السيميائيات (أو السيميولوجيا) هي دراسة العلامات والعمليات التأويلية. توجد إذن صلات وثيقة بين السيميائيات والهيرمينوطيقا، كما أشار إلى ذلك أومبرتو إيكو (1988)، على اعتبار أن «شيئاً ما لا يعتبر علامة إلا لأنه خضع للتأويل كعلامة دالة على شيء ما من طرف مؤول معين» (موريس Morris، 1938). ومع ذلك، فإن السيميائيات المعاصرة قد تطورت بصفة عامة، وفي الواقع، بشكل مستقل عن الهيرمينوطيقا؛ فقد أرادت لنفسها أن تكون أساساً لنظرية في تصنيف العلامات، وتحليلاً للشفرات، والأنحاء، والأنساق، والأعراف، إلخ، أكثر مما تكون نظريّة للتأويل. ولم يتم الالتفات إلى مشاكل التأويل إلا في الآونة الأخيرة، وبشكل موسع إلى مجال تداولية العلامات (كما هو الشأن مع إيكو، 1985). ومع ذلك، وعلى اعتبار أن هذا التحول في الاهتمام حدث بشكل مشترك بين أغلب التخصصات ما بعد البنيوية، وعلى اعتبار أن السيميائيات المعاصرة قد شكلت دائماً ظاهرة كونية متأثرة بالعوامل النظرية الخارجية، فإن من الصعب في الوقت الراهن الحكم على نتائجها على المدى الطويل. ونتيجة لذلك، فإن السيميائيات التي نتناولها هنا هي أساساً نظرية للعلامات.
إن التفكير في العلامات ليس نشاطاً حديث العهد، رغم أن العلامات اللفظية، وبحكم أهميتها في التواصل الإنساني، قد تداخلت زمناً طويلاً مع التفكير في اللغة. وهكذا، فإن هناك نظرية سيميائية ضمنية في البحوث اللسانية التقليدية، في الصين كما في الهند، وفي اليونان أو في روما. وسيكون من غير المجدي محاولة البحث عن الأصل التاريخي للسيميائيات عند كاتب محدد، رغم أن العادة تنسب هذا الامتياز للقديس أوغسطين، خاصة بسبب تمييزه بين العلامات الطبيعية والعلامات الاتفاقية، وكذا بين وظيفتها عند الحيوان وعند الإنسان (في كتاب العقيدة المسيحية). إلا أن الرواقيين قد أولوا من قبل اهتماماً كبيراً لهذه القضايا، وفي الواقع يجب أن نعود على الأقل إلى أفلاطون وأرسطو. وقد ساهم التفكير القديم بعد ذلك في إغناء العصر الوسيط، حيث قام أصحاب نظرية النحو التأملي (Modistes) على الخصوص بصياغة أفكار حول اللغة ذات حمولة سيميائية.
وفي سنة 1632، نشر الفيلسوف الإسباني ج. بوانسو (J. Poinsot) رسالة في العلامات (الذي أدرج ضمن القسم الثاني من كتابه فن المنطق حيث يعرض ما يعتبر دون شك أول نظرية عامة للعلامات): في هذا النص يناقش العلاقة بين التمثيل والدلالة، على اعتبار أن خصوصية علاقة الدلالة تكمن في أن العلامة لا تكون أبداً علامة على ذاتها، بينما الشيء يمكن أن يمثل ذاته. ونتيجة لذلك، لم تعد العلامة في حاجة لأن تكون شيئاً محسوساً، كما عند القديس أوغسطين؛ إنها تحدد فقط من خلال كونها بديلاً ينوب عن شيء آخر، وهو تعريف يتيح إمكانية وضع سيميائيات عامة تدمج كذلك الأفكار الذهنية (ديلي Deely، 1982). ويجب أن ننتظر مجيء لوك لنشهد بروز اسم السيميائيات نفسه، بمعناه كـ«معرفة بالعلامات» تشمل في الآن نفسه «الأفكار» الذهنية والعلامات المستخدمة في التواصل بين الناس (مقالات فلسفية تهم الفهم البشري) – وهذا التوسيع لا يخلو من مشاكل، لأنه لا يعفينا من التمييز بين حالات القصد (الأفكار) والتمظهرات الحسية لهذه الحالات (العلامات بالمعنى الأوغسطيني للكلمة).
وقد أصبحت السيميائيات ميداناً معرفياً مستقلاً بحق مع كتاب الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس (1839 - 1914). إنها بالنسبة له إطار مرجعي شامل لكل الدراسات الأخرى: «لم أستطع أبداً دراسة أي شيء –رياضيات، أخلاق، ميتافيزيقا، جاذبية، حراريات ديناميكية، بصريات، كيمياء، تشريح مقارن، فلك، علم النفس، صوتيات، اقتصاد، تاريخ العلوم، الوست، الرجل والمرأة، الخمر، علم القياس– إلا كدراسات سيميائية.» ومن هنا كانت الكتابات السيميائية لدى بيرس متنوعة بتنوع الموضوعات المذكورة؛ إنه لم يترك لنا عملاً متكاملاً يلخص الخطوط العريضة لمذهبه. وقد أدى هذا، خلال وقت طويل، إلى نوع من الجهل بمذاهبه، تلته مؤخراً عدة كتابات تفسيرية حاولت إيجاد نظرية موحدة من خلال إعادة صياغات مستمرة (انظر غرينلي Greenlee، 1973، ودولادال Deladalle، 1979).
تعتبر مساهمة بيرس أساسية في نقطتين على الأقل:
• أ) إنه يلح على أن علاقة الدلالة هي دائماً علاقة تضم ثلاثة أطراف: «العلامة، أو العنصر الممثل (Représentamen)، وهو طرف أول يستدعي طرفاً ثانية يسمى الموضوع، ويرتبط به ضمن علاقة ثلاثية تستدعي عنصراً ثالثاً يسمى مؤولاً له (Interprétant)، حيث يدخل ضمن علاقة ثلاثية مع هذا المسمى موضوعاً لا تختلف عن العلاقة بين العلامة والموضوع.» وبمعنى عام، فإن المؤول هو معنى العلامة؛ وبمعنى أضيق، فهو العلاقة الاستبدالية بين علامة وأخرى: المؤول هو دائماً علامة أيضاً، تستدعي بدورها مؤولاً خاصاً بها، وهكذا دواليك. يمكن أن نبين سلسلة التحويلات هاته بين العلامة والمؤول بمقارنتها بالعلاقات التي تربط بين كلمة ما والكلمات التي تشرحها في القاموس: المرادفات والشروح، وكلها مفردات يمكن أن نبحث لها عن تعريفات تتكون بدورها دائماً من مجرد كلمات (تودروف، 1972). «إن العلامة لا تعتبر كذلك ما لم نتمكن من ترجمتها إلى علامة أخرى أوسع.» وغالباً ما نؤول هذا التصور عند بيرس كحجة على «سيمياء لامتناهية»: وهو ما يعني نسيان الطرف الثاني، الموضوع، الذي يضع حدا لمسلسل التأويلات بمجرد تحقق الغاية التداولية للفعل السيميائي (رغم أنه مسلسل غير متناه مبدئياً).
• ب) إنه يعترف بتعدد العلامات وباستحالة اختزالها في صيغة اشتغال العلامة اللسانية. لقد نسج بيرس شبكة من مقاييس متعددة، وبذلك توصل إلى التمييز بين ستة وستين نوعاً من العلامات. ورغم أن المعمار الكلي البالغ التعقيد والمتغير باستمرار لهذه الصنافة لم يفلح في أن يفرض نفسه خارج حدود الدائرة الضيقة لتفاسير بيرس، فإن بعض تمييزاته قد أصبحت واسعة الانتشار، على غرار التمييز بين العلامة-العامة (signe-type) والعلامة الخاصة (signe occurrence)، وكذا التمييز بين الأيقون والمؤشر والرمز.
وبشكل متزامن، أعلن اللساني فرديناند دي سوسير عن ميلاد السيميولوجيا: «اللغة نسق من العلامات التي تعبر عن أفكار، ومن ثمة فهي تشبه كتابة وأبجدية الصم البكم، وتشبه الطقوس الرمزية وآداب المعاملات الاجتماعية والإشارات العسكرية، إلخ. هي فقط أهم هذه الأنساق. يمكننا إذن أن نتصور علماً يدرس حياة العلامات ضمن الحياة الاجتماعية. وفي هذه الحالة، سيشكل جزءاً من علم النفس الاجتماعي، وبالتالي من علم النفس العام؛ سنسميه سيميولوجيا (من اليونانية sèmeîon التي تعني العلامة). وسنتعلم من خلاله ما معنى العلامة وما هي القوانين التي تحكمها. وبما أنه لم توجد بعد، فلا يمكن أن نقول كيف سيكون؛ ولكنه يتمتع بشرعية الوجود، فمكانه محدد مسبقاً.» إن الإسهام المباشر لدي سوسير في السيميولوجيا غير اللسانية قد اقتصر على هذه الجمل تقريباً، ولكنها لعبت دوراً كبيراً، خاصة بفرنسا حيث كان من نتائجها (المفارقة) تطور سيميولوجيا صيغت بشكل دقيق على منوال اللسانيات.
ومصدر ثالث للسيميائيات الحديثة يكمن في فينومينولوجيا هوسرل وفي فكر إرنست كاسيرر. في كتابه بحوث في المنطق، طور هوسرل نظرية عامة حول المقصدية تصورها كعلاقة إحالة، وضمن إطارها صاغ أيضاً نظرية للعلامات وللدلالة (Bedeutung). أما بالنسبة لكاسيرر في كتابه فلسفة الأشكال الرمزية، فإنه يطرح عدة مبادئ:
1. دور اللغة كأكثر من أداة: فاللغة هنا لا تصلح لتسمية واقع قبلي، ولكن لمفصلته وصورنته. هذا الدور الرمزي –بمعنى عام هنا يشمل كل ما يخلق معنى– يميز الإنسان عن الحيوان –الإنسان الذي لا يملك، حسب كاسيرر، إلا أنساقاً من التلقي والفعل– ويبرر تسميته «حيواناً رمزياً».
2. اللغة اللفظية لا تحظى وحدها بهذا الامتياز، بل تقتسمه مع مجموعة من الأنساق الأخرى –الأسطورة، الدين، الفن، العلم، التاريخ– والتي تشكل في مجموعها مجال ما هو «إنساني». وكل شكل من هذه «الأشكال الرمزية» يغني العالم أكثر مما يحاكيه (تودروف، 1972).
ويشكل المنطق مصدراً رابعاً للسيميائيات الحديثة. لقد ساد الاعتقاد بأن جذور السيميائيات الحديثة توجد في المنطق القديم والقروسطي، وهذا على اعتبار أن السيميائيات، على عكس الحساب المنطقي الحديث، لم تكن تسعى إلى وضع لغة صناعية، بل إلى تحليل الاشتغال المنطقي للغات الطبيعية (Deely، 1982).
لقد كان بيرس نفسه منطقياً، وأدمج علناً عمليات الاستدلال المنطقي ضمن صنافته حول العلامات، وهو تصور عاد إليه موريس والعديد من السيميائيين المعاصرين. وجيل آخر من أتباعه ينحدر من فريجه –الذي اقترح تمييزاً أساسياً بالنسبة للسيميائيات بين المعنى (Sinn) والمرجع (Bedeutung)– جيل يمثله راسل (Russell) وكارناب (Carnap، 1928): قام هذا الأخير ببناء لغة مثالية ستمثل لاحقاً نموذجاً للسيميائيات. وقد كان المنطقي الأمريكي شارل موريس (1938) هو من أدخل هذا النموذج ضمن السيميائيات. وقد طور موريس (1946) نظرية عامة للعلامات من منظور سلوكي، محدداً العلامة كمنبه يمهد نسبياً لموضوع آخر لم يكن من قبل منبهاً حين تم تحقق هذا السلوك. إن الصنافة العامة التي اقترحها موريس لم تفرض نفسها، ولكن بعض تحديداتها قد أصبحت إرثاً مشتركاً للسيميائيات المعاصرة، مثلما هو الشأن للتمييز بين البعد الدلالي والتركيبي والتداولي للعلامات.
واقترح إريك بويسنس في كتابه اللغات والخطاب (1943) نموذجاً سيميائياً مستوحى من مقولات دي سوسير؛ لقد اعتمد من جهة أولى على اللغة اللفظية، ومن جهة أخرى على أنظمة سيميائية أخرى متنوعة (علامات المرور، إلخ)، فوضع عدداً من المفاهيم والتمييزات (المقوم والفعل السيميائي، المقومات الجوهرية والعرضية، المقومات المباشرة والمقومات الممكنة)، وبعض هذه المفاهيم سيستخدمها برييتو (Prieto، 1966). وفي نفس الفترة، كانت كتابات أبرز ممثلي ما يسمى «اللسانيات البنيوية» (سابير، تروبتسكوي، جاكوبسن، هيملسليف، بنفنست) تأخذ بعين الاعتبار المنظور السيميائي وتحاول أن تضبط مكانة اللغة ضمن أنظمة العلامات الأخرى.
وقد أثارت الفنون والأدب انتباه السيميائيين الأوائل. ففي بحث بعنوان الفن كواقعة سيميائية، أعلن جان موكاروفسكي (Jan Mukarovsky)، وهو أحد أعضاء الحلقة اللسانية ببراغ، أن على دراسة الفنون أن تصبح جزءاً من السيميائيات، وحاول أن يبين خصوصية العلامة الجمالية: إنها علامة مستقلة، تتمتع بقيمة في ذاتها، وليست كمجرد وسيط حامل للدلالة. ولكن، وإلى جانب هذه الوظيفة الجمالية المشتركة بين جميع الفنون، هناك وظيفة سيميائية أخرى تؤديها الفنون «ذات الموضوع» (الأدب، الرسم، النحت) هي الوظيفة التواصلية. ويجب أن نذكر أيضاً بأعمال الفينومينولوجي رومان إنغاردن (Roman Ingarden) في ميدان الأدب والموسيقى، وهي إنجازات مخصصة للوضع الأنطولوجي للأعمال المدروسة، والتي تعلن من أوجه متعددة عن تمييز غودمان بين الفنون غير القابلة للنسخ والفنون القابلة للنسخ. ويمكن أن نضيف إلى ذلك الفيلسوفة سوزان لانجر (Suzanne Langer) التي اقترحت، بتأثير من كاسيرر، سيميائيات تعبيرية للموسيقى: «الموسيقى شكل من أشكال الدلالة، وبفضل بنيتها الدرامية، يمكن أن تعبر عن أشكال من التجارب الحياتية التي لا تستطيع اللغة بشكل خاص التعبير عنها. ويتكون محتواها من المشاعر، الحياة، الحركة والانفعال...» إن المشكل الذي تناولته لانجر، مشكل البعد الدلالي للموسيقى، لا زال حتى اليوم في قلب سيميائيات الموسيقى (تودروف، 1972).
التوجهات الأساسية للسيميائيات بعد الحرب العالمية الثانية
بعد الحرب العالمية الثانية، عرفت الدراسات السيميائية تطوراً كبيراً، وذلك في أكثر الميادين تنوعاً، بأكثر المناهج اختلافاً، وضمن أطر نظرية ليست دائماً قابلة للتلاؤم مع بعضها. أضف إلى ذلك، وفي حال اعتبارها «علماً عاماً للعلامات»، فإن عالم السيميائيات ينزع إلى استقطاب كل الأعمال المنجزة في مجال العلوم الإنسانية التي تتناول من قريب أو بعيد الظواهر التي تهتم بعلاقات الدلالة. كذلك من المستحيل أن نقدم عرضاً شاملاً لمختلف البحوث التي تدرج نفسها تحت يافطة السيميائيات أو التي يعتبرها السيميائيون جزءاً شرعياً من أعمالهم (لأجل جرد للبحوث حسب البلدان، انظر مثلاً هيلبو Helbo، 1979). والوجه الآخر لهذه المحاولة لتوحيد السيميائيات كان امتداداً متسيباً للمصطلح، ما أدى إلى تحديد شبه مستحيل لموضوع هذا المجال المعرفي ومناهجه.
وبصفة عامة، يمكن أن نرجع الأعمال السيميائية لثلاثة توجهات أساسية:
1. سلسلة لوك - بيرس - موريس: التي تنطلق من نظرية عامة للعلامات، الطبيعية أو التوافقية، البشرية أو غير البشرية، والتي تتمثل غايتها القصوى في وضع نظرية عامة للوقائع التواصلية. من هذا المنظور، تبدو اللغة البشرية كواحد من الأنظمة البيولوجية المتعددة للدلالة والتواصل: أكيد أنها تحافظ على مكانة خاصة على اعتبار أنها تمثل دائماً الإطار الذي تتبلور ضمنه التحليلات المتعلقة بالأنساق السيميائية الأخرى، ولكن المجال المعرفي الذي يدرسها (اللسانيات) لا يوفر إمكانية اقتراح نموذج لتحليل هذه الأنساق الأخرى، سواء أكانت بشرية أم لا. هذا التصور للسيميائيات تطور مبدئياً بالولايات المتحدة الأمريكية، خاصة حول ت. سيبوك (T. Sebeok)، وأثبتت اتصافها بدينامية متميزة يرجع إلى انفتاحها الحاسم على حقول معرفية متعددة. ومن بين هذه الحقول سنذكر حقل دراسة التواصل البشري غير اللفظي، أي لغة الإشارة والمحاكاة، وكذا صيغ التفاعل الفضائي (تأثير المكان)، ذلك المجال الذي يجد فيه السيميائيون انشغالات علماء السلوك البشري (بيردويستل Birdwhistell، 1952؛ هال Hall، 1968). هذه الأعمال، وكذا البحوث حول السلوكات الرمزية لدى الحيوانات -سيمياء حديقة الحيوان- (انظر مثلاً ت. أ. سيبوك 1965؛ وكذا ت. أ. سيبوك و ج. أوميكر-سيبوك 1980 Umiker-Sebeok)، قد قادت العديد من الباحثين إلى تدقيق تأكيدات اللسانيين وبعض الفلاسفة (مثل كاسيرر) المتعلقة بالاختلاف المطلق بين اللغة البشرية والتواصل الحيواني. واعتماداً على دراسة السلوكات الرمزية المشتركة بين الإنسان والحيوان (الميم، الحركات، الاشتغال الرمزي للتفاعلات الفضائية)، حاول و. ج. سميث (W. J. Smith) أن يبين أن هناك صلة جينية بين التواصل الحيواني والتطور البشري، وأن الأنظمة السيميائية البدائية (الحيوانية) لدى الإنسان لا زالت تمارس تأثيراً على تطور اللغة (سميث، 1974).
2. السلالة المرتكزة على السيبرنطيقا وعلى نظرية المعلومات: بفرنسا، هذا الاتجاه تمثله أعمال أ. مولس (A. Moles، 1956)، إلا أنه تطور خاصة خلال سنوات الستينات والسبعينات بالاتحاد السوفياتي (خاصة ضمن «حلقة تارتو»). إذا كانت البحوث الأمريكية هي الأكثر أصالة في مجال دراسة العلامات تحت-اللسانية، فإن الإسهام الأهم للسيميوطيقا السوفياتية يندرج دون شك ضمن دراسة العلامات فوق-اللسانية وضمن تطور «سيمياء الثقافة». ومن بين البحوث حول «الأنساق الثانوية»، أي ضمن الأنساق السيميائية الإيحائية (connotatifs بمعناها عند هيلمسليف) التي ارتكزت على اللغة ولكنها تختلف عنها، يمكن أن نحتفظ بأعمال لوتمان (Lotman) حول الأدب (البنية الأدبية للعمل الأدبي، ورغم أنها تتجسد في جسم لفظي، فإنها هي نفسها فوق-أدبية) والسينما (لوتمان، 1970، 1977)، أو أعمال أوسبنسكي (Uspenski، 1976) حول الفنون. ويجب أن نسجل أيضاً أن مفهوم «النسق الثانوي» مفهوم إشكالي حين يطبق، مثلاً، على الفنون البصرية. إن سيمياء الثقافة، بمعنى «دراسة علاقة الترابط الوظيفي بين أنساق مختلفة من العلامات» (إيفانوف، 1973)، قد أدت إلى ظهور دراسات مقارنة مهمة. هكذا اقترح لوتمان تصنيفاً يعارض بين الثقافات الموجهة نحو الأصول والثقافات الموجهة نحو المستقبل، والثقافات الموجهة نحو العلامة مقابل الثقافات التي تسير في اتجاه معارض للعلامة، والثقافات الموجهة نحو النص مقابل الثقافات الموجهة نحو الشفرة، والثقافات الموجهة نحو الأسطورة مقابل الثقافات الموجهة نحو العلم (انظر شوكمان Shukman، 1977).
3. السلالة اللسانية: المهيمنة بفرنسا خاصة، والتي تتماهى نسبياً مع الحركة البنيوية. بعضهم يسعى إلى التأكيد على خصوصيتها فيفضل استعمال مصطلح السيميولوجيا (وهو مصطلح اقترحه دي سوسير) بدل استعمال مصطلح السيميائيات، ولكن التمييز بينهما لم يفلح في أن يفرض نفسه. إن البحث السيميائي الفرنسي المستوحى خاصة من أعمال كلود ليفي ستراوس حول أنظمة القرابة قد اتجه خاصة نحو دراسة الأدب، وبدرجة أقل، نحو دراسة البنيات الاجتماعية التي يفترض أنها تشتغل مثل اللغة (الأساطير، الموضة، إلخ). إن ما يميز السيميولوجيا الفرنسية أنها استوحت بشكل دقيق نموذج اللسانيات البنيوية (خاصة نظريات جاكوبسن وهيلمسليف). بل إن ر. بارث (1964) قد ذهب إلى حد قلب العلاقة بين السيميولوجيا واللسانيات كما اقترحها سوسير: إن السيميولوجيا لم تعد سوى مظهر من مظاهر اللسانيات، على اعتبار أن كل العلامات غير اللسانية، حسب بارث، تتحدد مسبقاً عن طريق اللغة، التي تتماهى عنده مع الفكر باعتباره كذلك (ويمكن أن نجد في ذلك تأثيراً للتصور اللغوي لللاشعور الفرويدي كما اقترحه لاكان). ورغم أن جميع ممثلي البنيوية لا يقبلون هذا القلب، فإن أغلبهم يتعامل مع اللغة، صراحة أو بشكل ضمني، كنموذج للتنظيم السيميائي باعتباره كذلك: إن تحليل أنظمة القرابة عند ليفي ستراوس قد تمت صياغته على ضوء التحليل الفونولوجي للغة كما اقترحه تروبتسكوي. وقد طبق بارث من جهته التمييز السوسسيري بين اللغة والكلام على تحليل الموضة منظورا إليها كنظام رمزي (بارث، 1967). أما فيما يخص علم الدلالة العام عند غريماس، فإذا كان المربع السيميائي يقدم نموذجه التأسيسي كميتالغة، فإننا سنسجل أنه يلتقي بالبنية اللازمنية التي افترضها ليفي-ستراوس –وهي نفسها مدينة بدرجة كبيرة للنموذج اللساني، وبالمربع السيميائي عند بلانشي (Blanché) الذي يصل بين عدد من الأقطاب الحملية. كذلك ليس صدفة، دون شك، أنه باستثناء أبحاث ك. ميتز (C. Metz) المخصصة للسينما، فإن أغلب الأعمال الفرنسية التي تعتبر كجزء من السيميولوجيا هي في الواقع أعمال في التحليل الدقيق للأدب. هذا يبين أن تسمية سيميائيات (أو سيميولوجيا) تسمية إجرائية بدرجة قليلة، لأن أعمالاً مثل أعمال بريمون، جينيت، تودروف، إلخ، لم تنجز في إطار نظرية سيميائية عامة، باستثناء أعمال كريستيفا والأعمال المستوحاة من نظرية غريماس (مثل غريماس 1972؛ شابرول Chabrol 1973؛ كوكي Coquet 1973؛ وراستيي Rastier 1973).
أما أعمال أ. إيكو فإنها لا تدخل ضمن أي فرع من هذه الفروع الثلاثة الآنفة الذكر. إن مقاربته توفيقية بالدرجة الأولى: على مر السنوات، كان يولي اهتماماً متزايداً لنظرية بيرس، وفي نفس الوقت كان ينسق بين الأعمال البنيوية (خاصة أعمال الشكلانيين الروس، أعمال بارث وغريماس) وظل منتبهاً للتفكير الفلسفي المخصص لإشكالية العلامات. أضف إلى ذلك أنه كان أحد السيميائيين الأوروبيين القلائل الذين حاولوا تطوير سيميائيات عامة تسعى إلى إقامة حوار دائم بين الاقتراحات المقدمة من طرف باحثين آخرين. إن تصوره الذي كان في البداية متمركزا حول دراسة الشفرات –والذي يمكن أن نتتبع تطوره من خلال كتاباته الحديثة العهد– قد منح مكانة متزايدة الأهمية للعمليات التأويلية. هذا التوجه التداولي يتولد خاصة عن الأهمية التي يوليها لفكرة وجود خلفية معرفية تعرف تحولاً مستمراً: ومن هنا رفضه للنظر للعمليات الدلالية على ضوء النموذج الساكن واللساني الخالص «للمعجم»؛ إن تأويل العلامات يرتكز على خلفية «موسوعة» ديناميكية متعددة الأبعاد تغتني بفضل كل فعل تأويلي جديد (إيكو، 1979، 1988). وفي المجال الذي يسميه سيميائيات خاصة، خصص إيكو أعمالاً هامة للأدب: هكذا يقترح في كتابه القارئ النموذجي أن ننقل الاهتمام من تحليل الأعراف السيميائية التي تتحكم في المحكيات إلى دراسة تداولية السرد، أي إلى «السردية اللفظية باعتبارها موضوعاً لتأويل قارئ مشارك». واهتم كذلك بوسائل التواصل الجماهيري (إيكو، 1972)، كما اهتم بفلسفة اللغة (إيكو، 1988).
السيميائيات ودراسة الفنون غير اللفظية
رأينا أن السيميائيات قد اهتمت منذ وقت مبكر بالأدب والفنون. وهذا ليس أمراً مستغرباً نظراً لأهمية الأنساق الرمزية الفنية في حياة الناس. بما أن مختلف الفنون تتمتع بوضعيات سيميائية مستقلة عن بعضها، فإن سيميائيات الفنون تبدو كأرضية جيدة لاختبار نقط القوة ونقط الضعف في التحليل السيميائي. لن نتناول هنا سوى ميدان الفنون غير اللفظية، لأن الدراسات السيميائية التي تتصل بالأدب سيتم عرضها، عند الاقتضاء، في المداخل المختلفة للأدب. يجب أن نضيف أن التحليل السيميائي في ميدان الأدب، باستثناء المعجم، لا يختلف بشكل أساسي عن المقاربات الأخرى في التحليل الشكلي، ما عدا التحليل المسرحي؛ فبالنسبة لهذا الشكل الفني حيث العنصر اللفظي يتفاعل دائماً مع شفرات أخرى غير لفظية (حركات، ميم، إلخ)، تشكل السيميائيات نموذجاً تحليلياً واعداً أكثر من غيره (انظر مثلاً سيربييري Serpieri وآخرين، 1981).
أما الفنون البصرية، فقد كانت دون شك هي المجال المخيب للآمال أكثر من غيره حتى الآن. ويرجع ذلك أساساً، على ما يبدو، إلى كون أغلب الذين حاولوا القيام بذلك لم يستطيعوا التحرر من مقولات التحليل اللساني (كما هو شأن ليندكينس Lindekens 1971)، رغم الاستحالة الواضحة لاكتشاف وحدات تمييزية نهائية في مجال العلامات البصرية (التي ألح عليها ه. داميش H. Damisch، 1977): هذا النقل الميكانيكي غالباً للمقولات اللسانية غير مفهوم، سيما وأن أحد مؤسسي سيميائيات الفنون البصرية، مايير شابيرو (Meyer Schapiro)، كان قدم مثالاً لمقاربة أكثر احتراما لخصوصية فن الرسم (شابيرو، 1969). ومن بين الأعمال القليلة التي نجت من هذا المأخذ، نذكر أعمال بارث المخصصة لفن الصورة الفوتوغرافية (بارث، 1982): فرغم استعماله لمعجم مقتبس من دي سوسير ومن هيلمسليف قد يقود إلى الخطأ، فقد اعتترف بارث منذ البداية بأن الدلالة المباشرة للصورة الفوتوغرافية ليست مشفرة بالطريقة التي يتم بها تشفير الرسالة اللفظية؛ صحيح أن هذه الدقة تختفي حين يتعلق الأمر بالصورة البيانية التي يعترف بأنها تحمل «علامات غير متصلة» تشكل شفرة. ويمثل التحليل السينمائي الذي تحقق على يد ميتز استثناءً آخر مثيراً للاهتمام: إذا كانت السينما تشترك مع الأدب في مقولة مركزية واحدة على الأقل، ألا وهي مقولة المحكي، فإن ميتز ألح دائماً على عدم إمكانية اختزال الشفرات السينمائية في بنيات مشابهة للبنيات اللسانية (انظر ميتز، 1971، 1977).
وتواجه نظرية «الأنساق الثانوية المولدة للنماذج» التي اقترحتها مدرسة تارتو من أجل توضيح الوضع الرمزي للفنون غير اللفظية نفس المشاكل؛ إن الأطروحة القائلة إن اللغات الطبيعية قد تشكل النموذج الأصلي لكل الأنشطة الثقافية الأخرى ليست أطروحة مقبولة، وهي غير قادرة على كل حال أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الفنون غير اللفظية. وتبين أن المقاربة السيميائية للموسيقى كانت أكثر إيجابية، كما تشهد بذلك أعمال ج. ج. ناتييز (J. J. Nattiez، 1975) الذي بين بواسطة الأمثلة أن المقولات التحليلية المقتبسة عن اللسانيات، والمنقولة بشكل جيد، يمكن أن تكون إجرائية، على مستوى التحليل التركيبي على الأقل. هذه الملاءمة ليست وليدة الصدفة: إنها ترجع إلى كون الموسيقى (في صورتها المكتوبة على الأقل) تتوفر، مثل اللغات، على خطاطة تركيبية. ومع ذلك، فإن هذه القرابة بين هذين النسقين من العلامات لا تمتد لتشمل مجال الدلالة. ما لم نقم تطابقاً بين العلاقة المرجعية والعلاقة بين التقاسيم والتأويل، فإنه لا يمكننا أن نجزم بأن الدوال الموسيقية لها وظيفة الدلالة المباشرة كما في العلامات اللفظية (انظر كاربوسيكي Karbusicky، 1990): بصفة عامة، إما أن نقبل أن النسق الموسيقي نسق تركيبي خالص (ولكن هل يمكننا في هذه الحالة أن نتحدث بعد ذلك عن علامات موسيقية؟)، وإما أن ننسب للعلامات الموسيقية وظيفة تعبيرية. وفي حالة الفرضية الثانية، يمكن أن نصف وظائفها المرجعية في إطار نظرية غودمان حول التمثيل المجازي. وقد عاد ناتييز من جهة أخرى إلى التوزيع الثلاثي الذي وضعه مولينو (Molino، 1975) –والذي يلتقي مع تمييز إجرائي سابق في أعمال حلقة براغ– وبموجبه يجب أن يشتغل التحليل السيميائي على ثلاثة مستويات: المستوى الشاعري (وهو مستوى المقصدية الإبداعية، ومستوى استراتيجيات الإنتاج)، والمستوى المحايد للموضوع الذي تم خلقه، والمستوى «الجمالي» (مستوى استراتيجيات التلقي).
إذا وضعنا جانباً نظريات الأنساق الخالقة للنماذج عند مدرسة تارتو، فإن أغلب الأبحاث السيميائية في مجال الفنون تقتصر على فنون خاصة. والاستثناء الأكثر وضوحاً هو كتاب لغات الفن لن. غودمان (N. Goodman). رغم أن غودمان لا يستعمل مصطلح سيمياء، ولا قاموس السيميائيين، فإنه يقترح حقاً سيميائيات عامة للفنون. فبالإضافة إلى نظريته حول المرجع وتطويرها بصدد «الأعراض الجمالية»، سنحتفظ خاصة بتمييزه بين الفنون التشكيلية (autographiques arts) كالرسم مثلاً، والفنون المكتوبة (allographiques arts) كالأدب والموسيقى: النوع الثاني من الفنون، وعلى عكس النوع الأول، قابل لأن يجسد في رموز مخطوطة قابلة للتركيب (ترتكز على نموذج يضم حروفاً منفصلة ومتمايزة بشكل مضبوط -مثل الأنساق الصوتية، الحروف الهجائية، وكذا عناصر الكتابة الموسيقية). هذا يفسر لماذا يمكن أن يعاد إنتاج عمل فني خطي (كالنص الأدبي مثلاً) دون أن يفقد هويته (التي ترتكز فقط على هوية تركيبية)، بينما العمل التشكيلي المنجز ضمن خطاطة تركيبية متصلة تركيبياً ومكثفة، لا يمكن أبداً أن يعاد إنتاجه كما هو: إن إعادة إنتاج لوحة فنية ليست مثالاً آخر للعمل الفني، على عكس إعادة إنتاج نص مكتوب، بل هي فقط نسخة مزورة. هكذا يبين تحليل غودمان، إلى جانب تحليلات أخرى، لماذا لا يمكن فهم النسق السيميائي للفنون البصرية بشكل مناسب ضمن إطار النموذج اللساني، فهذا الأخير يفترض وجود خطاطة تركيبية لا تتوفر في الفنون الأولى.
SEMIOTIQUE – Jean-Marie Schaeffer
(Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, ed. Seuil, 1995, p. 213)
إضافة تعليق