الإهداء: إلى كلِّ من كتب حرفًا يريد به معنى آتيًا يهزُّ عرش القلب، لِيُمَكِّن العقلَ أن يدشّن مملكة الإنسان.
1- خلاص الدماغ من الأغلال
"بما أنّك تملك الحياة، فأنا أتوق شوقًا إلى الحياة." - فريد الدين العطار
ما تبقّى من مذكّرات أحمد التي عثرتُ عليها في مخطوطاته المودعة عندي:
لا أريد أن أسمّيه، فماذا سيضيف الاسم إذا لم يكن هو عين ذات المسمّى؟ فقط هو ليس بالرقم الهيّن والتافه: «يأكل القوت وينتظر الموت»، ولا هو من اللامبالين الذين لا يشدّهم العطش إلى الحياة والارتواء منها؛ إذ هو مختلف وطريف. إن مسّته نفحة من قلق انعكف يستجلي الأمر. فالأرصفة تفقه خطاه، فتدفعه إلى مأواه، حيث السكينة تطهّر صخب الروح. والسماء تملؤه بالأعماق، فكان يأتي بغرابة الأفعال، ويخرج على الناس بعد أن يكون قد شبع من حبّ الذات. وهكذا ينفق ممّا عنده، حتى أصبح في قريته محلَّ الأنظار. حين تراه تظنّه يترقّب من يستنصره، وهو يستنصر الناس، ومن يدفع عنه الغربة، وهو يستغيث بمن يستصرخه. وكذا كان يريد أن يكون فعّالًا، خفّاقًا، توّاقًا. وكلّ ذلك بما أضاء دماغَه من سراج التدبّر، وطاقة الفكر، وذائقة الإحساس.لذلك لا أستطيع أن أسمّيه؛ فهو ينفلت من كلّ تحديد. فهو ليس بالشجرة، لا تورق إلا أوراقها، ولا تثمر إلا ثمارها، ولكن أستطيع أن أقول: هو إنسان ذو دماغ؛ كتلة من الأعصاب والخلايا المعقّدة الدقيقة، لها نشاط كثيف، وهي مسكن الأسرار والعجائب. هذا الدماغ، إن لم يكن دامغًا للألغاز، وغالبًا عند الغضب أو الانفعال، يلطم الإنسان رأسه كأنّما يريد تدمير دماغه.
هذا هو، لمن لا يعرفه. سأحدّثكم بآخر ما طلع به علينا، وستعلمون لماذا عرفتُه بـ«الإنسان ذي الدماغ». لقد انتظرناه طويلًا، وتشوّقنا إلى عبثه الذي لا ينفلت منه الجدّ، وأصبح الشوق حنينًا، بل تلهّفًا للقياه. وها قد جاءنا اليوم مرتجفًا كورقة خريف، متوهّجًا، تتخطّفه الأبصار كالشهاب. ولمّا اطمأنّ إلينا، وابتهجنا بحضوره، قلنا له:
– هذه غربة التربة تدعوك بعد أن تخلّصت من غربة السماء.
قال:
– بل لا أريد أن أتثاقل كثيرًا إلى جاذبية الأرض كي لا أُهزم.
ثم تولّى عنّا قليلًا، وظلّ صامتًا، منشغلًا باحتفائنا به، أو يبحث عن معنى يستحقّ قوله. أليس الدماغ في حاجة إلى قوّة التركيز لتكثيف معنى لِما قد ينفلت من المعنى؟
ثم قال:
"التربة الغريبة تهزأ بغربتي، والغرباء ليس لهم سوى تربة الغربة في السماوات. وما هذه سوى أسئلة، وبعض متع الروح ولذّات الجسد تصعد وتنزل في الالتواءات، ولا شيء يجعلنا نرتوي، وإنّما هو الظمأ يولّد الظمأ. وما لذّة الارتواء إلا في العطش إلى الارتواء. كلّ ذلك كأنّما الحياة لا توهب كلّها، وإنّما في عدم اكتمالها هي الحياة، وشراهة لأسرارها. وليس غريبًا أن أتدرّب على فهم الألم فأتحمّله، وبتلك الطريقة أتجاوزه ثم أنساه. الغربة عندما لا يقاوم دماغي الإعاقة بما مُلئ به من القشّ والمسلمات التي لا تدرّبه على الإبداع الذاتي".
هكذا أتيتكم باللغز والعجز، وهذا آخر ما حدّثتْ به روحي الرّوحَ:
حرّر دماغك، وخلّصه من الأغلال؛ فالعقل غريب في مكانه ومعارفه، ومغترب في زمانه. ماضٍ كوّنه، فلا تقبله مكوَّنًا. درّبه على التطلّع إلى المستقبل، واعلم أنّ قوّته في قوّة الذاكرة والنسيان، وفي قوّة اللغات والكلام، وفي قوّة التركيز والتحكّم في قيادة الكيان. هذا الدماغ في حاجة إلى الترتيب، وتنشيطه على الذكاء.
نبّهني في آخر لقاء إلى أنّنا نكتشف بعض أسرار الدماغ. هل هو مسكن اللذّة والألم؟ هل هو مسكن الروح؟ هل حظّ الإنسان من السعادة بما وُهب من دماغ مدبّر ذكي، له سرعة في توجيه الحركة وتثبيت الفعل؟ ما معنى غسل الدماغ؟ ما معنى فساد الدماغ؟ هل هو خزّان للوعي والأحلام واللغة والكلام؟ وهل أستطيع أن أقتنع الآن، كما قال العلماء: "الموت هو سكتة الدماغ"؟
وقد كنت نسيت بقيّة الأسئلة الدامغة.
لكن ما آلمني أنّ أصحابي ضحكوا عليه، واكتفوا بتوجيه سؤال كانت إجابته عنه أكثر عمقًا.
قالوا له:
– لماذا حلقت شعرك حتى الصلع؟
قال:
– أردت أن أثبت أنّ كرامتي في خلاص دماغي من الأغلال. أردته أن يلمس أشعّة الشمس حتى تذيب ما جمد في العقل من أصنام تربّى عليها.
أمر الناس محيّر؛ يتوهّمون الفضيلة والشرف والقول الحسن، كأنّما هم حرّاس المعنى، وما أبعدهم عن الفعل. فأدمغتهم مُلئت قشًّا، ترتجف من هواجس الخوف وضغط نسق الحياة عليها، فهي مقيّدة بالأغلال. أمّا هو، ففعله يحتوي معنى، وسلوكه له مغزى. لكن "طريقه شاقّ وطويل، مع أنّه نور كلّه".
أيّها الإنسان ذو الدماغ اليقظ، لذلك أتمنّى أن أتوّج رأسك بإكليل من الغار، كالضفيرة التي كانت تزيّن رؤوس بعض الفلاسفة الأوائل.
2- السراديب والسدير
وبعدما قرأتُ ما تبقّى من مذكّرات أحمد التي عثرتُ عليها في مخطوطاته المودعة عندي، كتبت:
تستفيق إرادته، فيتساءل: ماذا لو فجّرتُ المكتوم؟ ماذا لو، بعد هذا الضنى، امتصّته الورقات، وجذّرته في تربةٍ بياضُها شجرٌ ثمارُها أكلةٌ للعقول؟
هو ذاتٌ ترفع للروح سراديب منيعة، مؤثثة بأساور من ياقوت، وكلمات القوّة، ورائحة عطرة، تهيّج أفلاك الملذّات بمستحضر المقدّسات. دواء اكتشفه، وكان يتوهّج كالنار، لا شيء يمنعه من السمو. قوّته في خفّته، وداخله لهيب، وخارجه حطب. وبين الداخل والخارج عتبة التأهّب، فمن يذوّب حديد القلاقل والأحزان والأتعاب؟ لا شيء سوى تجربة القوّة، وهذه السراديب المقامة تحميه من البلوغ إليها إلا بعد إجهاد واجتهاد، وتحتضنه من السدى، فإذا هو السداد. من يحتاجه فعليه أن يقيم بين حروفه، فتولد منها المعاني. ومن تقرّب منه لن تجده إلا إنسانًا مفرطًا في الإزاحة والغرابة، لا يمكن الإمساك به؛ فالسراديب ليس لها من أسس إلا ما يختمر للمستقبل، بلا مسارب، وإنّما بدهاليز ومزالق، والبقية زعزعة لِما لم يتوّج بزينة العبرة.
هذه السراديب أرضه، وكلمة السماء برقها ورعودها مبعث أسراره الكونية. لا تستطيعها إلا وهو ينشدها:
"امضِ، امضِ، إنّ ناري وضيائي بلا سرادق، وسراديبي بلا مسالك. كلّ من غامر وصل، وكلّ من انتفض من حثالة حلّ على سدير سراجي. سأرتّل كالخُوار، الثور الكائن الأرضي، ملحمتي. أوليست كزهرة الربيع تفتّحت في أول بدايات أيار (ماي)؟ وهل من الممكن أن يكون كالثور النطوح؟" وهو لهذا السبب جعل لكلّ سراديبه برجًا، ورايةً للمحاسن والأضداد، كالسنبلة الجبّارة، مهيّأةً للتكاثر، وتضفي عليها قوّتها وروعتها لِما لها من إمكانيات التجدّد.
في كلّ بدايات أيار ينقّب في سفوح السنوات عن إفراطه في التوهّمات. هذا حنين ممزّق، وذلك ولع مؤلم بلا أمل، وذلك التأمّل يخشى اغتيال البحث عن الحياة. فكيف يستردّ فتوحاته، ويمتلئ ويملأ الأرض؟ فمنذ ولادته عُرف ناطحًا للكره، وكان لسراديبه سدير. والسدير يُطلق على قبّة من ثلاث قباب متداخلة، والسدير سراجه يستضيء به. وها هو سيحدّثني عن اثنتين منها:
قبة المهد: لا يتذكّر من البدايات إلا أنّه يرغب أن يكون ذا شأن. كان يرى للعالم أبعادًا، فالسماء قبّته، وهو مركزها، وما يسعد إلا إذا كان قبالة قبّة زاوية سيدي بومدين. وإنّ أشدّ الاكتمال لديه الدائرة؛ ثديا أمّه قبّتان، وألعابه كالدوّامة، والكجّة، والكرة، والخضروف. كلّها دوائر، وهو لذلك لا يرغب إلا أن يكون كالسهم في الوجود، منطلقًا يتحسّس ويتلمّس ويبعثر، ويتخيّل نفسه يملك مدافع وقذائف، وهو يحنّ إلى أن يرى الدوائر. أليس أيار برج الثور العنيد، يطلب الوداعة وهو نطوح، يهيّجه اللون الأحمر والدائرة الملتهبة نارًا؟
قبة اللحد: كلّما زاد يومًا أيقظه سؤال الموت، كقبّة السماء، بالنهار مشرقة، وبالليل مظلمة، وكانت النجوم تتلألأ وتنطفئ. كيقينه، كيف للمبتدأ أن ينتهي؟ وكان يرى أنّ الحياة كالدائرة؛ قبّتها العليا الفعل إلى أسفل، وقبّتها السفلى الفعل إلى أعلى. وبحكمته كان يرى للطين بين يديه أنّه يستطيع أن يشكّله بما لا يُحدّ من الصور. واكتشف أنّ الموت هو حياة أخرى أبدية، فزال الاكتئاب من القلب، وسكن الروع، ومضى في بحث عن أنثى ينشد لها، كالسهم للقوس، لاقتناص تواصل الحياة من مصيدة العدم.
وقد أصبح بذلك ذا بأس شديد، عزمه متين، لا يرضى إلا بفتات البهجة.
"حرّرت ثدييها، عرّت صدرها، فقطف ثمارها."
هكذا، بنفس عبارة جلجامش وهو يتحدّث عن أنكيدو. ولكن الذي يميّزه أنّه بدأ من حيث انتهى؛ فقبل اللقاء بها عليه أن يرفعها إلى المعبد المقدّس، أو ترفعه، لا يهم، ويصعدا معًا إلى الخلود، وليكن العرس والعيد، حيث تكتمل في المدينة الرجولة والأنوثة؛ لأنّها لا تهرب من ذكورتنا.
لكن القبّة التي لم يذكرها كانت منسوفة نسفًا. رام ترميمها، فثقلت عليه. ها هو يمنّي نفسه بأن يرفعها، والقواعد، ولا شيء غير التسويف. عجز عن حمل الحجارة، وعويل المتوهّمات، وصعب عليه أن يلمّ شتاتها ويقيم شعائرها جلاءً ووضوحًا. القبّة نُسفت، ولا تصوّر لديه إلا أن يقيمها بنفسه، ونفسه جفّت لتمثيل المستحيل الممكن.
ويقول: إذا كان السدير بقبتين، فلأنّه أنثى، والحياة أنثى، أولها المهد وآخرها اللحد. وإن متنا فيها لن نموت، فحبّ المرأة يصل إلى حدّ الموت، وهو أقصى أنواع تمثّل الحياة وتصوّرها: ثنائية إيروس، غريزة الحب، وتاناتوس، غريزة الموت. وما حاجته إلى قبّة ثالثة إلا لأنّه عجز عن إقامتها.
هو ذا يرى عماد الحياة فيما يجب ملؤه، فهو لا يرهب الخواء بين القبّتين، وإنّما يتطلّع ليفتح معنى جديدًا يثبت به سفره من المهد إلى اللحد. وهذا الشوق إلى الامتلاء والملء تبتهج به حياته، ويشرق وجهه، وتبقى المغامرة الشجاعة في سراديب روحه، وتنتصب الكلمات وتشدّ المعاني، فتخرّ لها العقول، وتحبل منه، وتلد، ثم تشيخ وتموت.
وهي كذلك دومًا، الورقات ولوعة بفعل الكتابة، لا ترتوي؛ إن هزّه الشوق شربت، وأفاض بالأفكار عليها.
فكان إن صمت تكلّموا عنه عاليًا، وإن تكلّم سكتوا عنه.
منطقه يصبح عبثًا، فيضمن للفراغ معنى الامتلاء، وتكون له قدرة الدفاع عن سراديبه، فتفوح روائح الحيرة، تشمّها العقول التي تؤمن بالمختلف وغير المألوف، عبر عمق الانتشاء والانتشال من فوهة المجهول.
هو لا يحبّ أن يأخذ النصّ بحرفيته، ولا بعثراته الأسلوبية، وإنّما بما يُشمّ فيه من روائح المعنى. فإن أسركم، ففيه ما به تنفلتون من عذاباتكم؛ فكلّ كتابة أفول إن لم ترتقِ إلى قوّة جذب وأثير كالمغناطيس. ما يطلبه ليس الفهم، وإنّما ما بعد الفهم. وإن لم يحصل الفهم، فإنّها قد وُجدت القراءة. وليس هناك قراءة، مهما كانت سلبية، لم يستفد منها صاحبها.
إنّ السراديب تتطلّب مغامرة شجاعة، وقلبًا يبصر، وعقلًا كالسراج.
فهو الآن متورّط في قلب القيم.
3- قوة اللامعقول في صلته بالمعقول:
لم يترك الفتى وجهه لليل، وها هو مفتون بالنهار، يتأمّل كيف يُقام للشهيد معنىً في حياة الأحياء، فيحضر أيقونةً في الفضاء العمومي. سرّه ما رآه من لوحة فنيّة استوحى منها ما يتصوّره المجتمع حول طريقة تمجيد أبطاله، هؤلاء الذين منحوا حياتهم من أجل حياته وكرامته وعزّته.
في مفترق طرق، حديقة صغيرة مسيّجة، يتوسّطها تمثال من مرمر مصقول، رافعًا علامة الانتصار، وقد أحيط شمالًا بنافورة رخامية محمّلة برموز على شاكلة طيور حجرية في حالة طيران، ويسارًا غطّتها زهور من الألماس تتلألأ منها الأضواء، وفي الأعلى علامة نحاسية كالقمر العالي، وعمودان شُدّت بينهما لافتة ضوئية راقصة كُتب عليها: "نصب تذكاري لتخليد شهيد الثورة 14 جانفي 2011".
حدّثته نفسه عن الأبعاد الجمالية للمشهد ورمزيته، وبدت له أفكاره التي تختمر في ذهنه كأنّما تراقص المياه المنسابة من النافورة، وهي تُحدث صوتًا لطيفًا يوقظ حميمية ذكرياتنا ويطرب خافية اللاشعور.
لم يكن وحيدًا على هذا المقعد، بل كان بالقرب منه ثلاث فتيات، لا يعلم بالضبط هل لديهنّ الإحساس نفسه الذي لديه. وإلى حدّ الآن فإنّ الأمر عادي، ولكن حدث ما جعله يدخل معهنّ في حوار، وأدرك أنّ منطقه للعالم مختلف؛ فهو يجعل اللامنطق منطقًا، ويذهب بعيدًا في اقتناص المعاني الكامنة خلف اللامعاني، فالشاذّ يؤيّد القاعدة.
في بداية الأمر يقرّ أنّ هذا الحدث قد حصل بالفعل، وإن هو نقله لنا فلِيبرهن لنا على ما هو متشبّث به في منطقه الأسطوري الخاص، والذي لا يتضمّن منطقًا عامًا.
تركّز المشهد، وصُوّبت الأنظار نحو مشهدية الرؤية والتأمّل:
"فتاة في العشرين، جمالها وقّاد، تخطّت سور الحديقة بخفّة رائعة وبرشاقة، كانت كومض البرق، حرّكت قلبه للانتباه. ها هي غزالة تنطّ من لحظات اليقظة الشاردة. هي الفتاة وقد جمعت قواها واتجهت صوب النافورة، وتمدّ للماء الذي ينهمر منها فاها لتشرب، ثم تعيد الكرّة مرّات، كأنّما توحي بعدم الارتواء، ثم تتوقّف حينًا، وحينًا آخر تأخذ في الرقص، كأنّ موسيقى الماء أيقظت فيها الرغبة في الحياة والانتشاء، أو أنّ المكان سحرها. وخُيّل إليّ أنّها تغازل التمثال المرمري. كانت تنظر إلى الزهور، وتشتهي أن يكون قلبها زهرة فوّاحة لروح الشهيد، أو أن تكون تمثالًا مرمريًا بالقرب منه تؤانسه. وبعد أن امتلأت بمسرحة انفعالاتها الثورية، اجتازت السور الحديدي للحديقة بسرعة."
هكذا كان يرى المشهد، ولكن ما آلمه أنّ الفتيات اللاتي كنّ بالقرب منه كنّ يضحكن عليها.
إذ قالت إحداهنّ في سخرية:
– الأكيد أنّها مجنونة.
فردّت الأخرى:
– لو متُّ عطشًا، لن أتجرّأ على أن أشرب من هذا الماء المتّسخ.
وقالت الثالثة:
– لطفك اللهم! هذا مصير من يفقد عقله ويجنّ.
وتعالت الضحكات حتى تحوّلت إلى قهقهات، والفتى يتقطّع أربًا أربًا، والألم يدفعه ليفصح عمّا في نفسه.
كانت الفتاة قد ابتعدت خطوات عن الحديقة، لكنها عادت من جديد، ووقفت تتأمّل تدفّق الماء، وهي في حركة لولبية تحرّك الساكن فينا. فما كان من الفتيات اللاتي كنّ يجلسن بالقرب منه إلا أن واصلن الضحك. ولذلك لم يتمالك نفسه، واتجه إليهنّ قائلًا بصوت كالتلاوة:
– من فينا المجنون؟ أالذي يهتمّ بالآخر وما يفعل، أم الذي يفعل ما يريد من غير أن يسيء إلى غيره؟
هنا صمتن قليلًا، وقالت إحداهن:
– إنّها شربت من الماء المتّسخ، فهو غير صالح للشرب، ثم إنّ حركتها أيضًا غير عادية.
وقالت أخرى:
– انظر إلى سخرية كلّ الناس منها.
وقالت الثالثة:
– أنا لا أملك جرأة أن أقوم بما فعلت، ولو متُّ عطشًا.
وبعد أن أنهين حديثهنّ، ذهب في اعتقادهنّ أنّه سيدعم رأيهنّ، لكنه اقترب منهنّ وقال:
– أطمئنكنّ، النافورة بُنيت على عين دائمة الجريان، فماؤها طهور. فكيف تنتمين إلى هذه المدينة ولا تعرفن أسرارها؟ ها أنا لا أرى أنّ الفتاة مجنونة، بل انظرن من منكنّ تقدر على أن تتخطّى هذا الحاجز برشاقتها؛ فالعقل السليم في الجسم السليم، وكما رأيتن فهي قادرة على أن تفعل ذلك. فهي ترى كأنّ هذا المكان طبيعة بكر، ترتوي من ماء يتدفّق من عمق الأرض، كأنّما تلامس منبعه الذي تشكّل منذ أول يوم خُلق فيه. وتلك حكاية أخرى لا يفقهها إلا مفكّك الرموز، يرون فيه شفاءً للروح والجسد.
ثم ألا تسمعن نقرات الماء بصفائه ورقّته، وهذه النغمة التي تطهّر النفس؟ أليس هو حنينًا إلى العمق والعودة إلى رحم الأم؟ ربما ترى الجمال الآن، وقد اندفعت بتلقائيّتها نحو هذا النصب التذكاري؛ فهي تريد أن تلامسه، أو أنّ هذا التمثال لشاب لم يقدّم حياته فداءً إلا للماء، رمز العطاء والخصوبة والحياة.
أعلمن أنّ هذه النصب التذكارية ما هي إلا أيقونات رمزية لها بعد مدني، تهدف إلى تمجيد الشهيد، بالإضافة إلى جماليتها المندمجة في النسيج الحضري. إنّها طريقة لتصوّر نوع معيّن من أنواع تكريم أموات مميّزين. فكيف لهذه الفتاة ألا يستهويها هذا الرائع المحمّل بالدلالات؟
صحيح، ربما ما قامت به لأنّها مختلّة عقليًا، ولكن ليس هذا الاختلال إلا من نماذج مثلكنّ يحرصن على مراقبة الغير حتى يفقد تلقائيته وعفويته، فلا يتحمّل ذلك، ولا يتحمّل رصد الناس له، فيصيبه العصاب والذهان.
فلو ناديتها وقلت لها: ما أجمل جسدك وقد شُدّ إلى النصب! لرأيتنّ روعة منطقها.
وسكت الفتى بعد أن قال هذه الكلمات.
وهنا تكلّمت إحداهنّ:
– لقد ضمّنتَ المشهد منطقًا مغايرًا جدًّا.
قال:
– إنّ جنونها يتمثّل في أنّها لم تنزع عنها لباسها وتستحم، لا، بل في أنّها توقظ فيكنّ رونق الحياة في بداياتها الأولى، وتعلّمكنّ أنّ لهذه المدينة جذورها ومعالمها وأبطالها، وأنّ العقل يتوزّع إجلالًا لمن أعطى حياته لتوهب لنا الحياة، وأنّ هذه الفتاة وجدت راحتها، وربما شفاءها، في هذه الحركة التي رأيتن أنّها لا تخضع إلى منطقكنّ الخاص. وفي هذه الدنيا كلّ له منطقه. لا يهمّكن من جنّ إن عقلتن، ومن منكنّ تقدر أن تمتلك جرأة هذه الفتاة؟ وماذا فعلتن بالعقل إلا أن تهبن له أسوأ التفاسير؟
فلم يجدن ما يقلن، فانسلّ من أمامهنّ، وقد ألححن عليه بالبقاء، فأجاب بأنّه مجنون أكثر من تلك الفتاة.
فجرين وراءه، وقالت إحداهنّ:
– بل نحن المجانين، وقد أيقظتنا بأنّ وراء اللامنطق يمكث المنطق.
وغادرهنّ من غير أن يلتفت، وكان قد ترك لهنّ جودة السؤال عن المألوف الذي يخفي ما لا نألفه:
ما موقع ذلك من السياسة العمرانية في المدينة؟ وما الأبعاد الرمزية للنحت؟ وما تصوّرات الأحياء حول الشهيد الذي يجعل قيمة الحرية والكرامة أرقى من حياته؟
جعلت النظم المدنية مسألة الخلود ليست مسألة غيبية فحسب، بل أعطتها بعدًا تؤصّل به شرعيتها، فتحوّل الشهيد، كقيمة أساسية، مندمجًا في نسق البنى المعمارية، فترى جمالية الفن استرجاعًا للبدايات الأولى لانبثاق وعي الإنسان بالموت، وتمجيد فئة خاصة، وتكريمها للأعمال البطولية التي قامت بها.
وكانت هذه الفتاة جريئة لتعانق ما هو حميمي، ظاهريًا لا يحمل أي معنى، ولكن في لاوعيها كان حاضرًا رمزًا قويًا، فمن حاول أن يفسّره؟
من منكم لم يقف خاشعًا أمام مشهد طبيعي حي، أو لم ينشد صورة شهيد أهدانا أعزّ ما يملك؟ وهذا وحده كفيل بأن يعطي لتصرّف الفتاة مشروعية؛ ففي فعلها الذي أتت به لوحة قد اكتملت، ولا يعقل أن يثنينا جنونها عمّا تقيمه من علاقات. وإنّ المعاني لا تُدرك إلا بما تكوّنه من شبكة علاقات متبادلة ومتماسكة، تعطي تفسيرًا للعالم، فجعلت من حدث بسيط سخر منه بعض الناس حدثًا مخزنًا بالمعاني.
وهكذا دومًا أنشدّ إلى الغريب والعجيب، ويسعدني، ولا أسخر من أحد إلا من نفسي؛ قوّة اقتناص سرّ الأسرار من العالم والإنسان.
هيا أيّها الفتى، نحن ننتظرك لتنبهنا إلى فتح آخر يجنّبنا العجز عن استنباط المعقول من اللامعقول.
أمّا الفتيات، فقد أخذتهنّ الدهشة للبحث عمّا وراء الأحداث والصور والأفعال.
لا صحراء من غير عاصفة رمل:
لا يرى لنفسه أصولًا تلمس مقدّس البدايات الأولى للإنسان. يقلقه بحثُه عن عين لم تنبجس بعد، وبذور لم تُكتشف. كان حنينه يولّد فيه أفكارًا غريبة عن عصره؛ أن يتمثّل الوجود تمثّلًا إحيائيًا، كأنّه غاب عن لحظته إلى الزمن الأبدي الذي كان يرغب في اكتشافه. وأيّ زمن أشدّ على الإنسان ثقلًا من أن يتأمّل زمنه الأبدي في زمنه الدنيوي؟
لا يدري متى بدأ معه هذا الشعور الغامض، والسرّ المكنون في ملكوت روحه. لعلّ ذلك حدث إثر انشغاله بفحص الأساطير والتنقيب في أغوار النفس، وما أنتجه الإنسان من رموز وممارسات شتّى ملأ بها هوّة الفراغ بين الحياة والموت، وبين الوجود والعدم. فهو يقرأ عن معجزة الإنسان الأولى، ويندهش لها.
فكيف له أن يحقّق روح المغامرة، ويشكّل ذاتًا تنسى لتتذكّر أولى انبثاقات العقل في الكون؟ وبأيّ زمن يمكن أن يقيس هذه الأطوار التي لا تُحصى ولا تُعدّ؟ أهو انفلات عن الوعي بتاريخه، أم هو عود على بدء نتيجة غربته في الوجود؟ هل هو حنين إلى ما يطهّره من لهيب السؤال وضياع الحكمة؟
واستقرّ رأيه على أن ينكبّ أكثر على دراسة القوى الخفيّة والعميقة في الإنسان، وكيف يستطيع أن يثبت أنّه لا قوّة أعظم من قوّة روحه على التحدّي، وسعيه الدائب إلى الخلود.
وهو ما زال، كما عهد نفسه، يتطلّع إلى أخبار الدنيا والناس بنفس الحيرة والتساؤل.
ثم ماذا، أيّها الإنسان؟ لماذا لم تصل إلى مرحلة اللاخير واللاشر؟ وهل يقتضي وجودك أن تظلّ تعدو في مسافة ملغّمة بالشرّ، وهي تقتضي نقيضه، بأن تأتي بالخير وإن ثقل عليك؟
وما له من قوّة على التفكير، وهو غريب في وجوده البائس، وعقله الشقيّ كرحى تطحن وتصفّي، ولا جديد لديه. كان يتخيّل نفسه قد انحلّ في الكون، واعتقد الناس أنّه قد جنّ، ولم يعلموا أنّ التخيّل هو قوّة التلقائية ونشوة الوجود. وإنّه لو انحلّ بالفعل، لكان كما قالوا، وكانوا بالفعل صادقين.
لم تشفه تجربته في الوجود، ولم تشبعه التأمّلات، فعاوده الحنين إلى المطالعة والكتابة، فعاد إلى المكتبة العمومية بقريته، ينفض الغبار عن كتب سبق أن قرأها، وكانت هي التي عمّقت جراحه. وها هو الآن يعود إليها، لعلّها تشفي ما بنفسه.
كانت المكتبة خاوية على فراغها المتدلّي كالصمت. لا أحد هنا يقدر على الصبر لإنهاء صفحات كتاب كاملة، لذلك فهؤلاء، بعضٌ في عدد الكثرة بالمجاز، يقلّبون الكتب بسرعة، ولا يستقرّ لهم قرار على إحداها.
نوافذ المكتبة تفتح على الفضاء الملوّن بحيرته وشقائه بالعقل. وها قد فتح كتابًا ليرى فيه طرق التنقيب عن أغوار النفس. كان بحثًا في حيرة الفرد في مجتمعنا اليوم، ويقرأ، ولسوء الحظ، أنّه:
"لأمر أوضح من أن يُنتبه إليه، هو أنّ الفرد إن لم يولد ولادةً روحيةً جديدة حقًّا، لم يستطع المجتمع أن يولد هذه الولادة هو أيضًا؛ لأنّ المجتمع هو مجموع أفراد يحتاجون إلى فداء."
كان منكبًّا على الكتاب، كمنجّم أول عهد له بتفكيك الطلاسم وفكّ ألغاز الوجود. تأكّد أنّ الكاتب لا يعرض حلولًا يسيرة للأزمة، وإنّما يوجّه الدعوة إلى الإقرار بوجود الخير والشرّ في كلّ فرد، وإلى فهم صحيح للنفس، دفاعًا قويًا عن تكامل الفرد.
وأنّ هناك ما يستوجب البحث عن أحوال رفاهية الروح، وعن القوّة الكامنة في نفسية الفرد، وليس هنا ما:
"يستحثّني على تفاؤل مفرط، ولا عشق للمثل العليا، إنّما أنا معنيّ بمصير الكائن البشري الفرد."
وفي دهشة من أمره، ومن أمر القراءة، ومرارة الواقع، سحب ورقة وكتب ما يقرب الشعر:
آه... أين وجعي؟
ضيّعني في طلبي للمستحيل.
هذا الوجع يدمّرني،
لكن تنبعث فيّ الذكريات، والكلمات،
والسعادة القادمة مع عاصفة رمل
أتت بها الريح.
أيتها الحماسة، اجعلي قلقي ينبض بدفق الحياة،
والشجاعة تخلق من ضعفي إبداعًا لقوّة الكلمة،
وليس للكمة القوية.
لا صحراء من غير عاصفة رمل،
ولا ينفلت الموج الصاخب من البحر.
وخيّم على المكان صمت رهيب. أغلق الكتاب، وقد سبقته الدمعة لتعبّر عنه، وهي اعترافات:
"أيّتها الحبّة، لا ترفضي أن تُدفني تحت التراب للموت؛ لأنّك ستبعثين من جديد."
4- تلويحات (اللسان بما تكتبه اليد واليد بما يقوله اللسان)
"الإنسان كما يكذب في الكلام، يكذب في الفهم."
"لا أنا عالم، ولا أنت سرّ الدهر أو حلّ مشكلٍ منه، دقًّا نتلظّى خلف الستار، فإن زال فلا أنت أو أنا، ثم نبقى." - عمر الخيام
"إذ نكتب فإنّنا نهب دائمًا كتابةً لمن لا يملكونها، إلا أنّ هؤلاء يهبون الكتابة صيرورةً لن تكون هي دونها." - جيل دولوز
الأشدّ عنفًا ليس تلقّي السؤال أو إلقاؤه، وإنّما عدم إرجاع الجواب. ولو نظرنا إلى العلاقات الإنسانية لوجدنا قيمتها في التواصل؛ أن ننصت لبعضنا البعض، وأن نفهم ونتفاهم ونتفهّم بحرارة الابتسامة، وخشوع التلقّي، وحيوية اللقاء. هذا فنّ التخاطب، فإذا "وقع بحث عن شيء مجهول تعاضدت الأدلة فيه، وتشاهدت الشواهد له، وتقاطرت النظائر عليه، وليس الحقّ مختلفًا في نفسه، بل الناظرون إليه اقتسموا الجهات." وكما حصل الحوار انبسطت الذات، واطمأنّت، وانشرحت، وتألقّت.
هذا ما بدا لي عندما أراد أن يحادثني وأن أسافر في نشيج روحه. قال:
تألّمت وكتبت. أريد ممّن يقرؤني أن ينقدني، وأن يبيّن لي حدود كلماتي، فلقد تكتمت كثيرًا، وأريد أن أسرد اعترافاتي. وليس هناك أقوى من الحكاية، والإنسان لسانه، وهو المخبر عن أسراره، ومنبت ثمار عقله، وبه يعترف، وبه يعرفنا، وبه يطرب فيرتاح. ومن خاب لسانه وفسد منطقه، فكأنّما هو شجرة لا تثمر إلا ثمارًا خبيثة. وهذه التلويحات في حاجة إلى الردّ، فاللسان واليد هما قوّة الفرد.
لقد تعلّقت نفسي بحديثه، وهزّني الشغف الرائع لأفهمه أكثر، فسألته:
ما حدّ الكلام؟
إنّه مؤلّف من صوت، وحروف، ومعانٍ.
كيف يحصل؟
"بجذب الإنسان الهواء بالحركة الطبيعية، وحصره في قصبة الرئة، ودفعه، ومصاكته بالحركة الإرادية للهواء الخارجي، بحروف تجذبها آلة اللهوات، وهذه مركّبة دالّة باتفاق واشتياق على معاني فكر النفس المنطقية بقدر الهواجس الطائرة، والخواطر السانحة، والصواب المؤيّد من العقل، والأثر الحاصل في القلب."
كان يتحدّث إليّ وأتحدّث إليه، وانتهيت من لومه على نشر ما يكتب وما يتحدّث به للناس، لأنّي عرفت أنّ اللوم يجب أن يُلقى ليس على من يتكلّم ويكتب، وإنّما على المتلقّي الذي لا يتفاعل، ولا يتحاور، ولا يتناقش؛ لأنّ الكتابة والقول هما استراحة الروح وتطهّرها، وهما إثبات وتثبيت، وعروج لذلك المكان المحتفي بالراوي الذي يجنّح بخيالنا، ويملأ فراغ الروح بحكايات لا تُنسى، فهي دعائم الحكمة. فهذا الراوي لا يخذله الزمن، بل يكثّفه، ويعلّمنا فنّ الإنصات وإقامة حوار عميق مع الذات، ومع أحداث وأبطال حفروا في خافية اللاشعور الجماعي، فتتحرّك ذاكرة الشعوب وتنهض بالحِكم، وصوت يأتي كخطف البرق.
وكلّ إنسان منّا يريد أن يقول كلمته بحسب ما يتخيّره من تلويحات، ويريد من الآخر أن ينصت إليه وأن يردّ على انشغالاته. فهل يملّ الراوي ولا ينهي الرواية؟ وهل ينتفض السامعون من حول المتحدّث البارع المتلقّف للقلوب والعقول؟
هكذا تراجعت عن لومه وقلت له:
اكتب وانشر، فمن قال لك إنّه ليس هناك من يتابعك؟ وأنت نفسك حدّثتني عن ردود البعض الذين شدّتهم بعض نصوصك، وعن البعض الآخر الذين قالوا إنّها في حاجة إلى التطوير.
ثمّ التفت إليّ، وقد كان ملتفًّا بكلامي، ويستمع إليّ، ويتنفّس الفهم، ويتثبّت المعاني، ثم قال:
"الكلمة السديدة قد تكون مختلفة أكثر من زمردة، ويمكن للمرء أن يعثر عليها بين الخادمات المنحنيات على الرحى."
وكذلك النصوص هي حبر التجربة، وهي هوامش ترغب في التوضيح أمام الآخر، لعلّها تكون جسرًا للتواصل وللتواصي. و"يمكن أن تكون الكتابة في علاقة أساسية بخطوط الهروب؛ أن نكتب هو أن نرسم خطوط هروب، أن نكتب هو أن نصير (أن نكون في صيرورة)، لكن هذا لا يعني أن نصير كتابًا، بل هو أن نصبح شيئًا آخر." للاأنا، وللامتلاء، وللتجاوز.
5- بيانات: بيان الاعتلاء والإصغاء
ها هي الأيام تتوالى، أين الجديد؟ سؤال كسّر زجاجة الاطمئنان، وفجّر اليقين. قلق يستنهضني للبحث عن التجديد.
أنت أيّها الإنسان، أنت المكلّف بالإصغاء إليّ. أنت الكائن مقصد حيرتي. ابتعد عن كلّ تحديد، وعن كلّ تفسير، وكن السرّ المكنون. تحمل المعاني وهي تعجز أن تحملك، وتستوعب المعارف وهي لا تستوعبك. آمنت بإمساك المستقبل، ولكن قفزت في المجهول أكثر من مرّة. أنت الذي في أسرارك تكمن قوّتك. أنت المكلّف بالإصغاء إليّ. أنت الذي أوحيت إلى العلماء بأن يكرّسوا حياتهم بحثًا عن معنى وجودك، وجاء الوقت لتكشف ما لديك من قوى بنفسك. الآن لا مجال للجهل والخذلان.
ها هي الأيام تنقضّ على أيامنا. أريدك منفلتًا منها بتكثيف رغبتك في الحياة، أن تكسب حقًّا تستمتع به، وتقوم بواجب تستنهض به. لا تيأس على ما فاتك، ونحِّ عن قلبك الأحزان. وإن أنا خاطبتك اليوم بهذه الكلمات، فلأنّي أعرف أنّ الإنسانية جمعاء تشترك في نفس الأسئلة، وأنّ ما يوقظ روحي أعتقد أنّه يوقظ روحك، أيّها الإنسان.
أيّها الكائن، أنت المكلّف بالإصغاء لِما أملاه الواجب عليّ، فأنا لم أجد ما أكتبه إلا هذه الصرخة المدوّية من قلقي وخوفي من العدم الذي يلتهم كلّ شيء.
عندما يثقل عليّ سؤال الوجود أكتبه حروفًا حتّى أنزع عن عقلي الهوس. ولكن لمن سأتوجّه به؟ أليس إليك أيّها الإنسان؟ إذن أريدك أن تصغي إليّ، وأن تستمع لحيرتي وقلقي، فقط أن تراني كيف أتحمّس لمشكلتك الأزليّة. لولاك أيّها الإنسان ما كتبت كلمة، ولا نطقت حرفًا. لذلك أرجوك الإصغاء إليّ، فلي ما أريد الإفصاح عنه:
- افرح عندما تشيّد صرحًا يرفع من شأنك، وعلمًا يمكّنك من التمكّن، وأملًا أكبر في التلذّذ بالحياة، ولا تفرّط في مجدك، وعيّن فعلًا.
- اعلم أنّ الخلاص عمل مشترك بين كلّ الإنسانية، وأنا ما زلت أتساءل عن أسباب الصراع والنزعات بين البشر.
هذه الأفكار كلّما هممت بالكتابة غزت ورقاتي. ما الغاية أن نظلّ عاجزين عن حلّ أسئلة نطرحها على أنفسنا؟
ابحث معي أيّها الإنسان، لماذا ظللنا لغزًا يولّد الألغاز؟ أريد أن أعرف لماذا بقيت مسكونًا بهوس السؤال، وعدت ملتاعًا أكتب الأسئلة المحرقة. ولكن ما يفعل العويل؟ وما يفيد أن ردّدت نفسي صدى الأسئلة التي لا تبشّر بمعنى جديد؟ وهل هنا يكمن سرّ عدم انتهاء الكتابة؟ وهل لهذا السبب لا شيء يقنعنا، فنظلّ دومًا منشدّين للبحث، لعلّنا ما زلنا لم نمسك بكلمة سرّ الاطمئنان؟ وماذا يمكن أن نتوقّع لو لم توجد الكتابة؟
أيّها الإنسان، أنت السؤال، أنت المكلّف بالإصغاء لحركات الأفلاك وما تخطّه الأقلام. أريدك يقظًا، تهدأ لليقين حيث لا يقين. أريدك مستوعبًا لهول صرختي، فإنّ أوجع الآلام ما كان في صمت، وأفرغ اللحظات تأتي لمن يريد أن يصرخ ولا يقدر.
ها إنّي أريد أن أعلّمك، أيّها الإنسان، أنّ الكتابة راحة للعقل، وتصريفها للقرّاء تضميد للجراح. وها قد كتبت ما يعيد لي اتزاني.
لذلك، أيّها الإنسان، لا تستطيع الإصغاء إلى تطلّعاتي إلا بالاعتلاء لصرح العقل. سأنتظرك، وإن لم تأتِ، سأحاول من جديد البحث عن القوّة التي تشدّك لِما أردتك أن تصغي إليه. ليس ما كتبته الآن عجزًا، كما قد تذهب إليه، وإنّما هو جوع لِما هو جديد. ففي هذه اللحظة شعرت أنّي في حاجة إلى ما يحرّكني من جديد للبحث، ولم أجد غير الأسئلة.
وإنّ الاضطراب أمام توالي الأيام حالة صحيّة تبرز لنا أنّنا نطمح إلى التجديد، والبحث عن تجديد مكانة لنا ضمن حركة التاريخ.
إنّي أحاول أن أتخطّف لحظات الكتابة، لعلّي أمسك بجملة تكون بلسمًا لألم الروح. لا أريد أن أدع ما يجول بداخلي من هوس، وكلّ محاولة في الكتابة ما هي إلا اختيار لقدرتنا على توليد معنى جديد.
ونظلّ دائمًا، وعلى الدوام، مصوّبين قذائف طاقاتنا، لعلّنا نقتنص بها ما ندخل به دائرة الاعتلاء والإصغاء إلى صوت التمكين الذي انتظرناه طويلًا.
أيّها الإنسان، أيّها الكائن، أنت المكلّف بترتيب غرفة وعينا، ومناصرة إنسانية الإنسان، وإلا ظلّ المكر اليقظ يترصّدنا.
ها قد حاولت، وأرجوك أن تضمّ صوتك إلى صوتي لنحتفل بالعرس الكوني، إن غذّينا كلماتنا ونمت في ظلمات الليالي.
أنتظرك أيّها الإنسان، ففيك من القوى ما يبشّر بما يشبه فوهة بركان، ونيران تنبلج منها إرادة الحياة.
بيان الثروة في الاقتصاد والإبداع:
يا أيها الإنسان، بياني موجّه إليك، وأنت المكلّف بالإصغاء. أعلمك بأنّنا دخلنا العصر الكوني، عصر العولمة. لا تستغرب ذلك وتقول لي: ما شأن الإبداع والاقتصاد؟ وما دخل الأدب في قيم السوق والمبادلات؟ وما علاقة الكلمة بمواقع النفوذ في العالم؟
أترجّاك أن تصغي إلى أسئلتي: هل تغيّر نسق الأشياء نحو مزيد من أحكام المراقبة والمعاقبة؟ هل تحوّلت العبارة إلى بضاعة؟ هل يمكن أن يواكب اقتصاد العولمة تدويلُ الإبداع وأماني المثقّف في إنسانية مشتركة متوحّدة، برغم اختلافاتها؟
هذا بياني، أيّها الإنسان، بيان في ترشيد الأدب نحو الوعي بموقعه في عصر الأرض-القرية. اعلم أنّ نداء الإبداع يرى التنمية تنميةً للإنسان، وأنّ حلول الأمس ما هي إلاّ نفيٌ لمشاكل اليوم، وأنّ مرض الحضارة هو في التهديدات التي تمسّ توازن البيئة. فما أفظع العالم، أيّها الكائن اليقظ، من غير حبّ وشعر وعرس وحماس وكلمة.
أترجّاك، أيّها الإنسان، أن تسارع في البحث عن مفتاح الخروج، فمأساةٌ أن يظلّ التقدّم أسطورة، فلا نسمع إلاّ عن سلاح الدمار الشامل، وعن استنساخ البشر، وثروة بيولوجية من غير قيم، ورؤية ترفع من همّة الإنسان وتكشف عنه الغمّة.
بياني مختلف، أصوغه من ضلوعي ومن قطع أوجاعي، وخوفي على مستقبل الإنسان. بياني في سياسة الأدب نحو محاولة للانفلات من مأزق الاغتراب في عصر تسود فيه الفردانية، وأقصى أنواع العزلة، وأخطر أمراض الروح.
يا أيها الإنسان، أنصت لضمير الإنسانية يتكلّم في كلمات المبدعين ولغة الفنانين، ثمّ أترجّاك أن تجذّر وعيك بأنّ البشرية شركاء في الأرض مهما اختلفوا، وأنّ هذا التنوّع ثراء، فالناس سواء في الإنسانية، متعدّدون في الضرب في الأرض لتثبيت قوى الحياة.
أيّها الإنسان، ربّما تستغرب اتّجاهي إلى الكتابة في شكل بيانات، ومن حقّك أن تعرف؛ لأنّ اختياري لهذا النوع من الصياغة يعبّر عن مرحلة بحث عن طريقة نعيش بها مشاكل عصرنا، وهذا دليل على ما تُحدثه العولمة من زلزلة. وهي مرحلة تحتاج إلى وقفة تأمّل وإصغاء لصوت الإبداع، فالبيان لغة اليقظة والتحسّس والتحميس. وربّما هذا الشكل من الكتابة ذكّرني بكتاب الألماني فيلهلم رايش.
أيّها الإنسان، أنت المكلّف بالإصغاء إلى ندائي. لا أريد أن أقول من خلاله إلاّ إنّ المبدعين هم الذين لهم القدرة على أن يلعبوا دورًا رياديًا في نشر ثقافة ترسيخ إنسانية الإنسان، وتوجيه التنمية إلى تنمية الإنسان بوصفه غاية العلم والتقدّم. إنّ للإنسان القوّة العقلية الكافية ليتحكّم في التدفّق الهائل خدمةً للمستقبل، وليس فائضًا للقمع والاستغلال وتشييء الروح.
ها إنّي أكتب، ولا يجب أن يذهب في ذهنك أنّ عالم الأدب بعيد كلّ البعد عن عالم الاقتصاد، وأنّ المبدع لا يمكن له أن يصنع الحدث، ولكن يجب أن تتأكّد أنّ أقوى طريقة لإشاعة الرفاه لكلّ الإنسانية هي تضمين الثروة ثورة الفكرة في حماية البيئة، وخلق تنمية مستديمة نحقّق بها العدالة بين أجيالنا القادمة، وما يضمن توزيعًا عادلًا للخيرات بين سكّان الأرض-القرية.
هذا هو هدف البيان: تحويل الثروة إلى فكرة، والثورة على كلّ سيطرة مهما كانت بين البشر.
أترجّاك أن تفهمني، وإن كنت تختلف معي، فلا تنس أن توجّه إليّ بيانًا ضدّ بياني، ولا تلتزم الصمت أو الاستقالة من البحث عن الخروج من المأزق في عصر العولمة.
أمّا إن وافقت على ضمّ صوتك إلى صوتي، فوقّع البيان، ولا تبخل أن تذكّر به أصحاب الإهمال، وخبراء الأسلحة والطاقة النووية، ولا تنس أن تصوغ بالإبداع كلّ ما تحدّثه نفسه بإبادة الكائنات، وتلويث المحيطات، واستنزاف موارد الحياة.
أيّها الإنسان، أنت المكلّف بالإصغاء إليّ. إن كنت تفكّر في الربح، ففكّر في ثقافتك، ففي خصوصياتها تكمن قوّتها وتميّزها. لنراها متجسّدة في إنتاجك، وسترى أنّ العالم يستوعب كلّ الثقافات والأديان والسياسات، ولكن متى يمكن أن يكون ذلك إرادةً يتمثّلها سكّان العالم؟
فانهض، أيّها المبدع، ولا تتخلّف عن مؤتمرات علماء الاقتصاد في العالم. لا تفصل عالم الأفكار عن عالم الأشياء، وسترى التاريخ يخرج من العتمة، وسترى الثروة ثراءً للمعنى، وثورةً ضدّ فائض القمع. هكذا تقوى الهمّة، وتنكشف قوّة الكلمة في توجيه الثروة في سبيل عالم ثريّ بما يرفع من شأن الإنسان.
أرجو، أيّها الإنسان، ألّا أكون حالمًا جدًّا، وأنّك على الأقل فهمت تخوّفي من سير نسق العالم نحو التعقيد، حيث لا نقدر على الإمساك بالتدفّق الهائل من المعلومات توزّعها خزّانات عقول ألغت تاريخ الإنسانية.
إنّه لأمر مدهش ألّا يضع المبدع سؤالًا أمام هذا العصر العجائبي، الذي لا يعطي معنى للعجيب، هذا السحر الخاطف الجديد الذي لا يؤمن بأيّ سحر.
أيّها الإنسان، أنت المكلّف بالإصغاء إلى هذا البيان الذي يحتجّ على من غيّبوا قدرة الإبداع على تضمين الثروة معنى للحياة والسعادة.
لا تنس، أيّها الإنسان، أن تبدع وأنت تفلح الأرض، وتحوّل الثروة إلى ثورة ضدّ التفاوت على الصعيد العالمي.
بيان جرس النفس:
ثمّة في النفس جرس. ثمّة استفاقة تتورّد بين انكساراتي. أشتمُّ رحيق الحريق لانتظاراتي. ستدقّ الكلمات رنّات انتصاراتي. ثمّة في النفس حسّ. ثمّة تلمّس للعودة برغم الرحيل.
يا نفس، سأكتبك وأقرؤك إيحاءً يتموّج في الممكن المنفلت. ثمّة ما أشتاقه كالماء فيأتيني كالنار، وثمّة ما أشتاقه كالزهرة فيأتيني كالشوك.
يا نفس، نبعك لن يجفّ، ووهجك لن يخفّ، وشوقك لن يكفّ، ما دام الإنصات لجرس الامتلاء بما يثير الحركة.
ثمّة ضياع وفوضى في بحثي عن انتظاماتي، ثمّة فرح في دموع عيني الحزينة، ثمّة كأس للحنين مهشّم.
يا نفس، أحتاجك لأنزع عن عقلي الهوس. أحتاجك كي تثقلي الجذب. أحتاجك يقظةً في مسارب الخراب، ودفقةً سيّالةً نورًا في شرايين الظلام. أحتاجك ليبقى لديّ جرس للعبرة، وللرحيل نحو العودة.
أحتاجك للكتابة، فأنت ريشة ذاكرتي وتربة ثماري. أحتاجك كي لا أُساق نحو رماد اغترابي وذوباني في وهم العدم، وأحسّها إحساس وخز الإبر.
ثمّة في النفس عرس.
للجرس لغة الاحتراس، ونبوءات، وإعلان القرار، وسلطة النفس. للجرس لغة بدء الحرب أو انتهائها، أو موعد للمقدّس يفتح الكتاب، أو استعداد لاحتفال.
أعيدوا إليّ نوارس الذكريات. كلّما سمعت الجرس يدقّ أحسست بأنّي في عمق الحياة: عمّال منجم أو مصنع خارجون أو داخلون، فتيات المعامل، وتلاميذ المدارس، وأبواب المنازل تُفتح للاستقبال.
جرس الساعة يرنّ. استنهاض وفتح للإرادة.
أنتِ يا نفس مدينتي. ثمّة فيك جرس، كالقرص، إذا لم يوقظك فتك بك. انظري، حتّى الشياه لتندفع في المسيرة، ثمّة ما يثيرها.
ثمّة فيما سأكتبه وما كتبته جرس، ثمّة نداء، رنّة الدهشة: أن تستنهضني كلماتي، ورنّة المعنى أن أحقّقه فعلًا.
ثمّة ما يدعوني أن أقيم وسط مدينتي جرس التفكير الراغب، جرسًا يردّ لنا سحر الاستفاقة.
أحتاجك يا جرس النفس، رنّةً للعودة والاحتفال، وأن تستجيب حواسي وتقبض على ما يغذّي نشاطها.
جرس النفس يحدّثني أنّ الكتابة الأولى لا تكفي. صحيح أنّ اللغة تعجز عن التعبير عن انفعالاتي، فأكتب بسيّال الروح كما يجيء، وأنّ الأسلوب ما هو في نظري إلاّ تخطّف لحظة خاصة قد لا يتمثّلها من يشاء.
ليس لديّ مسودّات، فالكتابة فيض للامتلاء. قد أحتاج الجرس لأنهدَ لتهذيب نصوصي.
فقط أخشى قراصنة الأفكار، هؤلاء الذين لا يقرؤون إلاّ أنفسهم، وما كتبوا سوى ما احتطبوه في الليل.
ملاحظة: نُشرت هذه القصّة في ورقات ثقافية: الملحق الثقافي لجريدة الصحافة الذي يصدر كلّ يوم جمعة، وكان ذلك في عام 1998، وأُدخلت عليها تعديلات. نُشر سابقًا الجزء الأول منها تحت عنوان: ثمرة شجرة الذاكرة والنسيان، ثم الجزء الثاني: من ثمرة شجرة النسيان: ذاكرة أحمد، وهذا هو الجزء الثالث، ويتبع.
الحبيب النهدي
تونس
المرجع:
Reich (Wilhelm): Ecoute, petit homme Traduit de l’Allemand par Pierre Kamsidzer, Payot, France 1976
بتاح (حوتب): فنّ الحياة ترجمة: ماهر جويجاتي جريدة أخبار الأدب 30-مارس-1997 ص: 16
التوحيدي (أبو حيّان): من كتاب المقابسات اختار النصوص إبراهيم الكيلاني منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1984 ص: 131
دولوز (جيل): مقالتان عن الأدب الإنجليزي والأمريكي مجلة الكرمل العدد 40/41 - 1991 ص: 154
الرافعي (مصطفى صادق): كتاب المساكين منشورات دار المعارف للطباعة والنشر سوسة تونس 1989 ص: 13
رباعيات الخيام الدار التونسية للنشر 1972
إضافة تعليق