حين يبوح المبدع بأسرار إبداعه: رحلة في كتاب (فنون الكتابة وأسرارها) للدكتور عبود مصطفى عبود - د. فرغلي هارون

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

تُعدّ الكتابة الإبداعية فنًا مركّبًا يجمع بين الأصالة والابتكار، فهي عمليةٌ واعية تستند إلى الإلهام والانضباط معاً، وتمثّل تفاعلاً بين الموهبة والمعرفة واللغة، وهو ما يتيح للكاتب تحويل التجربة الإنسانية إلى نصٍّ فنيٍّ ينبض بالحياة. وإذا كان الكاتب يبلغ ذروة تميزه وتجليه الذاتي عندما يبدع نصاً جديداً، فإن هذا التميز يظل مهدداً بالزوال، وهذا التجلي مهدداً بالانطفاء، ما لم يتم نقله للآخرين. ولذلك، فإن نشر خبرات المبدع أو "سر الصنعة" الإبداعية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للتداول والتعلم، ينقل المبدع من مجرد صاحب مهارة إبداعية، إلى أيقونة ومُلهم وصاحب أثر في غيره من المبدعين الذين لازالوا يتلمسون طريقهم. 
وعندما يجد هؤلاء المبدعون الجدد ملهماً متمرساً يقاسمهم خبرته ويشاركهم تجاربه وتقنياته ورؤاه الفنية، فإنهم لا يبدأون من الصفر، وإنما من أرضية صلبة تتيح لهم النمو والانطلاق في فضاء الإبداع، مما يرفع سقف الإبداع الجماعي في المجتمع ويحميه من الركود والجمود، ويبني جسراً لاستمرارية المعرفة والتطور الإنساني.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب (فنون الكتابة وأسرارها) للكاتب والروائي المبدع الدكتور عبود مصطفى عبود، الصادر مؤخراً عن مؤسسة الفاروق للاستثمارات الثقافية بالقاهرة. حيث يُعد دليلاً شاملاً لكل كاتب مبتدئ يسعى لأن يجد لنفسه موضع قدم بين المبدعين، وكذلك لكل كاتب يسعى إلى تحسين مهاراته الكتابية. فهو لا يقتصر على المبادئ الأساسية للكتابة الإبداعية، بل يغوص في أعماق تقنيات التعبير، مرورًا بأسرار الكتابة الإبداعية، وصولًا إلى تقنيات التأثير والإقناع في النصوص المختلفة، مع تدعيم كل ذلك بالعديد من التمارين والتطبيقات العملية التي تأخذ بيد القارئ خطوة خطوة، في سبيل إنشاء نصة الإبداعي.

الكتابة بين الفن والحرفة، بين الموهبة والممارسة:
يبدأ الكتاب بإرساء الأسس العامة للكتابة الإبداعية، التي ينبغي على كل كاتب استيعابها قبل الشروع في فعل الكتابة ذاته. فيناقش الطبيعة المزدوجة لعملية الكتابة؛ من حيث هي حرفة وفن معاً. موضحاً أن الكتابة الإبداعية ليست فعلاً عفوياً صرفاً، أو مجرد لحظة إلهام عابرة بلا جهد أو وعي، ولكنها نتاج تزاوج الحدس الفني بالصنعة الواعية. فإذا كانت الكتابة فناً يتطلب إحساساً، إلا أنها أيضاً حرفة تتطلب تدريبًا. والفن هو الروح الحية للنص، الذي يجعله نابضًا، متحركًا، قادرًا على أن يُدهشك أو يُحرك شيئًا بداخلك. وهو الجانب الفريد غير القابل للتكرار في كل مبدع. أما الحرفة فهي أن تعرف كيف تسيطر على إيقاع النص، وتُطوّع اللغة لتُعبّر عما تريد. وأن تدرك القواعد جيداً، لتتقيد بها، ثم لتتجاوزها وتكسرها ولكن بوعي من يعرف ما يصلح لكل نوع أدبي وما لا يصلح. وهي خلاصة قراءة معمقة، وتجربة، وتكرار، وتعلم من الأخطاء.
وإذا كانت الكتابة في جوهرها موهبة وميل فطري نحو التعبير، مع حساسية عالية تجاه اللغة، ونظرة مختلفة للعالم. إلا أن الموهبة وحدها ليست كافية أبداً، وإنما تحتاج معها إلى الممارسة. أي التمرين اليومي المنضبط، الذي يُمَكِّن المبدع من التصحيح والتجريب والتفكيك وإعادة التجميع، واستيعاب النقد، وتجعله قادراً على الإمساك بأدوات الكتابة بوعي كامل. الموهبة هي التي تجعله يبدأ، أما الممارسة فهي التي تدفعه إلى الاستمرار والارتقاء نحو الاكتمال. والكاتب العظيم هو الذي يستطيع تحويل شرارة الموهبة الفطرية، إلى شعلة من الإبداع المنضبط الذي تصقله الممارسة وتقويه.

الكتابة والعقل الباطن واللغة:
للعقل الباطن أهمية كبرى في العملية الإبداعية، فهو بمثابة المخزن الدائم لكل الخبرات والتجارب التي يمر بها الكاتب، ثم يعيد اخراجها في صورة إبداع مكتوب. وحين يتصالح الكاتب مع ذاته، تخرج الكتابة من أعماقه، ويصير النص أكثر صدقاً وحرارة وعمقاً.
ويؤكد الكاتب على أن الأفكار لا تأتي من مكان واحد ولا بشكل واحد. وإنما تتشكل ببطء، تتسلل من الحياة اليومية، أو تنهض من أعماق الذاكرة، تُلهمنا بها الكتب أحيانًا، أو تُفاجئنا بها الصدفة. فالكاتب أقرب إلى صياد دائم التأهب، يحمل شبكة خفية في داخله، يلتقط بها ما قد يبدو تافهاً لعين غيره، لكنه يعرف كيف يحوله إلى شرارة لنص حي. فالواقع والتجارب الشخصية والقراءة والخيال كلها مصادر للأفكار التي تأتي بلا موعد ولكن لا يقتنصها إلا من درب عينه وأذنه وخياله على أن يكونوا حاضرين مستعدين دوماً. فالأفكار يمكن أن تولد في كل العقول، ولكنها لا تُخلد إلا بأقلام من عرفوا كيف يكتبونها.
والكتابة كمهارة ليست مجرد نقل للأفكار، بل أداة لصياغتها وتحليلها وإعادة ترتيبها بما يجعلها مفهومة وقادرة على التأثير في القارئ. واللغة ليست مجرد وسيلة للكتابة، بل هي جوهرها، وشرطها الأول؛ فالكاتب لا يكتب أفكاراً فقط، بل يجسد تلك الأفكار في كلمات وعبارات، وإذا كانت الفكرة هي الروح، فإن اللغة هي الجسد الذي يمنحها الوجود وكلما كان هذا الجسد، حيا مشرقًا، مرنا قويا، استطاعت الفكرة أن تُلامس القارئ، وتترك فيه أثرا. ويعتقد كثير من المبتدئين أن الكتابة الجميلة هي الكتابة المليئة بالتشبيهات والمجازات والألفاظ الفخمة. لكن الحقيقة أن أجمل لغة هي أكثرها صدقًا ووضوحا.

فن كتابة القصة القصيرة:
يناقش الكاتب في الباب الثاني فن القصة القصيرة؛ تعريفها، وخصائصها، وأنواعها المتعددة، وأسرار كتابتها، حيث يرى أنها فن التقاط لحظة عابرة ومنحها كل أبعاد الوجود. ولذلك فهي ليست رواية مصغرة، بل بنية سردية مستقلة لها قوانينها وشروطها، وأي محاولة لتمطيطها أو تحميلها ما لا تحتمل، تخرج بها من جنسها الأدبي. فالقصة القصيرة لها خصائص مميزة تفرضها طبيعتها، وتمنحها خصوصيتها الجمالية والتقنية. وأهم هذه الخصائص:
التكثيف: فكل كلمة تُسهم في بناء المعنى، وكل جملة تؤدي وظيفة، مع تجنب الحشو.
اللحظة المفصلية: حيث تركز القصة على لحظة تحوُّل درامي تُغيّر مسار الأحداث.
النهاية الصادمة أو المكثفة: والتي تُغيّر فهم القارئ للقصة كاملة، وقد تدفعه لإعادة قراءتها مرة أخرى.
والقصة القصيرة ليست قالبا جامدا، بل تتشكل حسب زاوية النظر، ونوع التوتر السردي، والهدف الجمالي أو الدلالي؛ حيث تتنوع القصص القصيرة بناء على محورها المركزي أو ما تضعه في بؤرة السرد. وبناء على ذلك يميز الكاتب بين أربعة أشكال مختلفة للقصة القصيرة، معطياً أمثلة تطبيقية شارحة لكل نوع منها وهي:
قصة الشخصية: التي تُركّز على التحول الداخلي والصراع الذي تمر به الشخصية الرئيسية للقصة.
قصة الحدث: التي تُركّز على حدث معين وبناء حبكة مشوِّقة حوله تشد القارئ.
القصة الرمزية: التي تُركّز على استخدام الرمز لإيصال معنى أعمق من خلال القصة.
القص الميكروي أو قصة الومضة: التي يتحدى فيها الكاتب نفسه لكتابة قصة كاملة في بضع كلمات موجزة.
وكل نوع من هذه الأنواع له منطقه السردي، ومزاجه التعبيري، وأفقه الجمالي الخاص. إن أردت الغوص في أعماق النفس البشرية، فاكتب قصة شخصية. وإن أردت جذب القارئ بالتشويق، فاكتب قصة حدث. وإن أردت أن تقول شيئًا من وراء النص، فاكتب قصة رمزية. وإن أردت أن تدهش بالقليل، فاكتب قصا ميكرويا. والكاتب المتمكن هو من يجرب هذه الأنواع، ويصهرها، ويخلطها أحيانًا في قالب واحد، فينتج صوته القصصي الخاص.

فن الرواية وأسرارها:
يناقش الكتاب في بابه الثالث أسرار كتابة الرواية، فيتحدث عن الحبكة الروائية والشخصيات والصراع، وأنواع البناء الروائي، وخصائص الحوار، مع نصائح عملية لإدارة مشروع كتابة الرواية. ويرى الكاتب أن الرواية العظيمة هي التي تعيش أطول من زمنها، وتبقى في الذاكرة لا لمجرد قصتها، بل لأثرها العاطفي والفكري والوجودي. هي التي تُحدث رجة في وعي القارئ، أو تعيد ترتيب نظرته إلى العالم، أو تترك فيه أثراً جميلاً لا يزول. الرواية العظيمة تجربة شعورية وفكرية وفنية مكتملة، تمثل مساحة مفتوحة للإنسان كي يرى نفسه، ويواجهها، ويتأمل مصيره.
والرواية الناجحة لا تقوم على السرد العفوي وحده، بل تُبنى على مجموعة من العناصر الأساسية التي تُشكل ركائز الهيكل السردي للبناء الروائي الكامل وهي: الحبكة والشخصيات والزمن والفضاء والصراع. وهي ليست عناصر منفصلة، بل أجزاء مترابطة تعمل بتناغم لتكوين نسيج الرواية. وكل عنصر منها يؤثر في الآخر؛ فالشخصيات تصنع الصراع، والصراع يوجه الحبكة، والحبكة تتحكم في تدفق الزمن، والزمن يتجسد في الفضاء، والفضاء ينعكس في سلوك الشخصيات. والكاتب الجيد يتقن كل عنصر على حدة، أما الكاتب العظيم فيذيبها معًا في رواية تبدو كأنها تنبض من تلقاء نفسها.
وتعتبر الشخصية هي العنصر الحي في العمل الروائي. لإنها مركز التوتر، ومحور الصراع، وعين القارئ داخل العالم المتخيل. وإذا كانت الحبكة هي ما يحدث، فإن الشخصية هي لمن يحدث، ولماذا يحدث، وكيف يتفاعل مع ما يحدث. ولذلك، فإن الرواية الناجحة لا تُبنى فقط على الأحداث، بل على شخصيات تتنفس وتفكر وتُخطئ وتشتاق وتنهار وتقاوم. وخلق شخصية روائية ناجحة يعني أن تمنحها ما يجعلها قابلة للتصديق، وهذا لا يتأتى إلا من خلال فهم عميق للبنية النفسية والوظيفية للشخصية، وتوظيفها ضمن النسيج الدرامي للنص.
وينتقل الكاتب للحديث عن أنواع البناء الروائي (البناء الكلاسيكي - البناء الحلقي - تيار الوعي) مؤكداً أنه ليس مجرد ترتيب زمني للأحداث، بل هو الهيكل الداخلي الذي يُنظم السرد ويُحدد طريقته في الظهور وتقديمه للقارئ. حيث يمكن أن نكتب الرواية عن الموضوع ذاته، وبالشخصيات ذاتها، لكن باختلاف البناء، نحصل على تجربتين سرديتين مختلفتين كليا. ولذلك فإن اختيار نوع البناء الروائي ليس قراراً تقنيا فقط، بل جزء من الرؤية الفنية والفكرية للكاتب، فكل بناء ينتج معنى، ويقترح طريقة لتفاعل القارئ مع النص. والكاتب الواعي يختار البناء الذي يخدم رؤيته. وينهي الكاتب الباب بالحديث عن الفرق بين كتابة القصة والرواية، ومتى يقرر المبدع اختيار أي منهما قالباً لإبداعه، مؤكداً أن الكتابة ليست فقط إلهامًا أو لحظة انفعال، بل أيضًا قرار فني وتنظيمي يحتاج إلى وعي بطبيعة الفكرة، وأدوات التنفيذ، وطبيعة الشكل الأدبي الأنسب لها.

الكتابة المسرحية بين النص والمشاهدة:
يتناول الباب الرابع فن كتابة النص المسرحي، فيناقش الفرق بين الكتابة المسرحية والكتابة الروائية، ويشرح العقدة والحوار المسرحي، والشخصيات المسرحية وتطورها، والديكور والإضاءة والحركة، ويختم بمجموعة تمارين عملية لتحويل قصة قصيرة إلى مشهد مسرحي ولكتابة مونولوج داخلي. فالكاتب المسرحي لا يكتب ليُقرأ فقط، بل ليُرى ويُسمع ويجسّد. ولذلك، فإن الدخول إلى عالم الكتابة للمسرح يقتضي فهما دقيقًا لاختلافه الجوهري عن الكتابة الروائية، وفهما تقنيا لمبدأي وحدة الزمان والمكان بوصفهما من الأسس البنيوية لهذا الفن. 
ورغم أن الرواية والمسرح يتشاركان في السرد والحكاية، إلا أنهما يختلفان في طريقة تقديم الحدث، ووسائل التعبير، وطبيعة التلقي. لذلك فإن الكاتب الذي ينتقل من الرواية إلى المسرح - أو العكس - دون وعي بهذه الفروق، سيقع في فخاخ فنية تفقد النص روحه. والكاتب المسرحي الحقيقي هو من يعرف كيف يجعل الجملة تنبض وكيف يجعل الصمت يتكلم، وكيف يشير بالرمز دون أن يلغز، ويفجر التوتر دون أن يصرخ. فالشخصية المسرحية ليست مخلوقا جامدا، بل كائن درامي في حالة صراع دائم، تتطور مع كل مواجهة وتكشف حقيقتها من خلال الجدل مع الآخرين، لا من خلال التعريفات الجاهزة. والمشهد المسرحي الجيد هو الذي يُبنى على صدام الإرادات، وتباين الرغبات، وكشف الضعف، وتبادل القوة.
أما الإرشادات المسرحية؛ أو الكتابة الإخراجية الموازية للنص، فهي الأوامر أو الملاحظات التي يضعها الكاتب ضمن النص لتحديد كيفية تنفيذ المشهد بصريا وصوتيا وحركيا على خشبة المسرح. هذه الإرشادات تشمل ثلاث ركائز أساسية: الديكور (الفضاء البصري)، الإضاءة (الفضاء الحسي والزمني)، الحركة (الفضاء الحركي والتفاعلي) وكلها تكتب ضمن النص المسرحي لتوجيه المخرج والممثلين والمصممين ولا تقل أهمية عن الحوار، لأنها تُحدد كيف ستظهر الكلمة للجمهور، وتُجسد الصراع والعواطف والرموز داخل العرض.

فن المقالة الأدبية والكتابة الحرة:
يؤكد الكاتب في الباب الخامس أن المقالة الأدبية ليست تقريرا صحفيا، ولا دراسة أكاديمية ولا قصة متخيلة، بل هي صيغة حرة من التعبير الشخصي والفكري، يطل من خلالها الكاتب على القارئ من زاوية الذات، حاملا مشاعره وأفكاره وتأملاته، وحتى سخريته، ضمن قالب نثري يراعي الفن والوضوح معاً. فالمقالة الأدبية ليست مساحة للثرثرة ولا لتكديس الجمل، بل هي فن الاقتصاد في اللغة دون التضحية بالمعنى، وفن التعبير بأقل الكلمات عن أعظم الانفعالات أو الأفكار. وهنا يظهر أحد أهم أسرار التميز في كتابة المقال: التكثيف والبلاغة. التكثيف يجعل المقال أكثر عمقًا بأقل عدد من الكلمات. والبلاغة تجعل الكلمة أداةً حادة لا مجرد صوت، وتصنع أثرا كبيراً من تركيب بسيط.
ويمكن تصنيف المقالة الأدبية إلى عدة أنواع حسب طبيعة الموضوع، ودرجة الذاتية، ونبرة الخطاب، وهي: المقالة الذاتية - المقالة الساخرة - المقالة التأملية - المقالة الفلسفية. ويؤكد الكاتب أن المقالة الأدبية بجميع أنواعها هي تمرين على الكتابة الحرة المسؤولة التي لا تلتزم بقالب جاهز، لكنها تلتزم بعمق الفكرة، وأناقة التعبير، وصدق الصوت. وكل نوع من المقالات يفتح للكاتب نافذة مختلفة على اللغة والذات والعالم، ويمنحه صوتًا متفرداً.

ما لا يُقال في ورش الكتابة:
عنوان جذاب اختاره الكاتب للفصل الأخير من كتابه الفذ، واعتقد أن هذا الباب هو الأكثر قرباً من روح الكاتب وقلبه؛ فقد وضع فيه مع الخاتمة والتوصيات، خلاصة تجربته الإبداعية في مجال الكتابة الأدبية بمختلف فنونها، وعصارة سنوات خبراته العملية في فضاء الإبداع الشاسع، يقدمها بنفس راضية محبة لمن يريد أن يبدأ الكتابة أو يُثبٍّت أقدامه في مضمارها. ولذلك يحتاج من القارئ أن يطالعه على مهلٍ وبمزيد من التأمل والوعي.
يتحدث الكاتب عن أوهام الكتابة الأولى، وما يرافقها من تصورات خاطئة أو توقعات زائفة، والتي من أهمها: وهم أن (الموهبة وحدها تكفي)، مبيناً أن الموهبة مهما كانت لامعة، فإنها لا تكفي لصنع كاتب متميز مالم تتغذ بالقراءة والتدريب المتواصل، فالكتابة أشبه بالرياضة الذهنية؛ كلما مارستها قويت وكلما أهملتها ضمرت. ووهم أن (ما أكتبه عظيم من اللحظة الأولى)، فالحقيقة أن النسخة الأولى تحتاج دوماً إلى المراجعة والتنقيح، فالعظمة لا تولد في السطر الأول، والكاتب الجيد هو الذي يعرف كيف يعدل ويحذف ويعيد الكتابة بلا خوف. 
كذلك يتناول وهم (يجب أن أكتب عندما أشعر بالإلهام فقط)، لأن الكتابة الحقيقية هي انضباط يومي، وليست انتظاراً عشوائياً للإلهام، فالإلهام أحياناً يأتي أثناء الكتابة لا قبلها. ووهم (التقييم السريع والنجاح الفوري)، فالنشر ليس مقياساً للجودة خاصة في البدايات، والتقييم الحقيقي للنص يأتي عبر الزمن والتطور لا الإعجاب المؤقت. 
ويؤكد الكاتب أن هناك ثلاثة خصوم يتسللون خلسة إلى كل من يحاول الكتابة بجدية هم: الكسل، والإحباط، والرغبة في الحذف. وكل منها يحاول إيقافك عن الإنجاز، أو يفقدك الثقة فيما تكتب، أو يدفعك إلى تمزيق وهدم ما بنيته بيديك وفكرك. 

وصايا أستاذ مُحب:
يختم الدكتور عبود مصطفى عبود كتابه بوصايا للكاتب المبتدئ والمحترف على السواء، تشعر حين مطالعتها أنها صادرة من قلب أستاذ مُحب لطلابه، ومبدع عاشق غيور على حرم إبداعه، ومن أهمها: لا تكتب لتُرضي ولكن اكتب لتُصدق فالصدق هو ما يبقيك في قلوب الناس. لا تخف من النسخة الأولى لعملك فالمهم أن تستمر وتنقح وتتعلم من نفسك. اقرأ أكثر مما تكتب فكل معرفة جديدة تُغذي خيالك. حافظ على دهشتك فهي ما تصنع تميزك وتعطيك صوتك الخاص.
ثم يُذيّل الكاتب كتابه بعدة ملاحق، تزيد الكتاب قيمة وثراء، وتزيد القارئ وعياً وخبرة، الأول: عبارة عن تمارين عملية على كل باب من أبواب الكتاب، والثاني: عبارة عن قراءات مقترحة لتوسيع أفق الكاتب في فنون الكتابة والإبداع. والثالث: عبارة عن مقتطفات ملهمة لكبار الكتاب تبقى في الذاكرة وتوقظ الكاتب الكامن في نفس القارئ. والملحق الرابع: عبارة عن قاموس يشرح مصطلحات الكتابة التي استخدمها الكاتب وأوردها في كتابه. أما الملحق الخامس والأخير: فهو عبارة عن رصد لأهم الأخطاء الشائعة في الكتابة الأدبية والتي يقع فيها كثير من الكتاب مع اقتراحات عملية لتجاوزها.
وقد وفق الكاتب في التمارين العملية التطبيقية، التي أوردها في نهاية كل باب، بإرشاداتها التعليمية التي تسير بالقارئ خطوة خطوة في عملية الصناعة الإبداعية، كأنها ورش إبداعية عملية لتخريج كاتب متميز.

خاتمة:
عندما يقرر المبدع ألا يحتفظ بـ "سر الصنعة" لنفسه، بل يشاركه مع الآخرين، فإنه يحول الإبداع من حالة فردية مؤقتة تنتهي برحيل صاحبها، إلى حالة جماعية مستدامة تضمن تدفق المعرفة وتطويرها. ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لكتاب الدكتور عبود مصطفى عبود، الذي يُعد إضافة مهمة للمكتبة العربية، فهو بمثابة رحلة شاملة شيقة في رحاب فن الكتابة الإبداعية، ومرجعاً لا غنى عنه لكل من يرغب في إتقان فن الكتابة، حيث يوفر نظرة شاملة على تقنياتها وأسرارها، ويمنح القارئ أسسًا متينة تساعده على كتابة نصوص مؤثرة وجذابة. 
وإن كان الكتاب لا يعدك أن تصبح كاتبا عظيما في أيام، إلا أنه يفتح لك الباب ويرشدك إلى الطريق، وينبهك إلى الفخاخ التي يقع فيها الكتاب المبتدئون والمتمرسون على حد سواء. من خلال تزويدك بالأدوات التي تحتاجها لتحويل أفكارك إلى نصوص إبداعية قوية، استناداً إلى خلاصة سنوات عديدة من خبرة المؤلف وتجاربه الإبداعية في مختلف مجالات الكتابة. وأهم ما يميز هذا الكتاب أنه ليس دليلاً فنياً في الكتابة الإبداعية فحسب، بل مرشداً وجودياً يُذكّر الكاتب بأن الكتابة الحقيقية هي فعل مقاومة للنسيان، والعبث، والسطحيّة، وانعدام المعنى.

 

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية