هو بخير – قصة: رضا محروس

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

كنت على يقين – بحكم الخبرة التي اكتسبتها – أنها ليست غيبوبة السكر التي تداهمه من وقت لآخر، وأن أبي كان بالفعل قد مات..تلك الحدقتان المفتوحتان والبصر الذي يشخص الى اللاشيء..برودة الجسد، والنبض الذي لا يبين.. تؤكد أن أبي قد مات.
خمس دقائق التي غادرتك فيها يا أبي..أصنع لي كوبا من الشاي، وقهوتك الزيادة التي طلبتها مني..فهل آثرت أن تستقبل رسول الموت وحدك لتجنبني لحظة القبض وانسحاب الروح من بدنك الضعيف..؟
أغلقت التليفزيون على نشرة التاسعة التي لم تكملها..حملتك بين يديّ خفيفا رقيقا كطفل..وضعتك في فراشك، أسبلت جفنيك وقعدت الى جوار جسدك المسجى أنظر آية الموت جلية في وجهك المبتسم، ورائحته التي تملأ المكان من حولي.
خمسون عاما لم أغادرك يا أبي يوما..زيجتان فاشلتان، وأربعة أبناء لا أرى أحدا منهم إلا أول كل شهر ليأخذ مظروفا مغلقا ثم يرحل..رحلت أمي ذات صباح وتركتك لثلاث بنات وولد يكبرهم..كنت تناديني بالأخ الذي لم تلده أمي..قاسمتك الهم والتربية وعبء زواجهن الذي قصم ظهرك وأوجع روحك.
لمن تتركني يا أبي..؟ للوحدة تنخر عظامي..؟ أكلم حيطان البيت وأثاثه..أم للحزن المقيم معنا منذ رحلت أمي..؟ يطبق على صدري ويأكل روحي..؟
أحضرت هاتفي، إتصلت على أختي الكبرى، لم ترد..كانت بالأمس هنا، تشاجرت معك..ككل مرة تأتي بأولادها، تأكل وتطلب منك مالا، ثم تتشاجر معك..تطلب منك ميراثها في البيت وأنت ما زلت حيا..هي لا تستحي ، ولا ترحم ضعفك وخشونة الركبتين التي أقعدتك.
اتصلت بالوسطى..أعلم مسبقا أنها لن ترد..تزوجت دون إرادتك وأرغمتك أن تقبل برجل لديه زوجة أخرى وولدين..كان يضربها ويهينها ولا تشكو لك في المرات القليلة التي زارتك فيها.

ترددت أن أتصل بالصغرى التي هاجرت مع زوجها..تتصل فقط لتقنعك أن تهدم البيت..سيشتريه زوجها – رجل الأعمال – ويبني برجا سكنيا ومحلات تجارية .. اتصلت بها ولم ترد.
كان أبي مسجى أمامي وكان وجهه يشع سلاما وسكينة.
اتصلت بصديقي الوحيد، أخبرته أن أبي قد مات وأني لا أعرف كيف أتصرف..طمأنني وقال كل شيء سيكون على ما يرام.
في الصباح الباكر طرق الباب..ناولني حقيبة من البلاستيك بها الكفن وأشياء أخرى..فتحت له الباب على مصراعيه..أدخل مغسلة خشبية كبيرة..أوسعت له مكانا في الصالة..إحتضنني في رفق وقال:      - سبحان من له الدوام..أمرني أن أجهز بعض الماء الدافىء وهمس لي:- أين الأمانة..؟
حملناك يا أبي..كنت خفيفا وأكثر نحافة..لكن وجهك كان ما زال يشع نورا وسكينة..نزعنا عنك ملابسك..كومة من العظام والقهر..بدأ صديقي يصب الماء الدافىء الممزوج بماء الورد على جسدك..يقرأ ما تيسر من القرآن..وعودا من البخور مثبت في برواز قديم على الحائط، يعلو الدخان ويلتوى الى السقف، ويعبق المكان برائحة زكية..كان القط قد خرج فجأة من تحت الكنبة..تمسح بأقدامي ثم بدأ يموء بصوت منكسر حزين..قفز واعتلى المكتبة الصغيرة وقعي يراقبنا في سكون..كنا نقلبك يمينا ويسارا، فيستجيب جسدك بين أيدينا كالريشة..غسلناك بالصابون المعطر ووضأناك وضوء الصلاة..لففناك في كفنك وربطنا ذقنك برأسك بشريط من القماش..قبلتك يا أبي في وجهك الذي غادره التعب وأصبح صافيا خاليا من التجاعيد والوهن..ربطنا الكفن، أغلقناه عليك..حملتك مع صديقي ووضعناك في " الخشبة " ..زقزقت العصافير فجأة وملأت البلكونة جلبة و ضجيجيا..وعلا صياح القط ونحن نغلق الباب خلفنا، كان يخمشه بمخالبه ويموء بصوت كالبكاء.
حملك الرجال معي يا أبي ونزلنا بك سلم البيت المتهالك..وضعناك في سيارة الموتى، ثم سرنا للمقابر.
عندما عدت وحيدا..مسحت ماء الغسل، وأعدت الأثاث الى مكانه القديم..كان القط ما زال يدخل بين سيقاني ويتبعني أينما أذهب..يهر ويموء بلا صوت..واستكانت العصافير في القفص ولم تزقزق.
وجدت هاتفي في أحد الأركان..فتحته، كانت على شاشته أرقاما كثيرة وأسماء لم أرد عليها..بعد قليل اتصلت بي أخواتي الثلاث ..سألنني عن صحتي وعن أبي..أخبرتهن أن أبي بخير.
دخلت الى غرفته.. رائحة الموت ما زالت على فراشه..وضعت رأسي على وسادته وهمست:- نعم إن أبي الآن بخير..ثم انفجرت في البكاء.

قصة قصيرة من المجموعة القصصية " للموت أسباب أخرى " 

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية