مراجعة كتاب أبي حامد الغزالي «أيها الولد»: مقاربة إيتيقية تربوية - د. زهير الخويلدي

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

مقدمة
احتل كتاب «أيها الولد» مكانة خاصة ضمن مؤلفات أبي حامد الغزالي، لا بوصفه عملًا نظريًا ضخمًا يضاهي «إحياء علوم الدين» أو «تهافت الفلاسفة»، بل بوصفه نصًا موجزًا مكثفًا، موجَّهًا توجيهًا مباشرًا إلى طالب علم، يحمل في طياته تصورًا متكاملًا للعلاقة بين المعرفة والأخلاق والتربية. يأتي النص في صورة وصية أبوية حانية وحازمة في آن واحد، يخاطب فيها الغزالي تلميذًا أو مريدًا يطلب منه خلاصة جامعة بعد سنوات من التحصيل. وهذه الصيغة الخطابية تجعل الكتاب أقرب إلى فن النصيحة التربوية منه إلى البحث الكلامي أو الفقهي المجرد، وتفتح المجال أمام قراءة إيتيقية تربوية تكشف عن رؤية الغزالي لتكوين الإنسان العالم، لا من حيث امتلاكه للمعلومات، بل من حيث تحوُّل المعرفة فيه إلى حال وخُلق وسلوك.
وتستند هذه المراجعة إلى مقاربة إيتيقية تربوية تركز على كيفية بناء الذات الأخلاقية عبر مسار التعلم، وعلى تصور الغزالي للعوائق التي تحول بين الطالب وبين الانتفاع بعلمه، وعلى الأدوات التربوية التي يقترحها لتجاوز تلك العوائق. وهي مقاربة لا تفصل الجانب الأخلاقي عن الجانب التعليمي؛ لأن الغزالي نفسه يرفض هذا الفصل رفضًا جذريًا، ويرى أن العلم الذي لا يثمر عملًا ولا يزكي نفسًا ليس إلا حجة على صاحبه. فما هي البنية العامة للكتاب؟ وماذا يتضمن من أفكار تربوية؟ وألا توجد مآخذ عليه؟

الإطار العام للنص وطبيعته الخطابية

يأتي «أيها الولد» في شكل رسالة قصيرة نسبيًا، لكنها مشحونة بكثافة تربوية عالية. يخاطب الغزالي المتلقي بلقب «الولد»، وهو خطاب يجمع بين العطف الأبوي والسلطة التوجيهية. وهذا الاختيار اللغوي ليس شكليًا؛ فهو يؤسس لعلاقة تربوية قوامها النصح لا الإلزام الفقهي الجاف، والشفقة لا التسلط. ويفترض النص متلقيًا قطع شوطًا في طلب العلم، وأحاط بجملة من العلوم الشرعية والعقلية، لكنه ما زال يبحث عن الغاية والجدوى من كل هذا التحصيل. والسؤال الضمني الذي يحرك الرسالة كلها هو: ماذا ينفع العلم إذا لم يتحول إلى عمل وخُلق؟

تتميز لغة الكتاب بالوضوح والمباشرة والاعتماد على الصور والأمثلة المكثفة. ويغيب التعقيد الكلامي والتفريع الفقهي لصالح خطاب يخاطب القلب والعقل معًا. وهذا الأسلوب نفسه يحمل دلالة تربوية؛ فالتربية عند الغزالي لا تتم بالمجادلة النظرية وحدها، بل بالكلام الذي ينفذ إلى الوجدان ويحرك الإرادة. والنص، بذلك، يمثل نموذجًا لما يمكن تسميته بالتربية بالكلمة الموجزة النافذة، لا بالشرح المستفيض الذي قد يشتت الهم.

مركزية العمل وارتباط العلم بالأخلاق

المحور الذي يدور حوله الكتاب كله هو رفض الفصل بين العلم والعمل. ويلح الغزالي إلحاحًا متكررًا على أن العلم الذي لا يصدقه العمل حجة على صاحبه يوم القيامة، وأن كثرة التحصيل دون تزكية للنفس قد تكون سببًا في الهلاك لا في النجاة. وهذا الموقف ليس مجرد وعظ أخلاقي تقليدي، بل ينبع من تصور إبستيمولوجي إيتيقي عميق: العلم الحقيقي هو الذي يغير حال العالم، ويحرره من أسر الهوى، ويجعله أقرب إلى الإخلاص والمراقبة. ويفرق الغزالي بين نوعين من الاشتغال بالعلم.

الأول اشتغال ظاهري يملأ الذاكرة، ويزين المجالس، ويكسب الشهرة والمناصب. والثاني اشتغال باطني يحول العلم إلى نور في القلب ووازع في الجوارح. والتربية التي يدعو إليها هي نقل الطالب من النوع الأول إلى الثاني. وهذا النقل لا يتم بمجرد زيادة المعلومات، بل بمجاهدة النفس ومحاسبتها ومراقبة مقاصدها في طلب العلم.

وهنا تظهر الإيتيقا الغزالية بوضوح: الفضيلة ليست معرفة نظرية بالخير، بل حال راسخ في النفس يدفع إلى فعل الخير وترك الشر. والطالب الذي يجمع العلوم دون أن يشتغل بتطهير قلبه من الرياء والعجب والحسد وحب الجاه إنما يبني بنيانًا على غير أساس. فالتربية، إذن، تبدأ من الداخل، من تصحيح النية، ومن جعل طلب العلم عبادة لا وسيلة للدنيا.

تشخيص العوائق الأخلاقية أمام الانتفاع بالعلم

يخصص الغزالي جزءًا مهمًا من النص لتشخيص الأمراض التي تصيب طلبة العلم وتحول بينهم وبين ثمرته. ومن أبرز هذه الأمراض: الرياء، وحب الظهور، والعجب بالعلم، والانشغال بالمجادلات التي لا تنفع، وتقديم العلوم الآلية أو الخلافية على علوم المعاملة والآخرة. وهذه التشخيصات تكشف عن وعي تربوي حاد بمخاطر البيئة العلمية نفسها.

كما يرى الغزالي أن كثرة الاشتغال بالخلافات الكلامية والفقهية الدقيقة قد تكون حجابًا عن المقصد الحقيقي؛ ليس لأنه يرفض هذه العلوم جملةً، بل لأنه يخشى أن تتحول إلى غاية في ذاتها، فتستغرق عمر الطالب دون أن تترك له فراغًا لمحاسبة نفسه أو لتهذيب أخلاقه. والتربية السليمة تقتضي ترتيب الأولويات: البدء بما يصلح القلب ويصحح المعاملة مع الله ومع الخلق، ثم الاشتغال بعد ذلك بما يحتاج إليه من علوم الآلة أو الفروع.

كما ينبه إلى خطر صحبة من لا همة له في الآخرة، وإلى خطر المناصب والجاه الذي قد يُبتلى به العالم. وهذه التنبيهات تجعل النص نقدًا مبكرًا لما يمكن أن نسميه أمراض الحقل العلمي: التنافس على الظهور، والجدل العقيم، واستغلال العلم للدنيا. والناصح هنا لا يكتفي بتوجيه الطالب إلى ما يجب فعله، بل يكشف له ما يجب الحذر منه داخل الوسط الذي يعيش فيه.

المنهج التربوي المقترح وأدوات تزكية النفس

لا يكتفي الغزالي بالتشخيص، بل يقترح مسارًا عمليًا واضحًا. ويقوم هذا المسار على عدة أركان مترابطة. أولها تصحيح النية، وجعل طلب العلم خالصًا لوجه الله، لا لجلب منفعة دنيوية أو دفع مذمة. وثانيها تقديم العمل على كثرة الحفظ، والاشتغال بما ينتفع به حالًا من العبادات الظاهرة والباطنة. وثالثها اتخاذ شيخ أو مرشد يبصر الطالب بعيوب نفسه؛ لأن النفس يصعب عليها أن ترى عيوبها بنفسها. ورابعها المداومة على محاسبة النفس في نهاية كل يوم، ومراقبة الخواطر والواردات.

وتكشف هذه الأدوات عن تصور تربوي يعتمد على الممارسة المستمرة، لا على اللحظة الوعظية العابرة. فالتربية عند الغزالي سير متواصل يحتاج إلى تكرار ومجاهدة وصبر. وهي تربية فردية في جوهرها، تعتمد على جهد الطالب الذاتي وعلى علاقة شخصية بمرشد، أكثر مما تعتمد على نظام تعليمي مؤسسي جماعي. وهذا الطابع الفردي يعكس سياق العصر، لكنه يحمل دلالة أعمق: لا يمكن للأخلاق أن تُلقَّن تلقينًا خارجيًا فحسب، بل لا بد أن تُكتسب بالممارسة والمجاهدة الداخلية.

كما يظهر في النص اهتمام خاص بفقه المراقبة والإخلاص. فالغزالي يعود مرارًا إلى ضرورة أن يسأل الطالب نفسه عن قصده في كل عمل علمي أو عملي. وهذا السؤال المتكرر أداة تربوية مركزية؛ لأنه يحول الوعي إلى رقابة ذاتية مستمرة، ويمنع تحوُّل العادات الحسنة إلى روتين فارغ من الروح.

صورة الطالب المثالي وتكوين الشخصية العالمة

يرسم الكتاب صورة للطالب الذي يُرجى انتفاعه بعلمه. وهذا الطالب ليس الأوسع حفظًا ولا الأقدر على الجدل، بل الأشد إخلاصًا، والأكثر اشتغالًا بعيوب نفسه، والأبعد عن حب الدنيا بالعلم. وهو الذي يجعل من علمه مرآة يرى فيها تقصيره قبل أن يراه في غيره، والذي يخشى أن يكون علمه حجة عليه لا له.

وتحمل هذه الصورة أبعادًا إيتيقية واضحة؛ فالشخصية العالمة عند الغزالي لا تنفصل عن الشخصية المتخلقة. والذكاء وحده لا يكفي، ولا سعة الاطلاع، ولا القدرة على المناظرة.

والمطلوب هو توازن بين القوة المعرفية والقوة الأخلاقية، بحيث تكون الثانية موجِّهة للأولى وحاكمة عليها. والتربية التي يدعو إليها تهدف إلى تكوين هذا التوازن، لا إلى إنتاج علماء مجردين من الهم الأخلاقي أو زهاد بعيدين عن العلم. كما يظهر في النص تقدير كبير للوقت والعمر.

ويذكّر الغزالي تلميذه بقصر العمر وسرعة انقضائه، ويحثه على الاشتغال بما ينفعه في آخرته قبل فوات الأوان. وهذا التذكير ليس ترهيبًا مجردًا، بل أداة تربوية لإعادة ترتيب الأولويات وبعث روح الجد في الطلب.

الأبعاد الإيتيقية العميقة للتصور الغزالي

تتجاوز رؤية الغزالي في «أيها الولد» مستوى النصائح العملية إلى تأسيس إيتيقا خاصة بطلب العلم. ومحور هذه الإيتيقا هو الإخلاص بوصفه معيارًا أعلى يُحتكم إليه في كل نشاط معرفي. فالعلم الذي يُطلب لغير الله يفقد قيمته الأخلاقية حتى لو كان صحيحًا في نفسه، والعالم الذي يستخدم علمه لجمع حطام الدنيا أو للتعالي على الخلق إنما ينقض الغرض من العلم.

كما ترتبط هذه الإيتيقا بتصور معين للسعادة والكمال الإنساني. فالكمال ليس في كثرة المعلومات ولا في المناصب العلمية، بل في قرب القلب من الله، وفي تطهيره من الرذائل، وفي جعل الجوارح خادمة للحق. والتربية، بهذا المعنى، مسار نحو السعادة الأخروية والدنيوية الحقة، لا مجرد إعداد مهني أو معرفي.

وتظهر أيضًا نزعة نقدية تجاه أشكال معينة من التدين العلمي السطحي. فالغزالي لا يتردد في التحذير من العلماء الذين يظهرون بمظهر الصلاح وهم فارغون من حقيقته، أو من الطلبة الذين يضيعون أعمارهم في دقائق لا تنفع. وهذا النقد يجعل النص ذا بعد إصلاحي واضح داخل الحقل العلمي والديني.

حدود التصور التربوي في الكتاب وأفقه المفتوح

رغم ثراء النص وقوته التوجيهية، فإنه يحمل بعض السمات التي تستحق التأمل النقدي من زاوية تربوية معاصرة. فهو يعتمد اعتمادًا كبيرًا على العلاقة الفردية بين الشيخ والمريد، ويميل إلى التركيز على المجاهدة الداخلية أكثر من بناء بيئات تعليمية جماعية محفزة. كما أن نبرته التحذيرية الشديدة من العلوم الخلافية ومن حب الظهور قد تُفهم، في سياقات معينة، فهمًا يثبط عن الإبداع أو عن المشاركة في النقاش العلمي الحي.

غير أن هذه السمات نفسها يمكن قراءتها قراءة إيجابية ضمن أفق الكتاب. فالغزالي لم يكن يكتب دليلًا لمؤسسة تعليمية حديثة، بل كان يخاطب فردًا يطلب النجاة والانتفاع الحقيقي بعلمه في سياق مليء بالمخاطر الأخلاقية. وتكمن قوة النص في قدرته على إيقاظ الوعي بالمقاصد، وفي تذكيره الدائم بأن العلم أمانة ومسؤولية قبل أن يكون منصبًا أو شهرة.

ويفتح الكتاب أفقًا للتفكير في التربية بوصفها تكوينًا أخلاقيًا مستمرًا لا ينتهي بالحصول على الإجازات أو المناصب. ويظل سؤاله المركزي حيًا: كيف نطلب العلم طلبًا لا يفسد القلوب ولا يبعد عن الغاية؟ وهذا السؤال يجعل «أيها الولد» نصًا قابلًا للقراءة المتجددة كلما استجدت أمراض في الحقل العلمي أو التربوي.

نقد تصور الغزالي للتربية

يقدم كتاب «أيها الولد» لأبي حامد الغزالي واحدًا من أكثر النصوص كثافة وتركيزًا في التراث التربوي الإسلامي. فهو وصية موجزة موجهة إلى طالب علم، تكشف عن تصور متكامل نسبيًا للتربية بوصفها مسارًا أخلاقيًا وروحيًا قبل أن تكون مسارًا معرفيًا. ويقوم هذا التصور على ربط العلم بالعمل، وتقديم تزكية النفس على كثرة التحصيل، وجعل الإخلاص معيارًا أعلى يُحتكم إليه في كل طلب للمعرفة.

غير أن قوة النص وصدقه التربوي لا يعفيانه من المساءلة النقدية؛ فالتصور الذي يحمله ينطوي على اختيارات منهجية وقيمية محددة، ويحمل حدودًا وتوترات داخلية، ويفتح إمكانات معينة بينما يغلق أخرى. والقراءة النقدية هنا لا تسعى إلى نقض الغزالي، بل إلى كشف رهانات تصوره التربوي وحدوده وآثاره المحتملة.

مركزية التزكية والإخلاص وحدود الاختزال الأخلاقي

المحور الذي يدور حوله الكتاب كله هو أن العلم بلا عمل تزكوي حجة على صاحبه، وأن كثرة التحصيل دون تصحيح النية وتطهير القلب قد تكون سببًا في الخسران لا في النجاة. وهذا الربط يحمل قيمة تربوية عالية؛ إذ يرفض تحويل التعليم إلى مجرد تراكم معلومات أو وسيلة للجاه والظهور. غير أنه ينطوي على اختزال ملحوظ؛ فالتربية عند الغزالي تكاد تنحصر في مسار فردي باطني قوامه المحاسبة والمراقبة وتصحيح القصد، بينما يتراجع الجانب الاجتماعي والمؤسسي والمعرفي النقدي إلى الهامش.

والإشكال هنا أن اختزال التربية في التزكية الفردية يجعلها عاجزة عن التعامل مع أبعاد أساسية في التكوين الإنساني: تكوين القدرة على التفكير النقدي المستقل، والمشاركة في إنتاج المعرفة لا مجرد تلقيها، والانخراط في إصلاح البنى الاجتماعية التي قد تفسد النوايا ذاتها. ويفترض النص أن إصلاح القلب كافٍ تقريبًا لضمان صلاح المسار، بينما تغيب عنه أسئلة تتعلق بظروف التعلم الجماعية، أو بطبيعة السلطة داخل الحقل العلمي، أو بإمكان أن تكون بعض البنى التعليمية نفسها مولِّدة للرياء والعجب، حتى لدى من يسعى إلى الإخلاص.

صورة الطالب والمنهج التربوي: بين الرفق والتأثيم

يخاطب الغزالي المتلقي بلقب «الولد»، فيؤسس لعلاقة أبوية حانية. غير أن هذا الحنان يتصاحب مع نبرة تحذيرية شديدة تذكّر باستمرار بقصر العمر، وبخطر أن يكون العلم حجة على صاحبه، وبفساد كثير من أهل العلم. والنتيجة هي تربية تميل إلى إثارة القلق الأخلاقي والمراقبة الذاتية المكثفة أكثر مما تميل إلى بناء الثقة بالقدرة على التعلم والنمو.

وهذا التوجه له آثار مزدوجة؛ فهو يحمي من الغرور العلمي السطحي، لكنه قد يغذي شعورًا مزمنًا بالتقصير والذنب، خاصة لدى المتعلم الحساس. كما أن التركيز الشديد على خطر الرياء وحب الظهور قد يدفع بعض الطلبة إلى الانسحاب من المشاركة العلمية أو من تحمل المسؤوليات العامة خشية الوقوع في الآفات المذكورة. والتربية هنا أقرب إلى تربية الحذر والاحتياط منها إلى تربية الجرأة المعرفية والمبادرة.

أما المنهج المقترح، فيعتمد على أدوات كلاسيكية: تصحيح النية، وصحبة الشيخ المرشد، ومحاسبة النفس اليومية، وتقديم علوم المعاملة على علوم الآلة والخلاف. وهذه الأدوات فعّالة في إطار تربية فردية روحية، لكنها محدودة من حيث قابليتها للتعميم في سياقات تعليمية أوسع. والاعتماد الكبير على الشيخ يفتح باب العلاقة التربوية الحية، لكنه يحمل خطر التبعية وإضعاف استقلالية المتعلم، خاصة إذا تحول الشيخ إلى مصدر وحيد للرؤية والحكم على التقدم الروحي.

ثالثًا: الموقف من العلوم والمعرفة: تراتبية مغلقة أم ترتيب أولويات؟

يظهر في «أيها الولد» تراتب واضح للعلوم. فعلوم المعاملة والإخلاص والآخرة تحتل المرتبة الأولى، بينما يُحذَّر من الإغراق في العلوم الخلافية والكلامية والدقائق التي لا تنفع في صلاح القلب. وهذا الموقف مفهوم في سياق نقد الغزالي لما رآه من جدل عقيم وانشغال عن المقاصد، لكنه ينطوي على مخاطر تربوية ومعرفية.

أولها أن التمييز بين ما «ينفع» وما «لا ينفع» يظل خاضعًا لتقدير معياري قوي قد يضيق أفق الفضول المعرفي. فبعض العلوم التي تبدو خلافية أو آلية قد تكون ضرورية لتطوير أدوات الفهم ذاتها، أو لمواجهة إشكالات جديدة. والتصور الغزالي يميل إلى إغلاق بعض الآفاق باسم الحماية من الضياع، مما قد يضعف القدرة على الإبداع أو على استيعاب تحولات المعرفة.

وثانيها أن هذا التراتب يعزز ثنائية حادة بين علم نافع أخرويًا وعلم قليل النفع أو ضار. وهذه الثنائية قد تبرر، في نظر بعض من يستلهمون النص، عزوفًا عن مجالات معرفية حديثة أو عن التفكير الفلسفي والنقدي، بحجة أنها لا تخدم صلاح القلب مباشرة. والنص نفسه أكثر تركيبًا من أن يُختزل في هذا الموقف، لكن صياغته التحذيرية تسهّل مثل هذا الاختزال.

الفردانية التربوية وغياب البعد الاجتماعي-السياسي

من أبرز سمات التصور التربوي في الكتاب طابعه الفرداني الشديد. فالإصلاح يبدأ من داخل النفس وينتهي إليها تقريبًا. وتُذكر البيئة بوصفها مصدر فتنة محتملة، مثل صحبة السوء وحب المناصب، لا بوصفها مجالًا يجب إعادة تشكيله. وتُنتقد المؤسسات العلمية ضمنيًا من خلال نقد أمراض العلماء، لكن النقد يبقى أخلاقيًا فرديًا، ولا يرتقي إلى مساءلة بنيوية.

وهذا الخيار يجعل التربية الغزالية في «أيها الولد» تربية نجاة أكثر منها تربية مشاركة أو تربية تغيير اجتماعي. فالمتعلم يُدعى إلى حماية نفسه من فساد الوسط، لا إلى المساهمة في إصلاح ذلك الوسط أو إعادة بناء شروط إنتاج المعرفة داخله. وفي سياقات تاريخية معينة، قد يكون هذا التوجه مفهومًا بوصفه استراتيجية حماية، لكنه يظل محدودًا إذا قيس بمهمات التربية في بناء فاعلين اجتماعيين قادرين على نقد السلطة المعرفية والسياسية وإعادة توجيهها.

التوتر بين المثالية الروحية والواقع التربوي

يرسم النص صورة مثالية للطالب الذي يُرجى انتفاعه بعلمه: مخلص، ومراقب لنفسه، وبعيد عن الجاه، ومقدِّم للعمل على كثرة الحفظ، ومرتبط بشيخ ناصح. وهذه الصورة ملهمة، لكنها عالية المتطلبات وصعبة التحقق بصورة كاملة. وقد تولد الفجوة بين المثالية المطلوبة وواقع معظم المتعلمين إما إحباطًا، أو تظاهرًا بالتحقق، أو انسحابًا صامتًا.

كما أن النص يفترض متعلمًا بالغًا قطع شوطًا في التحصيل ويسأل عن الغاية؛ لذلك فهو أقل اهتمامًا بأسئلة التربية في المراحل المبكرة، أو بفروق الاستعدادات، أو بطرق تحفيز التعلم الجماعي، أو ببناء بيئات تعليمية حاضنة. وهذه الفجوات تجعل التصور جزئيًا، موجَّهًا إلى فئة محددة في لحظة محددة من مسار التعلم، لا إلى نظرية تربوية شاملة.

خاتمة

يمثل كتاب «أيها الولد» خلاصة مكثفة لرؤية أبي حامد الغزالي الإيتيقية التربوية. فهو نص يرفض الفصل بين المعرفة والأخلاق، ويضع الإخلاص والعمل في صميم أي مسار تعليمي حقيقي، ويكشف عن العوائق الداخلية والخارجية التي تحول بين الطالب وبين الانتفاع بعلمه، ويقترح أدوات عملية للمجاهدة والمحاسبة والمراقبة. وتظهر قراءته من زاوية إيتيقية تربوية أنه ليس مجرد وصية أخلاقية تقليدية، بل مساهمة عميقة في التفكير في شروط تكوين الإنسان العالم، ذلك الذي يجمع بين نور العلم وزكاة النفس.

ويكمن فضل تصور الغزالي التربوي في «أيها الولد» في إصراره على استعادة البعد الأخلاقي والقصدي للعلم، وفي رفضه تحويل التعليم إلى مجرد أداة دنيوية أو جدل عقيم، وفي تذكيره المستمر بأن المعرفة أمانة ومسؤولية. وهذه القيم تظل ضرورية في مواجهة أشكال التسليع والتفاخر المعرفي.

أما حدوده فتتمثل في اختزاله التربية في مسار فردي تزكوي، وفي ميله إلى التحذير والتأثيم أكثر من البناء الإيجابي للثقة والقدرة، وفي تراتبيته المعرفية التي قد تضيق الأفق، وفي ضعف اهتمامه بالبعد الاجتماعي والمؤسسي والنقدي للتعليم. والتصور قوي بوصفه وصية روحية موجَّهة إلى طالب يبحث عن النجاة، لكنه أقل كفاية بوصفه إطارًا لتربية تُعد أفرادًا قادرين على إنتاج المعرفة، ومساءلة السلطة، والمشاركة في إصلاح شروط العمران.

والقراءة النقدية الخصبة لهذا التصور لا ترفضه ولا تقدسه، بل تضعه في حدوده التاريخية والفكرية، وتستفيد من قوته الأخلاقية، بينما تتجاوز فردانيته والانغلاق المحتمل لبعض آفاقه. وبذلك يظل «أيها الولد» نصًا حيًا يستحق أن يُقرأ، لا بوصفه جوابًا نهائيًا عن سؤال التربية، بل بوصفه لحظة عميقة في تاريخ التفكير في العلاقة بين العلم والعمل والإخلاص؛ لحظة تكشف بقدر ما تحجب، وتفتح بقدر ما تقيّد.

ومن هذا المنطلق، تظل قيمة الكتاب في قدرته على إعادة طرح السؤال الجوهري كلما غرق طلب العلم في الشكلية، أو في التنافس الدنيوي، أو في الجدل العقيم. وهو، بذلك، يدعو كل جيل من الطلبة والعلماء إلى مراجعة مقاصدهم وإعادة ترتيب أولوياتهم، لا من موقع الإدانة، بل من موقع الشفقة التربوية والحرص على النجاة الحقيقية. وفي إيجازه وكثافته يكمن سر تأثيره المستمر، وفي صدقه التربوي تكمن قدرته على مخاطبة القارئ عبر العصور بوصفه «ولدًا» ما زال في حاجة إلى من يذكّره بالغاية من وراء كل هذا التحصيل.

كاتب فلسفي

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من التربية

مفضلات الشهر من الفلسفة