيب، اسأل نفسي»، حتى اذا بلغ الراوي فصل «بطن الحوت»، انقلبت العلاقة رأسا على عقب، فلم يعد الراوي يقف على الشاطئ ينظر الى البحر من الخارج، بل صار في جوفه.
هذا التحول في علاقة الراوي بالبحر هو في حقيقته خريطة لتحوله الداخلي. البحر الحاجز في البداية هو صورة العجز عن المضي قدما. والبحر الذي يسأل فلا يجيب هو مرحلة الحيرة ومعاودة السؤال. والبحر الذي يبتلع هو لحظة الفناء الضرورية قبل الولادة. وعند اخر موجة من الليل، لا ينهي الراوي علاقته بالبحر بل يحولها، فيصير البحر كتابا يقرؤه لا هاوية يخشاها. هكذا يغدو البحر في «الاستواء» ليس ديكورا ساحليا، بل الجسد الحي للرواية كلها، يتنفس، ويقبل، ويدبر، ويستوي.

القرقرة: ما قبل اللغة وما بعدها

وثمة صوت يسري في هذه الرواية تحت الكلام، لا يلاحظ ان لم تصغ اليه جيدا. انه القرقرة، وهي ليست لفظا عابرا، بل خيط بنائي يظهر ثلاث مرات، في كل مرة على عتبة تحول، وفي كل مرة بمعنى مختلف.
المرة الاولى حين يلمس الطفل البحر للمرة الاولى: «الموج كان يدغدغني، وصوته يقرقر في اذني وصدري». هنا البحر هو الذي يقرقر والطفل يستقبل. صوت سابق للغة تماما، قبل ان تكون هناك بنية او معنى او سؤال، العالم يتكلم والطفل لا يزال يسمع بصدره لا بعقله.
المرة الثانية بعد تجربة الغرق مباشرة، حين يعود الطفل الى خيمة امه ويضع رأسه على صدرها: «خرج من فمي صوت خفيف، قرقرة بلا كلمات، كما تفعل هي حين تلاطفني». انتقلت القرقرة من البحر الى الطفل، من المستقبل الى المنتج. لحظة الموت والنجاة افرغته من الكلام المبني، فعاد الى الصوت الاول الذي تعلمه على صدر امه قبل ان تكون له لغة.
المرة الثالثة في الجزء الثاني، وهو راشد يحمل سؤالا مبنيا بكل ثقله: كيف يتحول الانسان في لحظة الى ذئب؟ ينتظر الراوي جواب البحر «كما ينتظر تفسير حلم». وحين يقرقر البحر اخيرا، لا يأتي الجواب من داخل بنية السؤال، بل يهدمها من اساسها: «هل الذئب قبيح؟ من اين جئت بهذا الفهم الرديء؟». البحر لا يجيب، بل يفكك. القرقرة هنا ليست عودة الى ما قبل اللغة، بل هي ما بعدها، الصوت الذي يصدر حين تبلغ اللغة حدودها وتسقط.
هكذا ترسم القرقرة في «الاستواء» قوسا كاملا: صوت العالم قبل ان يعرفه الطفل، ثم صوت الطفل حين يعجز عن الكلام، ثم صوت الحكمة حين تكسر منطق السؤال. وبين هذه المراحل الثلاث تقع الرواية كلها، رحلة من الاستقبال الى الانتاج الى ما يتجاوزهما معا.

من تشظي الانا الى الاستواء: اكتمال الرحلة

يواصل الراوي الغوص في مجريات الزمن، ويعود بعد ان يغيب ليملأ النص من جديد. يعنون فصولا اخرى بداية من الصفحة 71 حتى نهاية النص صفحة 143، فيبدأ بالعودة، والنزيل، وبطن الحوت، وعودة الضلع المسافر، والباب، واخيرا نقطة الاستواء.
حين نتأمل العناوين، يعود فينزل فيدخل فيجد فيقف امام الباب ليستوي. اراد الراوي في نهاية مسيره ان يقول ذلك، وكانه يقول: لقد وجدت ذاتي، بل امسكت حبال النجاة. ولعله ينسى نفسه قليلا فيمحو، او يعمد الى محو كل انكسار وكل انهزام وكل اذلال مر به، من خلال طرد الشخوص التي تذكره بكل ذلك التيه: «الان انتهى لسود»... ويترك الانفاس والتجليات التي تكون له متنفسا، فيعود لامه، ويهرب اليها في ليلة زفافه، ويعود لقمر ويحاكيها دون ان ينطق الكلام.
غير ان طرد الشخوص لم يكن بالبساطة التي قد توحي بها عناوين الفصول. ففصل «النزيل» يحمل في طياته درسا عميقا عن حدود الارادة. الراوي يقيم في نزل رخيص ليوم واحد، وبيته قريب. ليس لان الجسد متعب، بل لانه يحتاج «مكانا لا يطلب منه فيه شيء، مكانا يكون فيه حاضرا الى حد الغياب». الاقامة في النزل ليست هروبا، بل انسلاخ مؤقت من الهوية، فالراوي يخرج من اسمه وبيته وادواره كلها ليجلس وحيدا امام دفتره.
هناك يكتب الجملة: «لسود انتهى». لكن القلم يتوقف. «كانه يرفض ان يشهد الكذبة». لم ينته لسود بعد، والكتابة تعرف ما لا يعرفه الكاتب، فالنهايات لا تصنع بالارادة، بل تحدث.
تمر اسابيع. يموت لسود في الصحراء، وتتناقل السنة الناس خبره حتى يصير اسطورة صغيرة بلا ملامح. عندها فقط يعود الراوي الى الجملة المعلقة في الدفتر، ويكتب قبلها كلمة واحدة: «الان». وهذه المرة لم يتوقف القلم.

هذا هو الدرس الحقيقي الذي تعلمه، لا من الحياة وحدها، بل من القلم نفسه: الكتابة ليست قرارا، والنهايات لا تفرض. والكاتب الذي يظن انه يطرد شخصا بجملة، يكتشف ان الجملة لن تكتب حتى يكون الطرد حقيقيا في الواقع قبل ان يكون حقيقيا على الورق.
ثم يلجأ للحديث مع البحر ومع الذات، وينتقي ما به يدفعه لشاطئ الاستواء. يناجي ربه، ويوغل في التفكر، ويحتمي باشارات يدغدغ بها ذاته حتى يروضها، بل يحاول ان ينقيها من انكساراتها.
لقد اخذ الجزء الثاني من النص بعدا اخر، فقد اتسع صوت الراوي واخذ مساحات اطول، وكانه في رحلة عودة لذاته. فكلما تقدم النص افتك مجالا حتى انفرد في نهاية الرواية، يعود مجددا لنفسه ويحدثها، ويعلن استواءه، وكاني به يولد من جديد، ولادة وعي واكتشاف لباطن الانسان وخفاياه، ويكاشف نفسه ويعريها في محاولة ليقول: انا استرجع ذاتي، انا اكتب لاتحرر من نفسي اولا.

التخييل الذاتي بين السيرة والرواية

اطل علينا خالد بنصه المتفرد بلغة سايرت معه ارهاصات الذات وانكساراتها وتشظيها، راميا المنديل لقلمه، فتارة يكتب لجمحها، وتارة اخرى تكتبه، وتنهال عليه باقنعتها المتراكمة، وتفعل به ما فعلته الامكنة والازمنة في حفر الذكريات. حاول في جميع مراحل النص ان يتجاوز ما به لا يكون الى ان يكون.
لقد افصح الكاتب عن اسمه خالد كي يراكم هذا التطابق بين الراوي وبين الكاتب، ولعله دفع عن وعي مسبق لتجنيس منتوجه ضمن المساحة الرمادية التي تقع بين السيرة الذاتية وبين الرواية، وهي كتابات الذات او التخييل الذاتي كجنس ادبي معاصر لجأ اليه العديد من الكتاب المعاصرين لفهم الذات قبل فهم العالم.
نحن في حاجة لفهم ذواتنا حتى نفهم العالم.

ناجح الطاهر
جوان 2026

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية