الملخص
يقترح هذا المقال قراءة فلسفية للمحاضرة الافتتاحية التي ألقاها موريس ميرلوبونتي في الكوليج دو فرانس سنة 1953، ونشرت بعنوان مديح الفلسفة. وينطلق من تحليل الشواهد الأساسية التي يحدد فيها ميرلوبونتي التفلسف بوصفه حركة مستمرة بين المعرفة واللامعرفة، ويجعل من الغموض والانخراط السابق في العالم واللااكتمال شروطا بنيوية للفكر الفلسفي.ويبين المقال أن الفلسفة، وفق هذا التصور، لا تبدأ من امتلاك معرفة موسوعية مكتملة، ولا من بلوغ تحول جواني يمنح صاحبه امتيازا معرفيا خاصا، بل تنشأ من وضع الإنسان داخل عالم لا يقدم معناه دفعة واحدة. فالإنسان يجد نفسه متورطا في الوجود، معرضا لما يداهم فهمه، ومضطرا إلى الفعل قبل أن يستنفد شروط المعرفة واليقين.
وانطلاقا من ذلك، يقيم المقال صلة بين تصور ميرلوبونتي وبعض مفاهيم فلسفة الصيرورة الأصيلة، ولا سيما الاشتكال الوجودي، ومداهمات الاختلاج، والتورط الحافي، واللااكتمال البنيوي للوجود. وتظهر ضرورة التفلسف هنا بوصفها نتيجة لانخراط المتواجد في صيرورة لا تتوقف، وللمسافة القائمة بين الوجود وأشكال ظهوره المتعينة.
غير أن هذه الضرورة لا تعني تساوي جميع الأقوال الفلسفية في القيمة. فمشروعية الدخول في التفلسف نابعة من الوضع الإنساني نفسه، أما جدارة الموقف الفلسفي فتظل خاضعة لمعايير الاتساق، والاقتصاد المفهومي، والقوة التفسيرية، والقدرة على الصمود أمام النقد.
الكلمات المفتاحية: موريس ميرلوبونتي، مديح الفلسفة، التفلسف، الصيرورة الأصيلة، الاشتكال الوجودي، الغموض، اللامعرفة، التورط الحافي، اللااكتمال، المعنى.
Résumé
Cet article propose une lecture philosophique de la leçon inaugurale prononcée par Maurice Merleau-Ponty au Collège de France en 1953, publiée sous le titre Éloge de la philosophie. Il montre que, chez Merleau-Ponty, l’acte de philosopher ne procède ni d’un savoir encyclopédique préalable, ni d’une transformation intérieure réservée à quelques initiés. Il naît plutôt de l’ambiguïté constitutive de l’existence, du mouvement incessant entre savoir et non-savoir, ainsi que de l’inscription originaire du sujet dans le monde.
À partir de cette analyse, l’article rapproche la conception merleau-pontienne de la philosophie de certains concepts propres à la philosophie du devenir authentique : la problématisation existentielle, les irruptions de l’oscillation intérieure, l’engagement à vif et l’inachèvement structurel de l’existence. La nécessité de philosopher apparaît ainsi comme une conséquence de notre implication dans un monde dont le sens ne se donne jamais de manière achevée. Toutefois, cette nécessité ne garantit pas à elle seule la valeur de toute proposition philosophique, laquelle doit encore être évaluée selon sa cohérence, son économie conceptuelle, sa puissance explicative et sa capacité à soutenir la critique.
Mots-clés : Merleau-Ponty, philosophie, devenir authentique, ambiguïté, non-savoir, engagement existentiel, inachèvement, sens.
★★★
لا تبدأ الفلسفة، في نظر موريس ميرلوبونتي، بعد اكتمال المعرفة، ولا بعد بلوغ الذات مقاما باطنيا مخصوصا، ولا بعد الإحاطة الموسوعية بمجموع العلوم. إنها تبدأ، على العكس، عندما يستيقظ الإنسان إلى ما في وجوده ووجود العالم من التباس ولااكتمال، ويقبل أن يقيم في المسافة الفاصلة بين ما يعرفه وما لا يزال يجهله. وهذا هو التصور الذي عرضه ميرلوبونتي في محاضرته الافتتاحية بالكوليج دو فرانس، التي ألقاها في 15 يناير 1953 ونشرت بعنوان Éloge de la philosophie.
لا تكمن أهمية هذه المحاضرة في تقديم تعريف مدرسي للفلسفة، بل في إعادة التفلسف إلى منبعه الحي: البحث الذي لا يملك نتائجه سلفا، والوجود الذي لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان الذي يجد نفسه منخرطا في العالم قبل أن يتمكن من تحويله إلى موضوع مكتمل للمعرفة.
الفلسفة لا تبدأ من الحقائق المكتسبة
يفتتح ميرلوبونتي محاضرته بمفارقة لافتة. فالفيلسوف، من حيث هو شاهد على بحثه وعلى اضطرابه الداخلي، لا يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه صاحب معرفة مكتملة. ولذلك يصرح بأن وظيفة الكوليج دو فرانس ليست نقل «حقائق مكتسبة»، بل إحياء فكرة البحث الحر. ويبلغ هذا البحث ذروته في الفلسفة لأنها لا تخفي ما يسميه ميرلوبونتي «اللاعلم الفلسفي»؛ أي إدراك الفكر أن ما يعرفه لا يستنفد ما يسعى إلى فهمه¹.
لا يعني هذا اللاعلم تمجيد الجهل أو الاستغناء عن المعرفة. إنه وعي بالمسافة القائمة بين كل معرفة متحصلة وبين الحقيقة التي تتجاوز تعيناتها الراهنة. ولذلك لا تنطلق الفلسفة من فراغ، لكنها لا تبدأ أيضا من وهم الامتلاك. إنها تعرف، وتعرف في الوقت نفسه أن معرفتها لا تزال معرضة للمراجعة وإعادة التشكيل.
ومن هنا يميز ميرلوبونتي الفيلسوف باجتماع طلب الدليل والإحساس بالغموض:
«le goût de l’évidence et le sens de l’ambiguïté».²
لا يكتفي الفيلسوف بالوضوح الذي يلغي الالتباس، ولا يستسلم لغموض يعفيه من البرهنة؛ بل يجعل الالتباس نفسه موضوعا للفهم. فالغموض الجيد ليس نقيضا للحقيقة، وإنما هو الوعي بأن الحقيقة لا تعطى خارج شروط ظهورها، ولا تختزل في صيغة نهائية واحدة.
الحركة بين المعرفة والجهل
يعرف ميرلوبونتي الفيلسوف من خلال حركة دائمة تعيده من المعرفة إلى الجهل، ومن الجهل إلى المعرفة³. ولا ينبغي فهم هذه الحركة بوصفها ترددا عرضيا يعجز الفكر عن تجاوزه، بل بوصفها البنية الداخلية للتفلسف. فكل معرفة تفتح مجالا جديدا للأسئلة، وكل جواب حقيقي يعيد ترتيب ما نجهله بدلا من أن يلغيه.
بهذا المعنى، لا تكون الفلسفة إقامة في اليقين المطلق، ولا انتظارا لصفاء داخلي نهائي. إنها إقامة داخل حركة لا تتوقف، لأن موضوعها ليس واقعا منجزا يمكن نسخه في المفهوم، بل وجود يتشكل ويعيد تشكيل شروط ظهوره باستمرار.
وهذا هو الموضع الذي تلتقي فيه قراءة ميرلوبونتي مع ما يمكن تسميته الاشتكال الوجودي. فالإنسان لا يشرع في التفلسف بإرادة اعتباطية، بل لأنه يجد نفسه أمام ما لا ينسجم تماما مع فهمه السابق. شيء ما يداهمه، يختلج في تجربته، ويقاوم الإدراج الفوري داخل المعاني المتاحة. ولا يكون السؤال الفلسفي سوى استجابة أولية لهذه المداهمة.
انخراط سابق على التأمل
لا ينظر ميرلوبونتي إلى الفيلسوف بوصفه وعيا يقف خارج العالم ليتأمله من عل. فوضع الإنسان في العالم يسبق التفكير الانعكاسي، ولا يستطيع هذا التفكير أن يمحو ذلك الانخراط الأول أو يستوعبه استيعابا كليا⁴. نحن لا نبدأ من معرفة خالصة ثم نهبط إلى الحياة، بل نجد أنفسنا داخل الحياة أولا، محاطين بأجساد وأفعال وآخرين وتواريخ، ثم نحاول أن نفهم الوضع الذي أصبحنا فيه بالفعل.
تترتب على ذلك نتيجة حاسمة: الفلسفة ليست حكما خارجيا على الوجود، لأنها تصدر عن موجود مشترك في العالم الذي يحاول فهمه. إنها ليست مواجهة مغلقة بين ذات منفردة وحقيقة معلقة خارج التاريخ، كما أنها ليست مجرد تلخيص نظري لنتائج العلوم. إنها تعبير يصدر من داخل التورط، ويظل مسؤولا أمام ما ينكشف في التجربة وأمام الآخرين الذين يشتركون معنا في العالم.
إن ما نسميه التورط الحافي يجد هنا أساسه الفينومينولوجي: نحن مطالبون بالفعل والفهم قبل أن نستكمل شروط المعرفة، ومضطرون إلى اتخاذ مواقف لا يمكن تأجيلها إلى حين اكتمال العلم أو بلوغ اليقين. فالتفلسف لا يأتي بعد رفع التورط، بل ينشأ منه.
الانزعاج الجوهري للفلسفة
يذهب ميرلوبونتي إلى أن عدم الارتياح القائم في علاقة الفيلسوف بالحياة وبالآخرين ليس عارضا ينبغي التخلص منه، بل هو أمر جوهري للفلسفة⁵. فالفكر الفلسفي لا يولد حيث تستقر المعاني وتصبح الحياة قابلة للتكرار من غير سؤال، وإنما يظهر حين تنكشف هشاشة المألوف ويصبح ما كان بديهيا محتاجا إلى إعادة الفحص.
يمكن تقريب هذا الانزعاج من مفهوم مداهمات الاختلاج: تلك اللحظات التي يدخل فيها إلى التجربة ما لا يزال خارج انتظامها المفهومي. ليست المداهمة معرفة مكتملة، وليست الاختلاجات براهين في ذاتها؛ لكنها تكشف قصور البنية السابقة وتدفع الفاهمة إلى الاشتغال. ومن دون هذه المداهمة يصبح الفكر مجرد إدارة لمعارف جاهزة، لا تفلسفا.
لذلك يحذر ميرلوبونتي من أن تفقد الفلسفة قدرتها على مخاطبة الإنسان حين تختبئ غرابتها الأصلية داخل «الحياة المهذبة» للأنساق الكبرى⁶. ليست المشكلة في النسق من حيث هو تنظيم للمفاهيم، بل في تحوله إلى بناء مكتف بذاته يحجب السؤال الذي أنشأه. فالنسق الفلسفي الحي لا يلغي الاشتكال، وإنما يمنحه صياغة أكثر اتساقا ودقة.
الفلسفة في قلب التاريخ والمعنى الناشئ
لا توجد الفلسفة، عند ميرلوبونتي، خارج التاريخ. إنها تتشكل داخل أنظمة التعبير واللغة والعلاقات الاجتماعية، لكنها لا تذوب فيها. فوظيفتها أن تحول المعنى الكامن في الحياة إلى معنى ظاهر، وأن تكشف للحقبة التاريخية ما كانت تمارسه من غير أن تعيه بوضوح⁷.
غير أن الفلسفة لا تكتفي بوصف المعاني بعد اكتمالها. إنها تحاول الاقتراب من الموضع الذي تصبح فيه الحياة حدثا ويتكون فيه «المعنى الناشئ»⁸. وهذه العبارة ذات أهمية خاصة، لأنها تنقل الفلسفة من دراسة المعاني المترسبة إلى ملاحقة لحظة انبثاقها.
عند هذه النقطة يصبح التفلسف فعلا صيروريا: إنه لا يصف موجودات ثابتة فقط، بل يتتبع انتقال التجربة من الاختلاج إلى التشكل، ومن المداهمة إلى المفهوم، ومن المعنى المضمر إلى التعبير. ولا يكتمل التعبير بالتطابق مع ما يعبر عنه، لأن المعنى لا ينفد في أي صياغة مفردة. لذلك تظل المسافة بين الوجود وظهوره شرطا لاستمرار الفلسفة، لا نقصا مؤقتا ينتظر الإلغاء.
يقظة لا امتياز
يختتم ميرلوبونتي المحاضرة بقوله إن الفيلسوف هو الإنسان الذي يستيقظ ويتكلم⁹. لا يدل ذلك على طبقة بشرية تحتكر الفلسفة، بل على كيفية مخصوصة في تحمل الوضع الإنساني. فمفارقات الفلسفة موجودة بصمت في حياة الناس جميعا؛ غير أن الفيلسوف يجعلها موضوعا للكلام، ويبني لها المفاهيم، ويعرض بناءه للنقد.
ومن ثم ينبغي التمييز بين ضرورة الموقف الفلسفي وقيمة القول الفلسفي. ضرورة الموقف نابعة من وجودنا داخل عالم لا يقدم معناه مكتملا، ومن تعرضنا المستمر للمداهمات، ومن اضطرارنا إلى الفعل في قلب اللايقين. أما قيمة القول فتقاس بقدرته على تنظيم هذه الخبرة داخل بناء مفهومي متسق، مقتصد، قابل للنقد، وذي قوة تفسيرية.
لا يحتاج الإنسان إلى ترخيص سابق كي يتفلسف، لأن الاشتكال لا ينتظر اكتمال معارفه. لكنه يحتاج إلى المعرفة والمنطق والعلوم والحوار كي يمنع موقفه من التحول إلى انطباع مغلق أو ادعاء لا يقبل الاختبار. فالمعرفة لا تؤسس حق التفلسف، وإنما توسع إمكاناته وتختبر نتائجه.
هكذا لا تبدأ الفلسفة من اكتمال الذات، بل من انكشاف عدم اكتمالها؛ ولا من امتلاك العالم، بل من التورط فيه؛ ولا من القضاء على الغموض، بل من تحويله إلى سؤال. إنها استجابة المتواجد لصيرورة تداهمه قبل أن يفهمها، وتطالبه بالفعل قبل أن يستنفد معناها. ومن هنا لا يكون التفلسف ترفا معرفيا، بل يقظة مستمرة داخل الاشتكال.
الهوامش
1. Maurice Merleau-Ponty, Éloge de la philosophie et autres essais (Paris: Gallimard, 1953), 9–10.
2. Merleau-Ponty, Éloge de la philosophie, 10.
3. Merleau-Ponty, 11.
4. Merleau-Ponty, 12.
5. Merleau-Ponty, 41–42.
6. Merleau-Ponty, 42.
7. Merleau-Ponty, 67.
8. Merleau-Ponty, 68.
9. Merleau-Ponty, 74.
قائمة المراجع
Merleau-Ponty, Maurice. Éloge de la philosophie et autres essais. Paris: Gallimard, 1953.
إضافة تعليق