آخر مقالات الفلسفة والتربية
المزيد
فلسفـة و تربية
فرش إشكالي
لا تزال المقالة الفلسفية تحتل موقعًا مركزيًا في التعليم الثانوي في كثير من الدول التي تمتلك تقاليد فلسفية، بوصفها التمرين الذي يتيح للتلميذ أن ينمّي ملكة الحكم والنقد، وأن يمارس التعبير العقلاني الحر، فيتأهّل بذلك ليكون مثقفًا قادرًا على الالتزام. ولا تزال عبارة فيكتور كوزان، وهو يصف دور الفلسفة في إعداد الرجال والمواطنين الأحرار، صادقة إلى اليوم: «في صف الفلسفة يتعلم الطلاب الحرية من خلال ممارسة التفكير الحر». وقد أكدت كثير من البحوث الأكاديمية أنه: «من واجب الفلسفة الاشتغال على تدريب الذكاء وبناء الشخصية وتنمية حرية الأفراد، فالأمر يتعلق بتعلّم التفكير والاستعداد للاختيار الحر مع تحمّل المسؤولية». لذلك شُبّهت الفلسفة بعمل يانوس، الإله ذي الوجهين في الميثولوجيا الرومانية: وجه ينظر إلى الماضي وتراث الفكر، ووجه ينظر إلى المستقبل وحرية الحكم.
غير أن هذه الغايات النبيلة، التي يستمد منها الفعل الفلسفي مشروعيته، لا تعفينا من ملاحظة ميدانية متكررة يعرفها كل من مارس تقييم وتقويم الدرس الفلسفي، لا سيما في جانبه التطبيقي المتعلق بالمقال الفلسفي؛ فبين النية المُعلنة والإنجاز الفعلي تقع هوّة واسعة. إذ يبدأ أغلب التلاميذ مقالاتهم بمقدمة وأسئلة متشابهة ومكررة، ثم ينهار البناء مباشرة بعدها. وبدل معالجة الإشكال الفلسفي بحجج مرتبة، يسرد الطالب معارف متناثرة وأمثلة متفرقة وحججًا متناقضة، أو يكتفي بعرض «الرأي وضده» دون أن يقيم وزنًا لأي منهما. والسبب في ذلك بسيط في ظاهره، عميق في جذوره: لقد تعلّم كيف يحفظ المقال، في أحسن الأحوال، ولم يتعلم كيف يطرح السؤال ويجادل فيه.
وهذا بالضبط ما يحاول مقالنا معالجته، من خلال الربط بين محورين لا ينفصلان في بنية المقال الفلسفي، رغم أن تدريسهما كثيرًا ما يُفصل بينهما: الأشكلة بوصفها اللحظة التي يُولد فيها التساؤل، والمحاجة بوصفها اللحظة التي يبلغ فيها فعل التفلسف أبعد مداه. وهذان المحوران يتطابقان مع ما تصفه أدبيات تعليم الفلسفة بالكفاءات الفلسفية الثلاث التي تقوم عليها المادة: الأشكلة، والمفهمة، والمحاجة. من هنا نطرح جملة من التساؤلات التي سترسم خريطة هذا المقال:
• ما الذي يميّز الإشكالية الفلسفية عن المشكلة التقنية؟ وكيف نختبر عمليًا وجود إشكال فلسفي حقيقي يستدعي كتابة مقال؟
• ولماذا لا تستطيع الأسئلة الجاهزة والمعدة سلفًا صياغة إشكال فلسفي حقيقي؟ وما الذي يسقط فيه الطالب حين ينتقل من طرح السؤال إلى سرد الأمثلة دون بناء حجاجي؟
مقدمة
احتل كتاب «أيها الولد» مكانة خاصة ضمن مؤلفات أبي حامد الغزالي، لا بوصفه عملًا نظريًا ضخمًا يضاهي «إحياء علوم الدين» أو «تهافت الفلاسفة»، بل بوصفه نصًا موجزًا مكثفًا، موجَّهًا توجيهًا مباشرًا إلى طالب علم، يحمل في طياته تصورًا متكاملًا للعلاقة بين المعرفة والأخلاق والتربية. يأتي النص في صورة وصية أبوية حانية وحازمة في آن واحد، يخاطب فيها الغزالي تلميذًا أو مريدًا يطلب منه خلاصة جامعة بعد سنوات من التحصيل. وهذه الصيغة الخطابية تجعل الكتاب أقرب إلى فن النصيحة التربوية منه إلى البحث الكلامي أو الفقهي المجرد، وتفتح المجال أمام قراءة إيتيقية تربوية تكشف عن رؤية الغزالي لتكوين الإنسان العالم، لا من حيث امتلاكه للمعلومات، بل من حيث تحوُّل المعرفة فيه إلى حال وخُلق وسلوك.
وتستند هذه المراجعة إلى مقاربة إيتيقية تربوية تركز على كيفية بناء الذات الأخلاقية عبر مسار التعلم، وعلى تصور الغزالي للعوائق التي تحول بين الطالب وبين الانتفاع بعلمه، وعلى الأدوات التربوية التي يقترحها لتجاوز تلك العوائق. وهي مقاربة لا تفصل الجانب الأخلاقي عن الجانب التعليمي؛ لأن الغزالي نفسه يرفض هذا الفصل رفضًا جذريًا، ويرى أن العلم الذي لا يثمر عملًا ولا يزكي نفسًا ليس إلا حجة على صاحبه. فما هي البنية العامة للكتاب؟ وماذا يتضمن من أفكار تربوية؟ وألا توجد مآخذ عليه؟
الإطار العام للنص وطبيعته الخطابية
يأتي «أيها الولد» في شكل رسالة قصيرة نسبيًا، لكنها مشحونة بكثافة تربوية عالية. يخاطب الغزالي المتلقي بلقب «الولد»، وهو خطاب يجمع بين العطف الأبوي والسلطة التوجيهية. وهذا الاختيار اللغوي ليس شكليًا؛ فهو يؤسس لعلاقة تربوية قوامها النصح لا الإلزام الفقهي الجاف، والشفقة لا التسلط. ويفترض النص متلقيًا قطع شوطًا في طلب العلم، وأحاط بجملة من العلوم الشرعية والعقلية، لكنه ما زال يبحث عن الغاية والجدوى من كل هذا التحصيل. والسؤال الضمني الذي يحرك الرسالة كلها هو: ماذا ينفع العلم إذا لم يتحول إلى عمل وخُلق؟
لا يستطيع طالب الفلسفة أن يلج باب التفلسف الحقيقي دون أن يقيم مع النصوص علاقة شخصية حميمة ومستمرة؛ فهي الطريق الملكي الذي يقود إلى ميراث العقول التي سبقت. فالنصوص الفلسفية ليست بضاعة توجد هناك في كتب الفلاسفة وتُعرض على الرفوف، ولا تأثيثًا لدرس يُفرض على التلميذ بالإكراه، بل هي فعل احتراق واختراق متبادل، وخريطة ومفتاح كنز لا يُفتح إلا لمن امتلك مفتاحه. إن السير في طريق النص الفلسفي رحلة طويلة كتلك التي وصفها الغزالي في «المنقذ من الضلال»؛ فالسائر فيها يغرق أول الأمر في بحر الشك، ثم يتدرج بصبر وألم من الحيرة إلى اليقين، ومن الظلمة إلى نور الحقيقة.
لكن هذه الرحلة ليست واحدة في كل مكان ولا في كل مستوى دراسي؛ فالنصوص التي تُقدَّم للطفل في ورشة فلسفية ليست هي النصوص التي يُطالَب بها التلميذ في البكالوريا الجزائرية أو المغربية أو الفرنسية، وليست هي النصوص التي تختارها بحرية عقول ناضجة تجتمع خارج أسوار المؤسسة والامتحان. هي خمس تجارب سنتحدث عنها في مقالنا هذا، وخمس طرائق في الاقتراب من النص، نكتشف من خلالها أن التعامل مع التراث الفلسفي ليس مسألة تقنية واحدة، بل مسألة حياة كاملة؛ دورة تبدأ بالانفتاح الجمالي الحر في الطفولة، ويُفترض أن تمر بصرامة مؤسسية متدرجة في سنوات التكوين، ثم تعود، في مرحلة النضج، إلى انفتاح جديد؛ انفتاح يحمل أثر الصرامة التي مر بها، لا انفتاحًا ساذجًا كأول الطريق. هي تجارب نحاول الاقتراب منها، واستخراج منطقها الداخلي، ثم إخضاعها للمساءلة ذاتها التي يفرضها النص الفلسفي على قارئه: كيف نمنح النص سلطته دون أن نخنق التفكير؟ وكيف نجعل من قراءة نصوص الفلاسفة تمهيدًا للفكر الصحيح، لا مجرد معرفة تُضاف إلى معرفة؟
التجربة الفرنسية: بيداغوجيا الممارسة والمؤسسة والمنهج
تقدم البكالوريا الفرنسية تصورًا عمليًا خالصًا لا يكترث بتأصيل نظري لمفهوم النص، بل ينطلق مباشرة من سؤال: كيف نقرأ النص الفلسفي؟ وكيف نحلله؟ وجوهر هذا التصور أن الفلسفة عادة تُكتسب بالتكرار والمران، وليست معرفة تُلقَّن دفعة واحدة. من هنا كان الإلحاح في التجربة الفرنسية على:
مقدمة
يحتل التمييز بين فعلي التدرب والتعلم موقعاً مركزياً في التفكير الديداكتيكي المعاصر، لأنه يمس جوهر العملية التعليمية-التعلمية ويحدد طبيعة الأهداف والممارسات وأدوار الفاعلين داخل الوضعية البيداغوجية. كثيراً ما يُستعمل المصطلحان بطريقة متداخلة أو تبادلية في الخطاب التربوي اليومي، غير أن التدقيق المفهومي والإجرائي يكشف عن اختلافات جوهرية في البنية والوظيفة والمسار. فالتعلم يشير إلى عملية أوسع وأعمق تهم بناء المعنى وإعادة تنظيم البنى المعرفية والوجدانية للمتعلم، بينما ينحو التدرب نحو صقل أداء محدد وتطوير مهارات جزئية عبر التكرار المنظم والتوجيه المتدرج. تنطلق هذه الدراسة من مقاربة ديداكتيكية تسعى إلى إبراز هذا التمييز لا بوصفه فصلاً قاطعاً، بل بوصفه أداة تحليلية تسمح بفهم أفضل لتكامل العمليتين داخل الفعل التعليمي، وبتصميم وضعيات أكثر نجاعة ووعياً بطبيعة الاشتغال الذهني والمهاري للمتعلمين. فما معنى التدرب؟ وكيف يُفهم التعلم؟ وبأي شكل نُميّز مفهومياً بينهما؟
التعلم بوصفه بناءً والتدرب بوصفه صقلاً
يُفهم التعلم ديداكتيكياً على أنه سيرورة نشطة وبنّاءة يُعيد المتعلم من خلالها تنظيم معارفه وخبراته السابقة في ضوء وضعيات جديدة. إنه ليس مجرد استقبال لمعلومات أو اكتساب لسلوكات جاهزة، بل هو عملية تحويلية تمس البنى المعرفية الداخلية، وتتضمن الفهم والربط والتعميم ونقل التعلم إلى سياقات مغايرة. يتميز التعلم بطابعه الشمولي؛ فهو يدمج الأبعاد المعرفية والمهارية والوجدانية والاجتماعية، ويقتضي مشاركة واعية من المتعلم الذي يصبح فاعلاً في إنتاج المعنى لا مستهلكاً له. من هنا يرتبط التعلم بمفاهيم مثل الصراع المعرفي، والمنطقة القريبة من النمو، والوعي الميتامعرفي، والقدرة على المراقبة الذاتية للمسار الذهني.
أما التدرب فيُقارب ديداكتيكياً بوصفه نشاطاً موجهاً يهدف إلى تثبيت مهارة أو إجراء أو أداء محدد وجعله أكثر دقة وسرعة وتلقائية. يقوم التدرب على مبدأ التكرار المنظم والتغذية الراجعة المستمرة والتصحيح المتدرج، وغالباً ما يركز على الجانب الأدائي المرئي أو القابل للملاحظة والقياس. إنه أقرب إلى منطق الصقل والإتقان منه إلى منطق البناء الجذري. فالمتدرب يعمل على تحسين ما هو موجود أصلاً أو ما تم اكتسابه جزئياً، عبر سلسلة من التمارين المتدرجة التي تقلل من الأخطاء وتزيد من درجة التحكم. لذلك يغلب على التدرب الطابع الإجرائي والتطبيقي، ويكون هدفه المباشر هو الوصول إلى مستوى من الآلية الوظيفية يسمح بأداء المهمة دون استهلاك مفرط للموارد المعرفية الواعية.
"إنّ عصرنا هو عصر النقد بامتياز، وكلّ شيء يجب أن يخضع له"-
إيمانويل كانط، نقد العقل المحض.
"ينبغي تربية الأطفال، لا وفقًا للحالة الراهنة، بل وفقًا لحالة أفضل ممكنة للجنس البشري في المستقبل"
إيمانويل كانط (في التربية )
1- مقدمة :
عرف كانط بفيلسوف النقد في عصره ، واستحق هذا اللقب بجدارة، وهو النقد الذي احتل عنوانين كتبه الرئيسة وتغلغل في مضامينها ، ولا غرو في ذلك إذ شكل منهجه النقدي جوهر فلسفته وفكره، ولا ريب أن معظم أعماله الكبرى اتسمت بالطابع النقدي ووسمت به واتخذت طابعا نقديا في عناوينها ومضامينها ولاسيما كتبه الشهيرة الموسومة "نقد العقل المحض" و" نقض العقل العملي" و"نقض ملكة الحكم ". ولم يتوقف كانط عن ممارسة النقد الفلسفي والمعرفي منذ بداية تعاطيه الفلسفي حتى نهاية المطاف. فكان يعمل النقد في كل الظواهر الكونية العليا والدنيا والدين والعقل والأخلاق والنفس والمعرفة والدين، وقد حمل معوله النقدي سعيا إلى تحطيم به كل الأوثان المعرفية التي سادت في عصره ومن حوله في حياته الاجتماعية والشخصية. لقد أثبت فيه فيلسوف التنوير القدرة على التدخل النقدي في مختلف المجالات المعرفية(1)، ولا غرو بأن يطلق النقاد على فلسفته بالفلسفة التنويرية النقدية التي سادت في القرن الثامن عشر برمته. وأمعن نقدا في ككل الظواهر الحية والجامدة، إذ نقد كل شيء بما فيه (العقل الذي ينقد)، و(ملكة النقد)، و(النقد الديني من منظور عقلي)، هو الذي جعل القيصر الألماني (فردريك) يومها يحرم عليه التكلم في قضية الدين مطلقا.
ويرى معظم المفكرين والنقاد أن كانط استطاع أن يستحضر الروح النقدية للقرن الثامن عشر، وأن يعبر عن هذه الروح في نقده الراسخ لكل مظاهر الحياة والفكر في عصره. وقد تجلت هذه الروح النقدية بوهجها الساطع في معركة «التنوير» التي وسمت القرن الثامن عشر، وتتمثل هذه الطاقة النقدية عند كانط في الوثبة اللامتناهية للشك الراديكالي المعزز بطاقة النقد والتأمل الذاتي ضمن حدود العقل النقدي. وهي الروح التي تخضع كل مظاهر الوجود لمطالب العقل النقدي الذي يوجب استكشاف الأدلة والبراهين واختبارها في مختلف الظواهر التي تمثل أمام العقل وتخضع لمحكمته الصارمة.
وقد "طبق كانط هذه الروح في كل مجال من مجالات الحياة: العلوم والجمال والنقد والأخلاق والسياسة، وفوقها وقبلها جميعها الدين. وفي كل ميدان من ميادين الفلسفة، كان من الصعب تصنيف موقفه الفلسفي في إطار التصنيفات التقليدية (كالعقلانية مثلا أو التجريبية)، لأن موقفه يمثل المركب من المداخل القديمة ومن إعادة التفكير الأساسي في القضايا التي تؤسس التعارض بين مدارس الفكر التقليدية. ففي نظرية المعرفة كان كانط عقلانيا ولكنه جعل المعرفة الإنسانية تقف عند حدود ما هو معطى في التجربة أو الخبرة الحسية" (2).
ولا ريب أن كانط كان بدأ مسيرته النقدية بإخضاعه العقل ذاته لنقد ذاته (العقل ناقدا لنفسه)، ونقد العقل هنا لا يعني تدمير العقل أو مهاجمته أو محاولة النيل منه ـ بل يعني توجيه العقل إلى ذاته لمعرفتها وتحديد قدراته وإمكانياته الحقيقية، وهذا ما يعبر عنه كانط "بمحاكمة العقل لذاته". وقد يبدو أن هذه المحاكمة كان قد أنجزت في كتابه العملاق العبقري العملاق (نقد العقل المحض) الذي تضمن مختلف فصول هذه المحاكمة العلنية للعقل ذاته وانتهت هذه المحاكمة إلى تحديد إمكانيات العقل وحدوده وتعيين الأدوات والمفاهيم التي ينطلق منها في فهم الظواهر ومباشرة المعرفة وإبداعها. وفي هذه المحاكمة التاريخية للعقل بيّن لنا كانط أن هدف النقد ووظيفته تكمن في تحرير العقل ذاته من الأوهام وتحطيم الأصنام وكسر القيود التي تعطل مسيرته نحو الكشف المعمق عن الظاهر التي يباشرها بالنقد والمعرفة.
بمثابة تقديم: دفاعاً عن البعد الفلسفي في "تاريخ وفلسفة التربية"
يثير التحول الذي عرفه برنامج إجازة التربية والتعليم في تونس سؤالاً مشروعاً حول موقع الفلسفة في تكوين المعلمين: هل يعني غياب تسمية «الفلسفة العامة» و«فلسفة العلوم» من بعض الوحدات الجديدة إلغاءً للفلسفة، أم أننا أمام إعادة توجيه لمجال اشتغالها داخل تكوين مهني غايته إعداد المعلم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على العناوين المعزولة أو على مقارنة لفظية بين البرامج القديمة والجديدة، وإنما تقتضي قراءة الوثيقة في كليتها، والاشتغال تحديداً على العنونة، والمحاور، والأهداف، والمفاهيم التي تستدعيها، ونمط التكوين الذي تتوجه إليه. ومن هنا تأتي هذه المحاولة للدفاع عن البعد الفلسفي الكامن في مادة "تاريخ وفلسفة التربية" (Histoire et philosophie de l’éducation)، لا دفاعاً عن تسمية إدارية، ولا بحثاً عن حضور شكلي للفلسفة.
السؤال الأول: هل حُذفت الفلسفة أم تغير موقعها ووظيفتها في تكوين المعلمين؟
أود أن أوضح منذ البداية أنني لا أدافع عن حذف الفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا، بل أقول شيئاً أكثر تحديداً: غياب الفلسفة العامة وفلسفة العلوم بوصفهما مادتين مستقلتين لا يساوي منطقياً إلغاء الفلسفة من تكوين المعلمين. وهذا ليس دفاعاً عن الاسم، وإنما قراءة في بنية البرنامج ومحتواه وأهدافه.
• أولاً: علينا أن نحدد محل النزاع إذا كان المقصود أن الفلسفة العامة التي كانت تدرّس في السنة الأولى قد أزيلت من البرنامج الجديد، وأن الإبستمولوجيا لم تعد تظهر بوصفها مادة مستقلة، فأنا لا أرى موجباً لإنكار ذلك إذا كانت الوثيقة تثبته. لكن الانتقال من عبارة "أزيلت الفلسفة العامة والإبستمولوجيا" إلى عبارة "أُلغيت الفلسفة في تكوين المعلمين" ليس انتقالاً بديهياً. فالوثيقة نفسها تضع في السداسي الثاني مادة بعنوان: تاريخ وفلسفة التربية (Histoire et philosophie de l’éducation).
كما أن الوزارة، بحسب ما ينقله الدكتور فتحي التريكي نفسه، لم تقل إنها ألغت الفلسفة من المسار، بل أكدت له أنها موجودة في السنة الأولى وفي السنة الثالثة في صورة فلسفة موجهة إلى الطفل. إذن، محل الخلاف الحقيقي ليس وجود الفلسفة أو عدم وجودها، وإنما طبيعة الحضور الفلسفي ومقداره وتوزيعه. وهذا فرق لا يجوز إغفاله.
"اِحْذَرْ مِنِ ادِّعَاءِ الْمَعْرِفَةِ، فَهُوَ أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الْجَهْلِ".
جُورْج بَرْنَارْد شَو
1- مُقَدِّمَةٌ
لَيْسَ الْجَهْلُ نَقِيضًا بَسِيطًا لِلْعِلْمِ، وَلَا مُجَرَّدَ فَرَاغٍ فِي الْمَعْرِفَةِ يُمْكِنُ مَلْؤُهُ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ؛ فَالْإِنْسَانُ يُولَدُ وَهُوَ يَجْهَلُ أَكْثَرَ الْأَشْيَاءِ، وَيَظَلُّ، مَهْمَا اتَّسَعَتْ مَعَارِفُهُ، مُحَاطًا بِآفَاقٍ لَا تَنْتَهِي مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ. وَمِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ يَبْدُو الْجَهْلُ حَالَةً إِنْسَانِيَّةً طَبِيعِيَّةً، بَلْ قَدْ يَكُونُ الِاعْتِرَافُ بِهِ بِدَايَةً لِلْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ. فَالْخَطَرُ لَا يَبْدَأُ عِنْدَمَا نَجْهَلُ، وَإِنَّمَا عِنْدَمَا نَفْقِدُ الْوَعْيَ بِجَهْلِنَا، وَنَحْسَبُ مَا نَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً مُكْتَمِلَةً، وَنُحَوِّلُ أَوْهَامَنَا وَأَحْكَامَنَا النَّاقِصَةَ إِلَى حَقَائِقَ لَا يَرْقَى إِلَيْهَا الشَّكُّ.
وَمِنْ هُنَا تَتَدَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ، الَّذِي يَعْرِفُ صَاحِبُهُ حُدُودَ مَعْرِفَتِهِ وَيَظَلُّ قَابِلًا لِلتَّعَلُّمِ، إِلَى الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ، حَيْثُ يَجْهَلُ الْإِنْسَانُ وَيَجْهَلُ أَنَّهُ يَجْهَلُ، ثُمَّ تَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَهِ الْجَهْلَ الْمُقَدَّسَ؛ أَيْ ذَلِكَ الْجَهْلَ الَّذِي لَا يَكْتَفِي صَاحِبُهُ بِالِاطْمِئْنَانِ إِلَى أَوْهَامِهِ، بَلْ يُضْفِي عَلَيْهَا طَابَعًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْقَدَاسَةِ، فَيُحَصِّنُهَا ضِدَّ السُّؤَالِ وَالنَّقْدِ وَالْمُرَاجَعَةِ. وَعِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ لَا يَعُودُ الْجَهْلُ مُجَرَّدَ نَقْصٍ مَعْرِفِيٍّ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى بِنْيَةٍ ذِهْنِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ، وَإِلَى قُوَّةٍ رَمْزِيَّةٍ قَادِرَةٍ عَلَى إِنْتَاجِ الْوَهْمِ وَإِعَادَةِ إِنْتَاجِهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ.
وَتَزْدَادُ خُطُورَةُ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَمَا تَتَسَلَّلُ إِلَى الْفَضَاءَاتِ الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنَّهَا حُصُونٌ لِلْمَعْرِفَةِ وَالْعَقْلِ النَّقْدِيِّ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْجَامِعَةُ وَالْمُؤَسَّسَاتُ الْأَكَادِيمِيَّةُ؛ إِذْ قَدْ تَمْنَحُ الْأَلْقَابُ وَالْمَوَاقِعُ الْعِلْمِيَّةُ بَعْضَ أَشْكَالِ الْجَهْلِ سُلْطَةً وَهَيْبَةً لَا تَسْتَمِدُّهُمَا مِنَ الْمَعْرِفَةِ ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا مِنَ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْأَكَادِيمِيَّةِ لِحَامِلِهَا. وَهُنَا تَظْهَرُ الْمُفَارَقَةُ الْأَكْثَرُ إِثَارَةً: قَدْ يَسْكُنُ الْجَهْلُ قَلْبَ الْمُؤَسَّسَةِ الْمُنْتِجَةِ لِلْعِلْمِ، وَقَدْ تَتَحَوَّلُ الْمَعْرِفَةُ نَفْسُهَا، عِنْدَمَا تَنْغَلِقُ عَلَى يَقِينِيَّاتِهَا وَتَتَوَقَّفُ عَنْ مُسَاءَلَةِ ذَاتِهَا، إِلَى حِجَابٍ يَحُولُ دُونَ الْمَعْرِفَةِ.
وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ، تُحَاوِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ تَتَبُّعَ الْمَسَافَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَالْجَهْلِ الْمُقَدَّسِ، وَالْكَشْفَ عَنِ التَّحَوُّلَاتِ الَّتِي تَجْعَلُ الْجَهْلَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالَةٍ طَبِيعِيَّةٍ قَابِلَةٍ لِلتَّجَاوُزِ إِلَى حَالَةٍ دُوغْمَائِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ تُقَاوِمُ الْمَعْرِفَةَ بِاسْمِ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا. كَمَا تَسْعَى إِلَى مُسَاءَلَةِ بَعْضِ تَجَلِّيَاتِ هَذَا الْجَهْلِ فِي الْمَجَالِ الْأَكَادِيمِيِّ، حَيْثُ يُصْبِحُ السُّؤَالُ عَنْ حُدُودِ مَا نَعْرِفُهُ شَرْطًا أَسَاسِيًّا لِكُلِّ مَعْرِفَةٍ حَيَّةٍ، وَلِكُلِّ عَقْلٍ قَادِرٍ عَلَى النَّقْدِ وَالتَّجَدُّدِ.
هل يمكن رسم السياسات التربوية والتعليمية الناجعة في عالم تقني متحول على الدوام؟ كيف يمكن للسياسات التربوية والتعليمية مواجهة التقلبات الناتجة عن التحولات التقنية والرقمية المتلاحقة؟ كيف يمكن للمنظومات التعليمية التعامل الإيجابي مع الذكاء الاصطناعي؟ هل يمكن رسم سياسات تعليمية قوية في وقت تقلصت فيه القدرة على الاستشراف والتوقع، بعد توالي التحولات التقنية والرقمية؟ كيف يمكن تحقيق التناغم بين عالم الشغل وعالم التعليم والتكوين، إذا كانت التحولات التقنية قوية، وتهدد المواضعات المهنية المستقرة ظرفيا؟ هل سيساعد الذكاء الاصطناعي على تقوية القدرات والكفاءات، أم سيكرس فقدان المهارات، نتيجة التعويل الزائد على الأدوات والآليات الرقمية في الإعداد والتشخيص والإنجاز والإنتاج؟ ما الكفاءات المطلوبة غدا، علما أن إيقاع تطور الذكاء الاصطناعي سيتسارع، وأن الانتقال من الذكاء الاصطناعي المحدود الحالي إلى الذكاء الاصطناعي العام المتوقع شبه حتمي؟
إن الذكاء الاصطناعي من التحديات الحضارية الجوهرية، حسب لوك فيري. فقد طرح هذا المفكر الفرنسي، في كتابه: «الذكاء الاصطناعي: الاستبدال الكبير أم التكاملية؟»، أسئلة جوهرية عن مستقبل الحضارة الإنسانية، في ضوء التوسع في استعمال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.
هل يمكن المراهنة على التكاملية بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني، في زمان تراهن فيه الشركات الكبرى على ترسيخ سلطة الذكاء الاصطناعي، وتكريس محدودية الذكاء الإنساني وقدراته، من خلال تزايد تقلص المهارات والتعويل على الروبوتات، ولا سيما الروبوتات الشبيهة بالبشر (Les robots humanoïdes)؟ وهل يمكن، في ظل التحولات الرقمية وتطورات الذكاء الاصطناعي الآنية، تخصيص الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التكرارية، وتخصيص الذكاء الإنساني لأداء المهام ذات القيمة المضافة العالية؟
لا مراء في أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بعمق في السياسات التربوية والتعليمية؛ مما يفرض إجراءات وإصلاحات جوهرية، ومراجعة معمقة لكثير من الإبدالات البيداغوجية المكرسة.
صار من الضروري الآن التحكم والتمرس بالذكاء الاصطناعي، من أجل تطوير الثقافة الرقمية وامتلاك الفكر النقدي الملائم للاستعمالات الراهنة للرقمي وتطويره.
مما لا شك فيه أن للتعويل على الذكاء الاصطناعي مفاعيل على علائق التلاميذ بالمعرفة والعلوم والعالم، استتباعا.
وتراهن الحكومات في الغرب والجنوب، مبدئيا، على توظيف الآليات الرقمية والذكاء الاصطناعي، من أجل مسايرة التحولات الجوهرية، من خلال تكوين المكونين، وإدماج الآليات الرقمية في النظم التعليمية، والتجديد البيداغوجي.
الملخص
يقارب هذا المقال سياسة المحذوفات المعتمدة في مراجعة المقررات الدراسية المغربية، وتحديدا ضمن مادة التربية الإسلامية، باعتبارها إشكالية إبستمولوجية وبيداغوجية تتجاوز التحيين التقني للمضامين، لتلامس جوهر تدبير التناقضات الأيديولوجية والسياسية، وتستند الورقة إلى استقراء التحولات الكمية والنوعية التي طالت المتون المدرسية عقب الإصلاحات المؤسساتية لسنة 2016، مبينة قصور المقاربة القائمة على الاستئصال الميكانيكي للنصوص الدينية ذات الحمولة المنغلقة والاقصائية، لكونها مقاربة تولد فراغا معرفيا يفاقم ظاهرة التنافر المعرفي لدى المتعلم بدلا من معالجتها، ونخلص إلى حتمية تجاوز سياسة الإخفاء النصي الى إرساء مقاربة بيداغوجية حوارية تعتمد آليات النقل الديداكتيكي الرصين، وتتوسل بالتأويل المقاصدي والسياق التاريخي والاجتماعي للنص الديني، بغية تزويد المتعلم بالأدوات النقدية الكفيلة بتفكيك الخطابات الراديكالية وتأصيل قيم التعددية من داخل النسق الثقافي المحلي.
الكلمات المفتاحية: سياسة المحذوفات، المقررات الدراسية، النقل الديداكتيكي، التأويل المقاصدي، التنافر المعرفي، السيادة الإبستمولوجية.
مقدمة
يشكل الحقل التربوي المجال الاستراتيجي الأهم لتصريف التوجهات السياسية والأيديولوجية للدول، حيث تخضع المقررات الدراسية لعمليات تدخلية تعكس طبيعة المشروع المجتمعي المراد استنباته، ونظرا للتحولات الجيوسياسية والأمنية التي شهدها المحيط الإقليمي والدولي، اتجه صانع القرار التربوي في المغرب الى إعادة هيكلة المناهج التعليمية، متوسلا بآلية "الحذف" كأداة مركزية لإعادة تعريف المضامين الدينية وتكييفها مع الالتزامات الحقوقية الكونية، واستمدت هذه الدينامية زخمها المؤسساتي من التوجيهات الملكية الصادرة بمدينة العيون في 6 فبراير 2016، والقاضية بمراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2016).
تفضي بنا المقاربة النقدية لعملية التحيين هاته إلى مساءلة الجدوى البيداغوجية لسياسة الاستئصال النصي، لنبين قصورها في استيعاب التراث، ونؤكد على ضرورة إخضاع النص الديني للقراءة التاريخية والمقاصدية لتفادي إنتاج وعي هجين يعجز عن التموقع النقدي إزاء الموروث الديني.
فرش إشكالي
يشغل بول ريكور موقعًا متميزًا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين؛ فهو من أكثر فلاسفتها عمقًا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة «فيلسوف جميع الحوارات»، وهو وصف يلتقي مع ما رُصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان، أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبًا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب. ومع ذلك، تلاحقه تهمة متكررة بأنه لا يملك فكرًا خاصًا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.
يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات: الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجًا ولا يأسًا وجوديًا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معًا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.
من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي: بأي معنى يمكن عدّ الجمع بين النقد والاقتناع عند ريكور بناءً منهجيًا متماسكًا، لا تسوية توفيقية، وكيف يتجلى ذلك في تصوره للذات المتناهية وللتأويل الذي تفهم به نفسها؟
بأي مرجعية يمكن أن نفهم فلسفة بول ريكور؟
تتوزع الدراسات والمقالات المتعلقة بفلسفة بول ريكور على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: الببليوغرافيا السيرية، وأبرزها نصوص كتاب غروندان، الذي يقدم قراءة منتظمة لمسار ريكور ولأعماله، ويلاحظ بصفة خاصة أنه لا يوجد في هذه الأعمال الكتاب الأعظم الواحد، بل كتب كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، كما يجعل من فاجعة ابنه أوليفييه مفتاحًا لبعد مأساوي في «الذات عينها كآخر». وإلى جانبه سيرة دوس، وهي المرجع الأدق في تفاصيل الحياة العامة والجامعية، ويضاف إليهما المراجع الاصطلاحية، كمعجم أبيل وبوريه.
والاتجاه الثاني: نقدي-موضوعاتي، يتناول ريكور من زاوية علاقته بالهامش وبما بعد الكولونيالية، وقد جُمعت بعض مساهماته في عدد خاص من مجلة «دراسات ريكور» بعنوان «ريكور ما بعد الكولونيالي»، إضافة إلى أول كتاباته الفلسفية «بحث عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو».
توطئة
بعد انهيار المعسكر الشرقي، تعالت أصوات تبشّر بتكريس الديمقراطية الليبرالية كأفق نهائي للتاريخ السياسي للبشرية «فكرة نهاية التاريخ»، وتدّعي قدرة التقدم التقني والرفاه المادي وحدهما على تلبية حاجات الإنسان المعاصر. وعلى امتداد العقود الأخيرة، حاولت أوساط دولية نافذة ــ واجهتها منتدى دافوس ــ فرض التسليم بأن العالم قد حسم اختياراته الفكرية والسياسية لصالح النموذج الليبرالي الحديث؛ نموذج يغرق في الفردانية، ويقوم على العقلانية التوظيفية التي تقارب كل شيء ــ موردًا بشريًا أو أصلًا ماديًا ــ أداتيًا، وتؤلّه علوية السوق، التي انتهت إلى إخراج المقدس الإيماني من المجال العام.
تمادت الأطراف التي تقف وراء هذا التوجه في فرض تصوراتها على المجتمعات، إلى أن أصبح العالم أمام أزمة لا يمكن إنكارها. والأزمة، التي لا يمكن الاكتفاء بردّها إلى اختلال التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يرتبط عمقها، بالأساس، باضطراب في تصور الإنسان لمكانه في المجتمع والتاريخ، وبضيق الأفق القيمي والروحي المتاح في سياق سلعنة الحياة. الواقع الجديد اقترن بالعجز عن الإجابة عن سؤال جوهري: ما الدلالة والغاية للوجود، إذا بقي مركز السعي مختزلًا في التحصيل المادي ومراكمة القيمة؟
وقد شهد العالم، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، تصاعدًا لافتًا لخطاب ينتقد غياب المعنى، ويدعو إلى الرجوع إلى الأطر الثقافية والاجتماعية والسياسية المؤنسنة، التي تراجع دورها بسبب الليبرالية المفرطة. وتتبنى هذا التوجه أطراف تنتمي إلى فضاءات حضارية ودينية مختلفة، وتنتسب، على حد سواء، إلى اليمين واليسار. والتيارات المنادية بالرجوع إلى «المعنى» وكبح الانغماس المادي الاستهلاكي المفرغ من الغائية نجدها في المجال الشرقي، مرورًا بالفضاء الأوروبي، وصولًا إلى تيارات سياسية أمريكية جمهورية وديمقراطية.
مقدمة
يشكّل بروز ما سُمّي بـ«الفلاسفة الجدد» في الفضاء الفكري الفرنسي خلال سبعينيات القرن العشرين لحظة فارقة في تحوّل الفلسفة القارية من موقع الالتزام الثوري والشك الجذري في البنى القائمة إلى موقع آخر يرفع شعار نقد الشمولية، ويدافع عن حقوق الإنسان بوصفها أفقًا أخلاقيًا أعلى. وقد جاء هذا البروز في سياق تاريخي مشحون: تداعيات أحداث 1968، وانكشاف جرائم الأنظمة التي كانت تُحسب على المعسكر التقدمي، وتراجع جاذبية السرديات الكبرى اليسارية.
غير أن قراءة هذه اللحظة من زاوية تحررية جذرية تفرض تجاوز السردية السطحية التي تقدم الفلاسفة الجدد بوصفهم محرِّرين للفكر من أسر الأيديولوجيا، لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة التحرر الذي دعوا إليه، وحول ما إذا كانوا قد فتحوا أفقًا جديدًا للانعتاق، أم أعادوا تموضع الفكر داخل توازنات سلطة مغايرة. فمن هم الفلاسفة الجدد؟ وكيف حاولوا مواجهة فلاسفة القارة القديمة؟ وعمّ أسفرت هذه المواجهة بين الفريقين؟ وبأي معنى استفاد الفكر الفلسفي منها؟
أولًا: السياق التاريخي وشروط الإمكان
لم ينشأ خطاب الفلاسفة الجدد من فراغ نظري خالص. فقد تزامن صعودهم مع أزمة عميقة في اليسار الأوروبي، ومع تراجع الثقة في النماذج الثورية التي كانت تُقدَّم بوصفها طريقًا للخلاص. وأصبح نقد المعسكر السوفييتي والأنظمة المشابهة ممكنًا علنًا وبحدة غير مسبوقة داخل الأوساط التي كانت سابقًا تتحفظ أو تبرر.
وفي هذا المناخ ظهر جيل يعلن القطيعة مع «الفلاسفة المعلمين»، ومع التراث الذي ربط الفلسفة بالثورة أو بالصراع الطبقي أو بتفكيك البنى بوصف ذلك مهمة سياسية مباشرة.
لمعرفة الحضارة الصينية وتوجهاتها المركزية، لا بد من معرفة حكمتها، ولا سيما الكونفوشيوسية. إن تاريخ الكونفوشيوسية تاريخ استذهان إنساني أفضى إلى تكريس حكيمية الحكيم الكونفوشيوسي، وتأكيد حضوره المعرفي والأخلاقي، وإبراز السمات الدالة على اختلافه، رؤيةً واستبصاراً وحكيميةً، عن الحكيم التاوي أو الموهي أو الشرائعي أو عن الراهب البوذي.
تركز الكونفوشيوسية على الإنسان وجوهره وإمكاناته الوجودية العالية أكثر مما تستقصي عالم الأشياء والظواهر الطبيعية والكونية، خلافاً للتاوية. ولذلك فهي تنشغل بإمكان استجلاء إنسانية الإنسان في مضمار الأخلاق والسياسة. لا يُمحَّص جوهر الإنسان الكونفوشيوسي إلا في ميدان الأخلاق والسياسة، أي في علائق الشخص بذاته وبالآخرين.
اختلاف الكونفوشيوسية عن التاوية والشرائعية والموهية والبوذية مؤكد وثابت؛ ويرجع هذا الاختلاف إلى تمحورها حول الإنسان وإمكان تحقيق المجتمع المنسجم المستند إلى التعليم والتهذيب والتخليق والتسييس والتدبير "العقلاني" والمتوازن للرغائب.
ومن المحقق أن الكونفوشيوسية تمتاز بنزوعها الإنساني، وسعيها إلى التأنسن أو التبشرن والتشخصن في خضم التفاعل مع مشكلات وإشكاليات الأخلاق والسياسة والاجتماع. إن الكونفوشيوسي نَزَّاع إلى التحقق الإنسي والوجودي من خلال الفعل في الراهن، والتأثير في الذات من خلال استتمام مسار الاستذهان والتأنسن، وفي الآخرين من خلال تفعيل وتوظيف القدرات والكفاءات النفسية والمعرفية والأخلاقية المكتسبة.
عرفت الكونفوشيوسية مخاضاً فكرياً عاصفاً في كثير من السياقات التاريخية–الحضارية الانعطافية، واضطر المفكرون الكونفوشيوسيون إلى استشكال وتطوير كثير من المفاهيم والنظريات والتصورات الكونفوشيوسية، في سياق تنافسهم الحاد في الغالب مع الفكر التاوي والشرائعي والبوذي والموهي. وكانت الكونفوشيوسية الجديدة تتويجاً لمسار التنافس والتنازع والتفاعل والتساند المركب والمعقد بين الكونفوشيوسية وبين التاوية والبوذية بخاصة. كانت مسارات الكونفوشيوسية بعد تكريسها مؤسسِياً وظهور الكونفوشيوسية الجديدة مسارات ملتوية ومعقدة، تجمع بين التسيّد الاجتماعي والسياسي والتربوي من جهة، والميل إلى المحافظة الفكرية في سياق يموج بالتطورات المعرفية والمنهجية ولا سيما بعد تطوير المفاهيم والنظريات الجدلية التاوية وظهور قوة البوذية وتميزها نسقياً ورؤيةً عن الفلسفات الصينية من جهة أخرى.
مقدمة
يظل سؤال ماهية الفلسفة من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإشكالية في الفكر المعاصر، لا لأنه يفتقر إلى إجابات، بل لأن كل إجابة تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً عن مهمة الفكر وعلاقته بالوجود والتاريخ والذات والمجتمع. يتقابل في هذا السؤال تقليدان كبيران: التقليد الألماني الذي يتمثل هنا في كارل يسبرس ومارتن هيدغر، حيث تُربط الفلسفة بمسألة الوجود والوجود الإنساني الأصيل والتفكير في الكينونة، والتقليد الفرنسي الذي يتمثل في ميشيل فوكو وجيل دولوز، حيث تُعاد صياغة الفلسفة بوصفها نقداً تاريخياً للمعرفة والسلطة أو بوصفها إبداعاً للمفاهيم وممارسة للفكر المحايث. تسعى هذه الدراسة إلى الاشتغال المقارن على تحديد ماهية الفلسفة عند هؤلاء الأربعة، كاشفة عن نقاط التقارب والتباعد، وعن الكيفية التي يعيد بها كل واحد منهم تأسيس الفلسفة بعد أزمة المثالية والميتافيزيقا التقليدية. فما هي الفوارق بين التقليد الألماني والتقليد الفرنسي في مستوى الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة؟
التقليد الألماني: الفلسفة بما هي تفكير في الوجود والوجود الأصيل
ينطلق كارل يسبرس من تمييز حاسم بين المعرفة العلمية الموضوعية والتفلسف بوصفه فعلاً وجودياً. الفلسفة عنده ليست علماً يراكم نتائج قابلة للتحقق العام، بل هي فعالية وعي بالوجود تتحقق في مقامات الوجود الإنساني الأصيل. يميز يسبرس بين الوجود اليومي والوجود الأصيل، ويرى أن الفلسفة تستيقظ في المواقف الحدية كالموت والمعاناة والصراع والخطيئة، حيث ينكشف الإنسان على تناهيه وعلى تعاليه الممكن في آن واحد. ماهية الفلسفة عند يسبرس تكمن في الإنارة الوجودية وفي التواصل الأصيل الذي يتجاوز مجرد تبادل المعلومات إلى لقاء حر بين ذوات. الفلسفة أيضاً هي البحث عن الشامل الذي لا يُدرك كموضوع بل يُشار إليه بوصفه الأفق الذي يجعل كل ظهور ممكناً. بهذا تكون الفلسفة عند يسبرس ممارسة تحرر وانفتاح ومسؤولية، لا بناء لنسق مغلق.
أما مارتن هيدغر فيدفع السؤال إلى مستوى أنطولوجي أعمق. الفلسفة في صورتها التقليدية هي الميتافيزيقا التي نسيت سؤال الوجود وانشغلت بالموجودات. ماهية التفكير الأصيل عند هيدغر ليست الاستدلال أو بناء الأنساق، بل الإصغاء إلى نداء الوجود والتفكير في الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود. في مرحلته المتأخرة يعلن نهاية الفلسفة بوصفها ميتافيزيقا، ويدعو إلى بداية أخرى للتفكير تتجاوز الذاتية والحسابية والتقنية. الفلسفة الحقة أو ما يخلفها هو التفكير الذي يقيم في القرب من الوجود، تفكير شعري وتأملي يحفظ السر ولا يسعى إلى السيطرة. بهذا يحدد هيدغر ماهية الفلسفة لا بما تنتجه من معارف، بل بما تفتحه من علاقة أصيلة بالكينونة وبما تكشفه من خطر النسيان الذي يهدد العصر التقني.
يتفق يسبرس وهيدغر على ربط الفلسفة بمسألة الوجود الإنساني الأصيل وعلى نقد الاختزال العلمي والموضوعي، لكنهما يختلفان في النبرة والأفق. يسبرس يبقي الفلسفة في دائرة التواصل والحرية والمواقف الحدية الإنسانية، بينما يوجه هيدغر الفلسفة نحو سؤال الوجود نفسه ويبلغ حد الإعلان عن نهايتها التاريخية كمطلب للانتقال إلى تفكير آخر.
مقدمة:
يشكل الدافع إلى الحياة محوراً مركزياً في الفلسفة الحديثة، إذ يتجاوز مجرد البقاء البيولوجي ليصبح مبدأً وجودياً يفسر حركة الكائن الحي وصيرورته وإبداعه. في هذا السياق، يبرز مفهومان فلسفيان عميقان: «إرادة الاقتدار» عند فريدريك نيتشه (15 أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900)، و«التطور الخلاق» عند هنري برجسون (18 أكتوبر 1859 - 4 يناير 1941). كلاهما يرفضان التفسير الآلي الميكانيكي للحياة، ويؤكدان على ديناميكية داخلية تدفع الوجود نحو تجاوز ذاته. غير أن الاختلاف الجذري يكمن في طبيعة هذا الدافع: فهو عند نيتشه إرادة للسيطرة والتفوق والخلق من خلال الصراع والتأكيد الذاتي، بينما هو عند برجسون اندفاع حيوي أصيل ينبثق من الداخل ويخلق أشكالاً جديدة باستمرار عبر الزمان والمدة. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذين المفهومين بعمق، ثم مقارنتهما من حيث الأسس الميتافيزيقية والبيولوجية والأخلاقية والوجودية، للكشف عن أوجه التقارب والتباعد في فهمهما للدافع إلى الحياة. فما المقصود بالدافع إلى الحياة في الفلسفة؟ وكيف يتمثل في إرادة الاقتدار عند نيتشه؟ وما علاقة التطور الخلاق عند برجسون بإرادة الحياة النيتشوية؟ وما هي الرهانات لذلك؟
إرادة الاقتدار عند نيتشه: الدافع كقوة تأكيدية وصراعية
يعتبر مفهوم إرادة الاقتدار حجر الزاوية في فلسفة نيتشه المتأخرة، وهو ليس مجرد رغبة في السيطرة السياسية أو الاجتماعية، بل مبدأً أنطولوجياً كونيياً. يرى نيتشه أن الحياة ليست سعيًا نحو البقاء كما ذهب داروين، ولا سعيًا نحو اللذة كما في مذهب اللذة، بل هي إرادة اقتدار متدفقة. كل كائن حي، بل كل قوة في الوجود، يسعى إلى توسيع نطاق تأثيره، وإلى فرض شكله على ما حوله، وإلى النمو والتجاوز. الحياة في جوهرها هي «إرادة اقتدار»، أي رغبة دائمة في أن تكون أكثر مما هي عليه.
الملخص
يقترح هذا المقال قراءة فلسفية للمحاضرة الافتتاحية التي ألقاها موريس ميرلوبونتي في الكوليج دو فرانس سنة 1953، ونشرت بعنوان مديح الفلسفة. وينطلق من تحليل الشواهد الأساسية التي يحدد فيها ميرلوبونتي التفلسف بوصفه حركة مستمرة بين المعرفة واللامعرفة، ويجعل من الغموض والانخراط السابق في العالم واللااكتمال شروطا بنيوية للفكر الفلسفي.
ويبين المقال أن الفلسفة، وفق هذا التصور، لا تبدأ من امتلاك معرفة موسوعية مكتملة، ولا من بلوغ تحول جواني يمنح صاحبه امتيازا معرفيا خاصا، بل تنشأ من وضع الإنسان داخل عالم لا يقدم معناه دفعة واحدة. فالإنسان يجد نفسه متورطا في الوجود، معرضا لما يداهم فهمه، ومضطرا إلى الفعل قبل أن يستنفد شروط المعرفة واليقين.
وانطلاقا من ذلك، يقيم المقال صلة بين تصور ميرلوبونتي وبعض مفاهيم فلسفة الصيرورة الأصيلة، ولا سيما الاشتكال الوجودي، ومداهمات الاختلاج، والتورط الحافي، واللااكتمال البنيوي للوجود. وتظهر ضرورة التفلسف هنا بوصفها نتيجة لانخراط المتواجد في صيرورة لا تتوقف، وللمسافة القائمة بين الوجود وأشكال ظهوره المتعينة.
غير أن هذه الضرورة لا تعني تساوي جميع الأقوال الفلسفية في القيمة. فمشروعية الدخول في التفلسف نابعة من الوضع الإنساني نفسه، أما جدارة الموقف الفلسفي فتظل خاضعة لمعايير الاتساق، والاقتصاد المفهومي، والقوة التفسيرية، والقدرة على الصمود أمام النقد.
الكلمات المفتاحية: موريس ميرلوبونتي، مديح الفلسفة، التفلسف، الصيرورة الأصيلة، الاشتكال الوجودي، الغموض، اللامعرفة، التورط الحافي، اللااكتمال، المعنى.
مقدمة
يُعد كتاب «الذات تصف نفسها» أحد النصوص الأساسية في الفكر الفلسفي المعاصر الذي يعيد مساءلة مفهوم الذات من زاوية أخلاقية وسردية في آن واحد. ينطلق الكتاب من سؤال مركزي يبدو بسيطاً في ظاهره عميقاً في باطنه: هل تستطيع الذات أن تقدم وصفاً كاملاً وشفافاً لنفسها؟ ومن خلال هذا السؤال يفتح أفقاً واسعاً لإعادة التفكير في العلاقة بين السرد والذاتية والمسؤولية والآخر. والمقاربة السردية ما بعد الحديثة التي نعتمدها هنا لا تكتفي بعرض مضامين الكتاب، بل تسعى إلى قراءة بنيته بوصفها ممارسة سردية تفكك أوهام الحداثة عن الذات السيادية الشفافة، وتكشف عن الطابع العلائقي والمعتم والمشروط لكل محاولة سردية للذات. فمن هي جوديت بتلر؟ وماذا يتضمن كتابها الشهير الذات تصف نفسها؟
الإطار العام للكتاب وموقعه في التحول ما بعد الحديث
يندرج الكتاب ضمن تحول فلسفي واسع شهدته العقود الأخيرة، تحول ينتقل من الثقة الحديثة بالذات العاقلة المستقلة القادرة على معرفة نفسها معرفة كاملة، إلى إدراك ما بعد حديث بأن الذات تتشكل داخل شبكات من المعايير الاجتماعية واللغوية والعلاقات مع الآخرين، وأنها تظل جزئياً غريبة عن نفسها. السرد هنا ليس أداة محايدة لنقل حقيقة داخلية مسبقة، بل هو الفضاء الذي تتكوّن فيه الذات جزئياً، وفي الوقت نفسه الفضاء الذي يكشف عن حدود هذا التكوين.
المقاربة السردية ما بعد الحديثة تبرز كيف أن الكتاب يتعامل مع وصف الذات لا بوصفه فعلاً تعبيرياً بسيطاً، بل بوصفه حدثاً سردياً معقداً تحكمه قواعد النوع السردي وحدود اللغة وانخراط الراوي في ما يرويه. فالذات التي تحكي عن نفسها ليست راوياً عليماً خارج الحكاية، بل هي جزء من الحكاية ذاتها، مشروطة بما سبقها وبما يحيط بها وبما لا تستطيع استعادته بالكامل.
البنية السردية للذات: من الوهم السيادي إلى العتمة العلائقية
يبدأ الكتاب بتفكيك الافتراض الحديث القائل إن الذات تستطيع أن تكون مصدر سردها الكامل. هذا الافتراض يقوم على صورة الراوي السيادي الذي يمتلك زمام حكايته من البداية إلى النهاية، ويعرف دوافعه وأصوله وأسباب أفعاله معرفة شفافة. المقاربة ما بعد الحديثة تكشف أن هذه الصورة سردية أولاً وقبل كل شيء: إنها حكاية حديثة عن الذات أكثر مما هي وصف لواقعها. بدلاً من ذلك، يقدم الكتاب تصوراً للذات بوصفها كياناً يتشكل عبر سرد يظل دائماً ناقصاً. فكل محاولة لوصف النفس تصطدم بما لا يمكن استعادته: بالطفولة التي سبقت القدرة على السرد، بالمعايير الاجتماعية التي شكلت الإدراك قبل أن تصبح موضوعاً للوعي، بالآخرين الذين تركوا آثارهم في اللغة والجسد والعاطفة. السرد الذاتي يصبح بذلك حركة مزدوجة: حركة بناء للهوية وحركة كشف عن استحالة اكتمال هذا البناء.
"تَكْشِفُ القِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ لِمَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُمَيِّزُ البَرْبَرِيَّةَ الحَدِيثَةَ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَقِيضًا خَارِجِيًّا لِلْحَضَارَةِ، وَلَا بَقَايَا لِمَرْحَلَةٍ بِدَائِيَّةٍ تَجَاوَزَهَا التَّارِيخُ، بَلْ أَصْبَحَتْ وجودا كَامِنًا فِي صَمِيمِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ ذَاتِهَا"
1 - مُقَدِّمَةٌ:
إِنَّ السُّؤَالَ المَرْكَزِيَّ الإِشْكَالِيَّ الَّذِي يَطْرَحُهُ مَاكْس هُورْكْهَايْمَر (Max Horkheimer) وَثِيُودُور أَدُورْنُو (Theodor Adorno) فِي كِتَابِهِمَا المَشْهُورِ “جَدَلُ التَّنْوِيرِ” (Dialectic of Enlightenment) هُوَ: “لِمَاذَا تَغْرَقُ الإِنْسَانِيَّةُ فِي نَمَطٍ جَدِيدٍ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ يُفْتَرَضُ بِهَا أَنْ تُحَقِّقَ فِي ضَوْءِ العَقْلَانِيَّةِ وَالتَّنْوِيرِ حَالَةً إِنْسَانِيَّةً حَضَارِيَّةً أَكْثَرَ نُبْلًا؟”([1]). وَفِي هَذَا العَمَلِ يَجْرِي تَوْصِيفُ البَرْبَرِيَّةِ الحَادِثَةِ فِي صُلْبِ الحَضَارَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ بِأَنَّهَا بَرْبَرِيَّةٌ مِنْ نَوْعٍ جَدِيدٍ، مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا عَنْ تِلْكَ الحَالَةِ الهَمَجِيَّةِ السَّابِقَةِ لِلْحَضَارَةِ الَّتِي سَادَتْ فِي عُصُورِ مَا قَبْلَ الحَضَارَةِ؛ وَمِنَ البَدَاهَةِ أَنَّ الحَدِيثَ عَنْ بَرْبَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ نَوْعٍ قَدِيمٍ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ يُثِيرُ مَطْلَبَ التَّسَاؤُلِ حَوْلَ مَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُنَا: مَا طَبِيعَةُ هَذَا النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ؟ وَكَيْفَ يَخْتَلِفُ عَنِ الأَشْكَالِ البَرْبَرِيَّةِ الأُخْرَى القَدِيمَةِ المُفْتَرَضَةِ؟ )[2]).
فَالبَرْبَرِيَّةُ الجَدِيدَةُ الَّتِي فَرَضَتْ نَفْسَهَا فِي عُمْقِ الحَضَارَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ - كَمَا يَرَاهَا أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر - تَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنِ البَرْبَرِيَّةِ البِدَائِيَّةِ الهَمَجِيَّةِ الَّتِي سَادَتْ فِي العُصُورِ التَّارِيخِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَهِيَ أَيْضًا لَيْسَتْ لَحْظَةً تَارِيخِيَّةً ظَهَرَتْ ثُمَّ اخْتَفَتْ مَعَ ظُهُورِ الحَضَارَةِ؛ بَلْ هِيَ بَرْبَرِيَّةٌ حَدِيثَةُ النَّشْأَةِ انْبَثَقَتْ فِي قَلْبِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا وَفِي مَرْحَلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ تَطَوُّرِهَا؛ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الهَمَجِيَّةَ (Savagery) ظَهَرَتْ فِي مَرْحَلَةٍ سَابِقَةٍ فِي التَّطَوُّرِ تَلَتْهَا الحَضَارَةُ (Civilization)، وَفِي قَلْبِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ وُلِدَتِ البَرْبَرِيَّةُ الجَدِيدَةُ (Barbarism) الَّتِي تُمَثِّلُ مَرْحَلَةً مُخِيفَةً رَهِيبَةً فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، يَحْكُمُهَا العُنْفُ وَالدَّمُ وَالإِجْرَامُ ضِدَّ الإِنْسَانِيَّةِ وَالحَضَارَةِ.
وَهُنَا يُعْلِنُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو بِأَنَّ التَّنْوِيرَ وَالعَقْلَانِيَّةَ لَمْ يَسْتَطِيعَا القَضَاءَ بِالضَّرُورَةِ عَلَى البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي أُعِيدَ إِنْتَاجُهَا فِي صُورَةٍ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَعَقْلَنَةً وَتِقَانَةً. وَهَذِهِ البَرْبَرِيَّةُ الجَدِيدَةُ شَدِيدَةُ التَّحَضُّرِ وَالتَّمَدُّنِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَخْدِمُ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الحَضَارَةِ فَتْكًا وَتَقَدُّمًا: العِلْمَ وَالتِّقْنِيَةَ وَالبِيرُوقْرَاطِيَّةَ وَالإِدَارَةَ العَقْلَانِيَّةَ وَوَسَائِلَ الإِعْلَامِ وَالتَّنْظِيمَ الصِّنَاعِيَّ.
وَتُعَدُّ المَحْرَقَةُ النَّازِيَّةُ (الهُولُوكُوسْت) المِثَالَ الأَوْضَحَ لِلْبَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ؛ إِذْ لَمْ تَكُنِ انْفِجَارًا بِدَائِيًّا خَارِجَ الحَضَارَةِ الغَرْبِيَّةِ، بَلْ ظَهَرَتْ عَلَى صُورَةِ جَرِيمَةٍ مُنَظَّمَةٍ اسْتُخْدِمَتْ فِيهَا مُنْجَزَاتُ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ نَفْسِهَا. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ لَا يُطْلِقُ المُؤَلِّفَانِ وَصْفَ البَرْبَرِيَّةِ عَلَى الشُّعُوبِ المَوْجُودَةِ فِي “الخَارِجِ”، وَلَا يَسْتَخْدِمَانِهِ وَسْمًا اسْتِعْمَارِيًّا لِلْآخَرِ المُخْتَلِفِ؛ وَإِنَّمَا يُوَجِّهَانِ النَّقْدَ إِلَى الحَضَارَةِ الغَرْبِيَّةِ ذَاتِهَا، كَاشِفَيْنِ أَنَّ مَشْرُوعَ التَّنْوِيرِ يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى نَقِيضِهِ عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ العَقْلُ مِنْ وَسِيلَةٍ لِلتَّحَرُّرِ إِلَى أَدَاةٍ لِلسَّيْطَرَةِ وَالإِخْضَاعِ وَالإِبَادَةِ. فَالبَرْبَرِيَّةُ كَمَا يَرَاهَا أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر لَيْسَتْ مَرْحَلَةً بِدَائِيَّةً سَابِقَةً لِلْحَضَارَةِ، بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّوَحُّشِ الإِنْسَانِيِّ الَّذِي يُولَدُ فِي أَحْشَاءِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا، وَهِيَ نَمَطٌ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي تَسْتَخْدِمُ مُنْجَزَاتِ الحَضَارَةِ العَقْلِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ وَالتَّنْظِيمِيَّةِ فِي مُمارَسَةِ القَمْعِ وَالوَحْشِيَّةِ؛ إِنَّهَا، بِهَذَا المَعْنَى، بَرْبَرِيَّةٌ مُتَحَضِّرَةٌ أَوْ وَحْشِيَّةٌ عَقْلَانِيَّةٌ مُنَظَّمَةٌ)[3]).