القفز إلى الذاكرة – قصة: فراس ميهوب

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

العنوان رأيتُه في الحلم، والباقي عشتُه حلما
الكذبة الأكبر قابلية للتصديق هي الحقيقة

تباغتك أفكار السوء، وهي بالمناسبة أشدُّ ضرراً على العقل والقلب من أصدقاء يحملون النعت ذاته. أنت مهزوم، فالمعركة قد انتهت، ولم يبقَ عليك إلا توقيع إعلان الهزيمة واختيار مكانك بين الضحايا، مضطراً لا قانعاً، أو الانتقال إلى صفوف المنتصرين؛ بالطبع ليس كواحد منهم، ولكن خلفهم، تابعاً وذليلاً.

تظنُّ أن النهاية قد حانت. الجثث تُلقى من فوق، يصل بعضها إلى القاع، وتتأرجح أخرى بين طبقات الهواء. ترفض الأرض استقبال الجميع، فتتولى الريح ذروهم حتى تجد كل جثة مكانها.

لا نهاية لعذابك، هكذا اعتقدت جازماً، لولا أن ريحانة بدأت تنثر عطرها. تذكرت أنها رحمة للميت، ولكنك لم تمت بعد. استرحت لفكرة الابتعاد، وتذكرت المدرسة الابتدائية؛ طلاب الصف السادس المحظوظون الشجعان يُختارون لإحضار أعواد الريحان المزهرة لتزيين المدرسة يوم الاحتفال بعيد الجلاء. لم تكن يوماً معهم، لم يدعُك أحد، ولم تدعُ نفسك. تدرك الآن، بعد هذه السنوات، أن المشهد كان مذهلاً في عبثيته: فمن يحتفلُ بعيد وطني بتقاليد جنائزية؟ هل يعشق الشوامُ الموتَ فعلاً؟ وهل حب الآس هو منتهى أحلامهم وأعز مظاهر أعيادهم؟

القفز إلى الذاكرة المتدحرجة تمرين صعب. طلبتَ من مدرب النادي ذي العضلات المفتولة أن يشرح لك كيفية القيام به، فأقسمَ لك بأنه لم يسمع به في حياته، رغم خبرته الطويلة في المجال، وجزمتَ له بإصرار أنك مارسته في طفولتك. هزَّ رأسه مستنكراً، فاعتقدتَ للحظة أنك شاهدت بطل إحدى الروايات يمارسه بنجاح، فينجح أحياناً ويسقط في محاولات أخرى، ليجد نفسه مذعوراً من فشل التجربة. أدار لك المدرب ظهره، فتهاوت الفكرة كدخان. هل كان ذلك مجرد حلم؟

العبور إلى الصفات المبهرة، تناثر الأوهام كصديد من جسد محترق، أم الصعود إلى قمم دانية؟ قطع الصبّار بلون أزرق، ضفائر الذرة المذهبة، عيون الأقحوان بلون أصفر؛ امتزاج غريب لأفكار متضاربة. لا بشر في هذا المكان، لا أطلال، ولا مداخن. الموت لم يعد موجوداً، ولا أحد هنا يخافه؛ الأرواح غادرت، ووحدهم الموتى لا يخشون الموت. لماذا لا نركب أراجيح الحياة العائدة من عالم آخر بدل انتظار الفناء في مراكب الرحيل إلى الضفاف الأخرى للأنهار السوداء؟

الريح تصفرُ في فراغ أشبه بصحراء. في بلدي عندما يُقبلُ شباط، يتجهزُ المسنون الناجون من برد تشرين الثاني المفاجئ للرحيل، والأبناء لوداعهم.

في ذلك العام البعيد، كنتُ قد أصبتُ بالنكاف، وهو مرض غير قاتل ولكنه غريب؛ كماشة تمسك فكك كأنك ثور مجهز للذبح. وما تلبث أن تسمع عن خطر انتقاله إلى أسفل فقد تُصاب بالعقم. لا تفهم ما هو العقم، ومفهوم "الأسفل" ما زال ضبابياً، فتتجاهل ذلك كله. العطلة الانتصافية انتهت، وأنتَ مريض، ورفاقك كالعادة ينتظرونك للعب الكرة قبل، وأثناء، وبعد دوام المدرسة الذي ليس أكثر من ذريعة للعب. كنت سعيداً، كان ذلك الشعور الأخير. لا تعلم بعدها ما حدث؛ هل سقطت في أرض الملعب؟ هل انتقلت إلى عالم آخر؟ ربما لا. صالون بيتك مكتظ بالأحبة، لم يكن هناك أعداء ولا خصوم، أنت بين أب وإخوة وأقارب وجيران طيبين. كان فيلماً قصيراً لكنه دون شرير واحد.

فتحتَ نصف عين وأذنين على الأقل، فسمعتَ والدك يقول: "يا ليته مات". كتمت أمكَ دمعتها، وحاول الحضور ثنيه عن هذا التمني الشرير، ولكنك بالكاد استطعت أن تكتم قهقهتك. فهمت من ذلك الحين أنَّ ضعفك ومرضك لم يكونا كافيين لتموت، ولكن بعد ثلاثين عاماً وسبعة عرفتَ أنك لم تكن قوياً كفاية لتموت.

كان أمامك خياران: إمّا الموت تجنباً لعقوبة والدك المنتظرة، والموازية لقسوة كلامه نظرياً، أو التظاهر بالنوم إلى الأبد. ما أنقذك كان خبراً غير منتظر؛ ساد الصمت، طرقات على الباب الخشبي الأزرق، لم يكن خيراً، بكلمتين نطق نذير الشؤم: "مات سليمان... بل قُتِل". فصاح صوت: "من قتلَ سليمان؟"

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية