فرش إشكالي
يشغل بول ريكور موقعًا متميزًا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين؛ فهو من أكثر فلاسفتها عمقًا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة «فيلسوف جميع الحوارات»، وهو وصف يلتقي مع ما رُصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان، أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبًا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب. ومع ذلك، تلاحقه تهمة متكررة بأنه لا يملك فكرًا خاصًا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.
يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات: الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجًا ولا يأسًا وجوديًا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معًا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.
من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي: بأي معنى يمكن عدّ الجمع بين النقد والاقتناع عند ريكور بناءً منهجيًا متماسكًا، لا تسوية توفيقية، وكيف يتجلى ذلك في تصوره للذات المتناهية وللتأويل الذي تفهم به نفسها؟بأي مرجعية يمكن أن نفهم فلسفة بول ريكور؟
تتوزع الدراسات والمقالات المتعلقة بفلسفة بول ريكور على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: الببليوغرافيا السيرية، وأبرزها نصوص كتاب غروندان، الذي يقدم قراءة منتظمة لمسار ريكور ولأعماله، ويلاحظ بصفة خاصة أنه لا يوجد في هذه الأعمال الكتاب الأعظم الواحد، بل كتب كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، كما يجعل من فاجعة ابنه أوليفييه مفتاحًا لبعد مأساوي في «الذات عينها كآخر». وإلى جانبه سيرة دوس، وهي المرجع الأدق في تفاصيل الحياة العامة والجامعية، ويضاف إليهما المراجع الاصطلاحية، كمعجم أبيل وبوريه.
والاتجاه الثاني: نقدي-موضوعاتي، يتناول ريكور من زاوية علاقته بالهامش وبما بعد الكولونيالية، وقد جُمعت بعض مساهماته في عدد خاص من مجلة «دراسات ريكور» بعنوان «ريكور ما بعد الكولونيالي»، إضافة إلى أول كتاباته الفلسفية «بحث عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو».
والاتجاه الثالث: دراسات قطاعية تتناول عصبًا واحدًا من فكره، وهي الأكثر صلة بأطروحة هذا المقال. فمنها ما يتخذ من ثنائية النقد والاقتناع محورًا صريحًا، مثل «بين النقد والاقتناع: مسار تفكير بول ريكور»، و«بين القلق والنقد: لحظة الاقتناع عند بول ريكور»، ومنها ما يقرأ التأويل من جهة الغيرية وحدود المعنى، أو من جهة أخلاق الضيافة والانتقال من الارتياب إلى الثقة بالذات، أو من جهة الخصوصيات الوجودية، حيث تُقرأ حياة الإنسان بوصفها توترًا لا يتوقف بين القدرة والعجز. ويكمل هذه الصورة ما كُتب عن فلسفته بوصفها تجوالًا للمعنى، وعن لغة التأويل وعقلها النقدي.
سيرته وفلسفته
وُلد بول ريكور في فالانس يوم 27 فيفري 1913، وكان أبوه مدرس إنجليزية في الثانوية. توفيت أمه بعد ولادته بقليل، وقُتل الأب في معركة المارن سنة 1915، ولم يُعثر على جثته إلا سنة 1932، حين حرث فلاح حقله. كبر في رين بين جدّيه لأبيه وعمته وأخته أليس، في بيت بروتستانتي متقدم في السن يغلب عليه الحداد. ويقول إن القراءة كانت ملاذه، وإن المدرسة كانت له استراحة لا عبئًا، وخرج من هذا اليتم بإحساس حاد بالظلم الاجتماعي؛ فقد رأى لاحقًا أن أباه مات من أجل لا شيء، ووجد في تربيته البروتستانتية ما يسند هذا الإحساس.
وماتت أخته أليس بالسل وهي في الحادية والعشرين، فظل يشعر بأن عليه دينًا غير مدفوع لها، وسيعود هذا الدين في أعماله على شكل أسئلة عن الذنب والمسؤولية والذاكرة.
في ثانوية رين، التقى ريكور أستاذه رولان دالبييز، فتعلم منه قاعدة رافقت حياته: «إذا اعترضك عائق فواجهه ولا تلتف عليه». وكتب بحثه الجامعي الأول عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو، ثم صار أستاذًا في الثانوية سنة 1933، وسيقول إن هذا الدخول المبكر إلى التدريس حكم عمله كله، فأعماله الفلسفية ظلت مرتبطة بالتعليم.
كان في تلك السنوات قريبًا من الاشتراكيين ومن الحلقات المسيحية الملتزمة اجتماعيًا، وكتب مقالًا عن «ضرورة كارل ماركس» (1937–1938)، لكنه لم يخلط يومًا بين الإنجيل والاشتراكية [11][19]. وحاز التبريز سنة 1935 بالمرتبة الثانية. وكان يحضر كل جمعة صالون غابرييل مارسيل، وقاعدته ألا يُستشهد بأي مؤلف، وأن يبدأ التفكير من أمثلة حية. وفي تلك الفترة اكتشف كارل ياسبرس وقرأ هوسرل، وتزوج سيمون لوجاس، وأنجبا خمسة أبناء.
جُنّد ريكور سنة 1939، ووقع في الأسر في ماي 1940 في وادي المارن، المكان نفسه الذي سقط فيه أبوه. أُرسل إلى معسكر في بوميرانيا، وأقام هناك مع رفاقه، ومنهم ميكل دوفرين، ما يشبه جامعة صغيرة بمكتبة ودروس وامتحانات، وترجم في الأسر «أفكار هوسرل»، وكتب في هوامش النص لقلة الورق، وكتب أولى صفحات مشروعه عن الإرادة.
ولم ينقص الأسر من ولعه بالثقافة الألمانية، فقد عدّ غوته وشيلر وهوسرل وياسبرس ألمانيا الحقيقية. وحين حُرر سنة 1945، وجد نفسه قريبًا من معسكر برغن-بلسن، فأدرك أن نجاته كانت أعجوبة. ويُسجل في هذا السياق أن سنوات الأسر الخمس كانت أرضية خصبة، وأن ترجمته وتعليقه على هوسرل، ثم كتاب «كارل ياسبرس وفلسفة الوجود» (1947)، خرجا من صميمها.
ومن صفاته التي تستحق التكريم أنه لم يتردد في نقد أحكامه القديمة؛ راجع نزعته السلمية قبل الحرب بقسوة، وسمّى بعض مواقفه السياسية آنذاك خاطئة، بل آثمة.
بعد التحرير، استقبله غابرييل مارسيل كأنه أحد أبنائه. وصدر سنة 1947 كتابه الأول «كارل ياسبرس وفلسفة الوجود»، بالاشتراك مع دوفرين وبمقدمة من ياسبرس نفسه. عُيّن أستاذًا في ستراسبورغ سنة 1948، وقضى فيها نحو ثماني سنوات وصفها بأنها من أسعد سنوات حياته.
وفيها اقترب من مجلة «إسبري» ومؤسسها إيمانويل مونييه، الذي توفي سنة 1950، ودافع عن أطروحته «الإرادي واللاإرادي»، ونشر «التاريخ والحقيقة»، وانتقل إلى السوربون سنة 1957، حيث ازدادت شهرته وضاقت به قاعاتها المكتظة بالمجهولين.
لم يعش في برج عاجي. تذكر المصادر أنه انحاز منذ 1947 إلى حرب التحرر الوطني للجزائريين، وأن كشف التعذيب سنة 1957 هو ما دفعه إلى الانخراط في معارضة الحرب، وأنه ابتعد سنة 1960 عن دعوة «بيان الـ121» إلى العصيان الشامل. وقد بلغ ثمن هذه المواقف حد التوقيف؛ فقد جاءت الشرطة إلى بيته في التاسع من جوان 1961 عند السادسة صباحًا، وهو يصحح أوراق الامتحانات قبل الإفطار، وفتشت البيت بحثًا عن أسلحة أو مقاومين جزائريين، فلم تجد شيئًا، ثم أوقفته بتهمة الاشتراك في نشاط ضد الدولة الفرنسية.
بدأ ريكور مشروعًا فلسفيًا ضخمًا من ثلاثة أجزاء: «إيديتيقا الإرادة» (1950)، ثم «تجريبيتها» في الجزأين اللذين صدرا معًا سنة 1960، ثم «شعريتها» عن المتعالي، وهو الجزء الذي لم يُنشر قط، وأراد أن يقدم في مجال الفعل ما قدمته «ظاهراتية الإدراك» لميرلو-بونتي في مجال الإدراك.
فكرته الأساسية أن الإرادة الإنسانية ليست سيدة مطلقة، بل حرية متجسدة تابعة. تقوم الإرادة على ثلاثة أفعال: تقرر، وتتحرك، وتوافق، وهي تعمل داخل نسيج من اللاإرادي: الحاجات، والدوافع، والعادات، والانفعالات، وفي عمقها ما سماه اللاإرادي المطلق، أي الطبع واللاشعور والحياة نفسها.
الوجود عنده يُعانى ويُقاد معًا، وهو لا يرى في حدود الإرادة نقصًا يجب تجاوزه، بل شرط إمكانها. وفي هذا العمل دفاع عن «سذاجة ثانية»، أن يستعيد الإنسان، بعد التأمل والنقد، ثقته بالحياة وإمكاناتها. وكان يرى أن فلسفتي هيدغر وسارتر بالغتا في التركيز على القلق والموت، وأن فكرة الموت لا ينبغي أن تلتهم كل الانتباه.
وفي «الإنسان الخطاء» يجد ريكور إمكان الشر في اختلال التناسب بين المتناهي واللامتناهي، أي في طبيعة إنسان يشارك في الاثنين معًا، وفيه أثر لباسكال. ولا يبلغ التحليل الفلسفي الشر نفسه، فيلجأ في «رمزية الشر» إلى الأساطير والرموز التي عبر بها البشر عن تجربة الذنب. وهنا صاغ عبارته الشهيرة: «الرمز يساعد على التفكير».
وانتقل بذلك من فلسفة الوعي إلى فلسفة الطريق الطويل، حيث لا يعرف الأنا ذاته بالاستبطان، بل بتأويل الرموز التي حملت تجربته.
يُعد كتاب «في التأويل: بحث في فرويد» (1965) الحلقة الأهم. بدأ ريكور مقالة قصيرة عن الشعور المرضي بالذنب، فانتهى إلى كتاب ضخم، وميز فيه بين تأويلين: تأويل اختزالي يشك في ما تقوله الرموز عن نفسها، وتأويل موسع ينصت إلى المعنى الذي تحمله. وحاول التوفيق بينهما داخل تأويل عام.
والرمز عنده تعبير لغوي ذو معنيين يحتاج إلى تأويل. ولم يُخف نقده لنفسه؛ عاتب نفسه لأنه بنى قراءته على أكثر نصوص فرويد نظرية، ولم يحتك بما يكفي بالتجربة التحليلية. وأثار الكتاب عداء أنصار لاكان.
وفي «صراع التأويلات» (1969)، أعاد ترتيب الخريطة بين الطريق القصير والطريق الطويل، وناقش البنيوية، وكان أهدأ محاور لها بين الفلاسفة الفرنسيين، وتوسط بين غادامير وهابرماس، رافضًا التعارض بين الحقيقة والمنهج، ثم انتقل من الرمز إلى الاستعارة لأنها أضبط بنية.
في سنة 1975، ألقى ريكور في جامعة شيكاغو سلسلة محاضرات نُشرت بالإنجليزية سنة 1986 بتحرير جورج تايلور، وبالفرنسية سنة 1997 بعنوان «الإيديولوجيا واليوتوبيا». وهي تعالج الخيال الاجتماعي في صورتين.
فللإيديولوجيا ثلاثة مستويات: تشويه الواقع (ماركس)، وتسويغ السلطة وإضفاء الشرعية عليها (فيبر)، وتحقيق الاندماج الاجتماعي (غيرتز). واليوتوبيا تقابلها؛ لأنها تفتح إمكانات جديدة وتنقد السلطة القائمة، ولها وجه مرضي هو الهروب من الواقع الصعب.
ويمر ريكور بماركس وفيبر ومانهايم وغيرتز دون أن يصير تلميذًا لواحد منهم، ويرى مقدم الطبعة البرتغالية أن هذه المحاضرات ترد التهمة الشائعة بأنه «انتقائي»، لأنها تكشف وحدة عميقة في فكره حول الخيال الثقافي.
في «الزمان والسرد»، يقرأ ريكور معضلات الزمن، ويقترح أن السرد جواب البشر عنها. فالتاريخ والخيال كلاهما سرد، والسؤال «من أنا؟» يُجاب عنه بحكاية حياة، وهذا ما سماه الهوية السردية. لكنه يرفض أن تتحول الحكاية إلى شفافية كاملة، ويدعو إلى التخلي عن هيغل، أي عن وهم حبكة الحبكات.
وفي وعيه التاريخي، الماضي تقليد يحملنا، والمستقبل أفق انتظار، والحاضر لحظة مبادرة، وبها ينتقل من «أنا كائن» إلى «أنا أستطيع».
ثم جاءت «الذات عينها كآخر» (1990)، ثمرة محاضراته في غيفورد. ميز فيها بين هوية الإيدم (idem)، أي الهو ذاته الثابت، وهوية الإبسا (ipse)، أي الذات التي تحافظ على وعدها وتتغير مع ذلك، وهي ذات مسؤولة يمكن أن تُنسب إليها أفعالها.
ويجمع ريكور فلسفته في ثلاثة أسئلة: من أنا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ ما الوجود؟ وجوابه عن الثاني هو «الأخلاق الصغرى»، أي السعي إلى الحياة الطيبة مع الآخرين ومن أجلهم في مؤسسات عادلة.
ويفرق فيها بين «الأخلاق» بمعناها الغائي الأرسطي و«الأدب» بمعناه الواجبي الكانطي، ويقدم الأولى على الثانية: «كانط كامن في أرسطو، وأرسطو يقتضي كانط».
في «الذاكرة والتاريخ والنسيان» (2000)، وهو كتاب من 676 صفحة نُشر وهو في السابعة والثمانين، يرى ريكور أن الكتابة التاريخية تعيد تمثيل الماضي، وأن الكتابة تعادل الدفن؛ هي عمل جنائزي يحفظ الموتى من الضياع.
ويميز بين نسيان بالإتلاف يجب أن تقاومه الذاكرة، ونسيان احتياطي وسعيد يتخذ شكل الصفح، وأقصى صوره التحرر من الهم. ويربط هذا بكلمات الإنجيل عن زنابق الحقل. وينتصر مرة أخرى للحياة على الموت، فالحكيم عند سبينوزا لا يفكر في الموت، والناس عند أرندت وُلدوا ليبتدئوا لا ليموتوا.
وختم الكتاب بسطور قليلة تقول إن تحت التاريخ ذاكرة ونسيانًا، وتحتهما حياة، وإن كتابة الحياة حكاية أخرى.
وفي «حي حتى الموت»، وهو النص الذي نُشر سنة 2007 مع شذرات كُتبت بين 2004 و2005، يعمل الحداد على غير ما يُتوقع، فقد صاغ ريكور البهجة بوصفها مقترنة بالنعمة المرجوة للوجود حيًا حتى الموت، ويرى في الحداد فعلًا للأحياء لا للموتى. ويميز مترجمه بين الحي والباقي على قيد الحياة، ويقرأ الموت من زاوية ذاكرة الأقربين.
وقد سبقت هذه الكتابة فاجعة كبرى؛ ففي خريف 1986، وهو يحاضر في براغ، فقد ابنه أوليفييه في مأساة انتحار. فازدادت نبرة فكره المأساوية عمقًا، وأهدى إلى ذكراه فاصل «مأساوية الفعل» في «الذات عينها كآخر».
ويُسجل بداية الاشتغال على الموت في جانفي 1996، حين استجاب أوليفييه أبال لطلب ريكور بدء حوار معه حول الموت برسالة من نحو عشرين صفحة، حُفظت مع المخطوط في الملف نفسه.
الخاتمة
تبين القراءة أن ثنائية النقد والاقتناع عند ريكور ليست ترددًا بين قطبين ولا تسوية وسطى، بل ناظم منهجي يتجلى في حدود الإرادة، وتأويل الرموز، وهوية السرد، وأخلاق الذاكرة، وحوار الفلسفة والإيمان.
ويترتب على ذلك رد جزئي على تهمة الانتقائية؛ فالمسار من الرمز إلى الاستعارة، إلى السرد، إلى الهوية السردية، إلى الذات المسؤولة، إلى الذاكرة، ليس تراكمًا لأطروحات الغير، بل سلسلة إجابات عن سؤال واحد: كيف يفهم الإنسان ذاته وهو لا يصل إليها مباشرة؟
ويتعدد المحاورون عند ريكور دون أن تتعدد مواقفه.
نال ريكور جوائز كثيرة، منها جائزة هيغل في شتوتغارت، وجائزة ياسبرس في هايدلبرغ، وجائزة بالزان، وجائزة كيوتو، وأكثر من ثلاثين دكتوراه فخرية. كما ثبت في قائمة موثقة أنه نال جائزة ليوبولد لوكاس في توبنغن، والجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية، وجائزة بول السادس الدولية سنة 2003.
وتوفي في 20 ماي 2005 عن اثنين وتسعين عامًا في شاتناي-مالابري، وهو المكان نفسه الذي وقف فيه باكيًا في حديقة «الأسوار البيضاء» سنة 1950 عند موت صديقه مونييه، دون أن يعلم أنه سيسكنه يومًا.
لم يحلم ريكور بالخلود، وإنما بـ«حبات الخلود»، لحظات الحياة الكثيفة التي تُعاش في الحاضر. وترك للناس شجاعة التفكير، وطريقة في التفكير تقوم على الاقتراب من الأفكار المتباعدة دون إذابتها، والبحث عن الوسط الصحيح الذي رآه أصعب من التطرف.
ويقول غروندان إن فكره سيبقى مفتوحًا؛ لأن الحياة عنده تُكتب دون أن تكتمل. وبذلك تُقرأ ثنائية النقد والاعتقاد، لا تناقضًا يُتحمل، بل توترًا مخصبًا: «الإنسان هو فرح "النعم" في حزن المتناهي».
المراجع
- نابي بوعلي، «بول ريكور والفلسفة». منشورات الاختلاف.
- الفيلم الوثائقي «بول ريكور: فيلسوف كل الحوارات»، من إخراج كارولين رويسنر.
- «حي حتى الموت، متبوعًا بشذرات». ترجمة وتقديم عمارة الناصر، مقدمة أوليفييه أبال وخاتمة كاترين غولدنشتاين، منشورات الاختلاف/ضفاف، ط1، 2016.
- بول ريكور، «عن الترجمة». ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف، ط1، 2008.
- بول ريكور، «نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى». ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط1، 2003.
إضافة تعليق