القصب (أغانيم)في المجال الأمازيغي بالمغرب: من الحضور البيئي إلى الوظائف الثقافية - عدي الراضي

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

منذ العصور الأولى في تاريخ البشرية، أقام الإنسان علاقة وثيقة ومتعددة الأبعاد مع المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه. فقد كان يعتمد على ما توفره الطبيعة من موارد لتلبية حاجاته الأساسية؛ فيجمع الثمار والنباتات، ويصطاد الحيوانات للاستفادة من لحومها وجلودها، ويستعمل الأشجار والأعشاب والمواد النباتية في بناء المساكن وصناعة الأدوات والملابس وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية. ولم تكن هذه العلاقة قائمة على الاستغلال المادي للطبيعة فحسب، بل قامت أيضًا على الملاحظة المستمرة والتجربة المتراكمة، مما مكّن الإنسان من التعرف على خصائص الكائنات والنباتات والأشجار، وتصنيفها وتمييز بعضها عن بعض، وربط كل عنصر منها بما يميزه من صفات وخصائص.
ومع مرور الزمن، تجاوزت علاقة الإنسان بالطبيعة حدود الانتفاع المباشر، لتنتقل إلى المجال اللغوي والثقافي والذهني والرمزي. فأصبح الإنسان يستمد من الطبيعة صورًا وتشبيهات وأسماءً ودلالات، ويحوّل بعض عناصرها إلى رموز حاضرة في مخيلته وفي تعبيراته الثقافية. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي انتقلت بها بعض النباتات والأشجار من مجرد عناصر طبيعية تُستعمل في الحياة اليومية إلى مكونات من الذاكرة الثقافية والرمزية للمجتمعات.
ويُعدّ القصب من النباتات التي تكشف بوضوح عن هذا النوع من العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فقد عرف الإنسان القصب واستفاد منه منذ زمن بعيد في بناء الأكواخ والمساكن، وصناعة بعض الأدوات والأواني والوسائل المرتبطة بحياته اليومية، قبل أن يتجاوز استعماله الوظيفي ليحضر في مجالات أخرى من الثقافة والفن واللغة والرمز. وفي الثقافة الأمازيغية، يكتسب القصب أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد استعمالاته، وإلى حضوره في الذاكرة المحلية وفي بعض أشكال التعبير اللغوي والثقافي.
ومن اللافت أن تسمية القصب في اللغة الأمازيغية بـ«أغانيم» (ⴰⵖⴰⵏⵉⵎ) تفتح بدورها مجالًا للتأمل في العلاقة بين الاسم والصفة التي لاحظها الإنسان في هذا النبات. فبحسب القراءة التي تقترحها هذه الدراسة، يمكن ربط اللفظ بملاحظة الإنسان لخاصية الاستقامة والنمو العمودي التي يتميز بها القصب، بما يعكس كيف يمكن للملاحظة المباشرة للطبيعة أن تتحول إلى تسمية لغوية تختزن في داخلها صورة ذهنية عن الشيء المسمى.


ومن زاوية لسانية، يمكن تحليل لفظة «أغانيم» بوصفها تركيبًا دلاليًا، على غرار عدد من الألفاظ الأمازيغية المركبة؛ إذ يُرجَّح أن أصلها «ياغ إنم»، أي «نبتَ مستقيمًا»، وهو ما يعزّز الحمولة الرمزية المرتبطة بالاستقامة. وهذا يدخل ضمن ما يسميه الباحث محمد شفيق «الخلق المعجمي بالتركيب المزجي»، وقد بيّن ذلك من خلال مجموعة من الأسماء، من بينها كلمة «إغزديس» التي تعني «الضلع»، وهي في الأصل، وفق تحليله، مكوّنة من كلمتين: «إغص»، وتعني «العظم»، و«يديس»، وتعني «الجانب»، أي: «عظم الجانب».
وعلى المنوال نفسه، ووفق هذه القاعدة، يمكن تحليل كلمة «أغانيم»؛ إذ يُحتمل، بحسب هذا التحليل، أن تكون مكوّنة من «ياغ»، بمعنى «نما» في العربية، و«إنم»، بمعنى «مستقيم»، فتكون دلالتها الأصلية: «نما مستقيمًا». ومع التداول والاستعمال اليومي، حدث نوع من التغير الصوتي في البنية، فأصبحت الكلمة على صورتها المتداولة: «أغانيم» (1).
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى تتبع حضور القصب في الثقافة الأمازيغية، ليس باعتباره نباتًا ذا استعمالات مادية فحسب، وإنما بوصفه عنصرًا انتقل من المجال الطبيعي إلى المجال الثقافي والرمزي. وسنحاول، من خلال ذلك، الوقوف على استعمالاته التقليدية، ودلالاته في المخيال الأمازيغي، وموقعه في اللغة والتعبير الثقافي، مع التساؤل حول الكيفية التي حوّل بها الإنسان ملاحظته لخصائص القصب إلى معرفة واستعمال، ثم إلى تسمية ورمز ودلالة ثقافية.
يُعد نبات «أغانيم» في الأمازيغية، و«القصب» في العربية، من النباتات المعروفة على الصعيد العالمي؛ إذ يتكيف مع عدة مناخات، شريطة دوام جريان المياه قريبًا من جذوره. لذلك غالبًا ما ينمو بمحاذاة الأودية والسبخات والمجاري المائية والبحيرات، وفي المستنقعات، وهو منتشر في مختلف القارات. ويتميّز بسرعة انتشاره، حيث لا يحتاج سوى إلى وفرة المياه لينمو بكثافة.
في المغرب، توجد هذه النبتة بكثرة، وهي نبتة معمّرة ذات أوراق طويلة. ويُعرف الاسم العلمي للقصب الشائع بـArundo donax، كما يوجد نوع آخر يُعرف بقصب السكر، واسمه العلمي Saccharum officinarum، حسب موقع ويكيبيديا. وقد انتشرت زراعته في المغرب منذ القدم، خاصة خلال العصر السعدي، حيث أصبح السكر مادة أساسية في الاقتصاد والاستهلاك.
وفي الوقت الحاضر، يُستخرج من قصب السكر عصير خاص يُباع في المدن والأسواق، وغالبًا ما يُمزج بالليمون أو الرمان، فيتحوّل إلى مشروب منعش يحظى بإقبال واسع. وقد انتشر هذا النوع من العصير في المدن والقرى، لا سيما في الأسواق الشعبية الأسبوعية.
ويختلف قصب السكر عن القصب العادي، موضوع هذا المقال؛ فالأول أجوف من الداخل، بينما الثاني مملوء نسبيًا. ويُعدّ القصب العادي حاضرًا بقوة في الممارسة اليومية للإنسان المغربي، خاصة في البادية، حيث يشكّل جزءًا من الذاكرة الجماعية والمخيال الشعبي. ولا يقتصر حضوره على المجال البيئي، بل يتجاوزه إلى أبعاد ثقافية ورمزية عميقة، انطلاقًا من خصائصه المميزة، مثل الاستقامة، وخفة الوزن، والبنية الداخلية، فضلًا عن عدم إنتاجه لثمار تُستهلك مباشرة.
وقد انعكست هذه الخصائص في الأمثال والتعابير الشعبية المغربية، حيث نجد في العامية المغربية تعبيرات من قبيل: «واقف بحال القصب» للدلالة على الاستقامة والثبات، و«خاوي بحال القصب» لوصف الفراغ وانعدام الفائدة، و«كيتحرك مع الريح بحال القصب» في الإشارة إلى التقلّب وعدم ثبات الرأي، و«القصب ما فيه غير الصفير» كناية عن كثرة الكلام وقلة الفعل. كما يُقال: «لين بحال القصب» للدلالة على المرونة، و«يتكسر القصب وما ينحنيش» للتعبير عن شدة العناد والتشبث بالموقف.
وفي هذا السياق، يجري تداول تعابير أمازيغية تختزل هذه الرمزية، من قبيل: «إتلاس واضّو» التي تدل على الاعوجاج وما يرتبط به من تعب وشقاء، و«إنماس واضّو» بمعنى العيش في يسر وسلاسة دون مشاكل تُذكر. وترتبط أصول هذه التعابير بمرحلة زراعية تقليدية تأتي بعد الحصاد والدّرس، وهي مرحلة التذرية، حيث يُفصل التبن عن الحبوب.
و«أضّو» في الأمازيغية تعني الريح، وخاصة الريح الغربية التي كانت تُستعمل قديمًا في هذه العملية. فإذا هبّت الرياح بشكل منتظم ومعتدل ومن اتجاه واحد، سَهُلت عملية التذرية، ويُقال: «إنماس واضّو»؛ أما إذا هبّت الرياح بشكل متقلب أو من جهات متعددة وعلى هيئة عواصف، تعسّرت العملية، ويُقال حينئذ: «إتلاس واضّو».
ولا يقتصر دور القصب على أبعاده البيئية والثقافية والاجتماعية، بل يتعداها إلى دور إيكولوجي مهم في الحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي. فالقصب، بفضل كثافته وتشكله في أحزمة نباتية كثيفة على ضفاف المجاري المائية، يوفر ملاذًا آمنًا للعديد من الكائنات الحية، خاصة الطيور.
ومن بين هذه الأنواع طائر يُعرف بـ«دجاجة الماء»، ويُسمّى في الأمازيغية «تفولوست ن ومان»، وهو من الطيور التي تحتاج إلى بيئات رطبة وآمنة لبناء أعشاشها. وتُعدّ حقول القصب موطنًا مثاليًا لهذا الطائر، حيث تُمكّنه من الاختباء والتكاثر بعيدًا عن الأخطار. كما تُساهم هذه النبتة في حماية بعض الأنواع من الطيور التي تواجه خطر التراجع أو الانقراض، مما يعزّز من أهميتها البيئية، ويدعو إلى ضرورة الحفاظ عليها واستدامتها.
وهكذا، يتجاوز القصب كونه مجرد نبات طبيعي، ليغدو عنصرًا ثقافيًا وإيكولوجيًا غنيّ الدلالات، تتقاطع فيه التجربة البيئية مع الممارسة الاجتماعية والرمزية، في تجسيد بليغ لمعاني الاستقامة واليسر من جهة، والحماية والاستمرارية من جهة أخرى.
وقد استُعمل هذا النبات، منذ أزمنة بعيدة، في مختلف الصناعات التقليدية لدى العديد من الشعوب. وفي هذا المقال المتواضع، سنحاول تناول هذا النبات داخل المجالات الأمازيغية بالمملكة المغربية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأمازيغ يُعدّون من أكثر الشعوب احتكاكًا بالمحيط الطبيعي، بما يحتويه من كائنات حية، سواء كانت حيوانات أو نباتات أو أشجارًا؛ الأمر الذي جعل لهذه العناصر حضورًا بارزًا في حياتهم اليومية وفي ممارساتهم الثقافية.
وقد استُعمل القصب في الماضي في صناعة عدد من الأدوات التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية، مثل السلال، وخاصة تلك المعروفة محليًا باسم «تشلوت» بالأمازيغية. وتُستعمل هذه السلال في تعليب بعض أنواع التمور، ولا سيما ما يُعرف محليًا بـ«بوفقوس»، كما تُستعمل سلال أخرى لجني الفواكه، خاصة العنب والتين، إضافة إلى جمع البيض وغيرها من الاستعمالات المرتبطة بالحياة القروية.
وفي هذا السياق، نجد مثلًا مغربيًا ذا دلالات اجتماعية ينطلق من العلاقة بين السلة والفاكهة، حيث يُقال: «ضربوه في السلة باش ينسى العنب»، وهو مثل يعكس جانبًا من الحكمة الشعبية المرتبطة بالحياة اليومية. كما يُزرع القصب أحيانًا على شكل سياج طبيعي لحماية بعض الحقول والبساتين.
كما يُوظَّف نبات القصب في المجال الموسيقي؛ إذ يُصنع منه مزمار خاص ومميَّز لدى الأمازيغ، يعزف به موسيقي معروف باسم «بوغانيم»، وهو العضو الرابع المميَّز في فرقة «إمديازن» التقليدية. وتتكوّن هذه الفرقة عادةً من الشيخ، وهو الشاعر الذي ينظم القصائد، ومن «إردادن»، وهم ضباط الإيقاع بالدفوف أو «البنادر: ألون/إيدم» بالأمازيغية، الذين يجوبون القرى والقصور قديمًا، متنقلين بين الجبل والسهل لتقديم الفرجة الفنية لسكانها.
كما تُصنع من القصب أيضًا آلة موسيقية أخرى تُعرف باسم «تابجا» أو «تعوادييت»، وتُسمّى بالفرنسية La flûte، وتُعرف في العربية باسم الناي.
والقصب حاضر بقوة في المجالات الفلاحية، خصوصًا خلال زمن الحصاد؛ إذ تُصنع منه قصبات يستعملها الحصاد لحماية أصابعه من حدة المناجل، فتقوم هذه القصبات بوظيفة تعويض الخواتم التي تُوضع عادةً على الأصابع.
وفي هذا السياق، نجد بيتًا شعريًا أمازيغيًا يردده الحصاد أثناء مزاولة عمله في الحقل؛ تشخيصًا لهذه الوضعية واعتذارًا للخاتم الذي يُودَع في الأصابع خلال موسم الحصاد ليُستبدل بالقصبات. ويقول هذا البيت: «إحرق وضاض أتالختمت إدغ يوض أونبدو كرغاس تغانيمت».
وفي مجال التوثيق، يُعتبر القصب أداة فعالة لحماية الوثائق من التلف والثقوب والرطوبة؛ إذ يتم طيه على شكل عمود لتجنب الطيات التي قد تؤثر على سطور الوثائق. وقد انتشر استخدام قصبات القصب في المكتبات العامة والخاصة كوسيلة لحفظ الوثائق والمخطوطات القديمة بطريقة آمنة.
يُستعمل القصب أيضًا في نقل المراسلات والردود على الرسائل التي يتولى «الرقاصون» حملها بين الدول، أو بين السلطان وقياد الجهات؛ حيث يُهيَّأ على شكل حوامل أسطوانية شبيهة بالملفات البلاستيكية الحديثة، تُحافظ على الوثائق من التلف بفعل الرطوبة والعوامل المناخية. ويكتسي هذا الاستعمال أهمية خاصة نظرًا لصعوبة التنقل عبر المسالك الوعرة والمجالات الجبلية، مما يجعل القصب وسيلة فعالة لحماية المراسلات وضمان سلامتها أثناء النقل.
شهدت الفترة الممتدة من سبعينيات القرن العشرين إلى حدود التسعينيات تحولًا عميقًا في أنماط البناء التقليدي بأعالي وادي زيز، على سبيل المثال، حيث أسهم استعمال القصب إلى جانب شجرة الصفصاف في إحداث ما يمكن وصفه بـ«ثورة عمرانية» محلية. فقد شكّل هذا الثنائي مادة أساسية في تسقيف وتزيين المنازل داخل قصور الواحات والمناطق الجبلية، إذ تفنّن الصناع التقليديون في توظيف القصب (le roseau / aghanim) وأغصان الصفصاف لإبداع أنماط معمارية تجمع بين الوظيفة الجمالية والنجاعة التقنية، ما أكسب السقوف طابعًا زخرفيًا مميزًا لا يزال حاضرًا إلى اليوم.
وقبل هذه التحولات، كانت الغابة، بما توفره من أشجار الأرز والعرعار، تمثّل المورد الأساسي لتسقيف المنازل وتزيينها، وهو ما أدى، بفعل الاستغلال العشوائي وغير المنظم، إلى استنزاف جزء مهم من الغطاء الغابوي.
ومع مرحلة ما بعد الاستقلال، تم إحداث مصالح المياه والغابات وسنّ قوانين صارمة لتنظيم استغلال الموارد الغابوية، فأصبح الحصول على أخشاب التسقيف رهينًا بمساطر إدارية معقدة وتكاليف مادية مرتفعة. وأمام هذه الإكراهات، اتجهت الساكنة، خلال السبعينيات وبداية الثمانينيات، إلى اعتماد خشب «الكاليبتوس» المستقدم من مناطق غير جبلية، خاصة غابة المعمورة، غير أن عيوبه التقنية، وعلى رأسها قابلية التسوس السريع، عجّلت بالتخلي عنه.
في هذا السياق، برز الصفصاف بديلًا محليًا ناجعًا، حيث واكب تحولات عميقة في البنية السكنية، تمثلت في تراجع نموذج القرى الزراعية المحصنة متعددة الطوابق، لصالح سكن متشتت ذي طابق واحد، في ارتباط وثيق بفتح المسالك الطرقية وبالتحولات السوسيو-اقتصادية التي عرفتها البادية المغربية عمومًا، ومجال أعالي زيز على وجه الخصوص. وقد ساهم هذا التحول في ترسيخ حضور الصفصاف والقصب كثنائي متكامل في العمارة المحلية، سواء من حيث الصلابة أو القابلية للزخرفة.
في المقابل، ظل استعمال عود الماء (saule / tismlelte أو tafssaste) محدودًا، حيث اقتصر توظيفه أساسًا على تسقيف حظائر الدواب والبنايات النفعية التي لا تستدعي الزخرفة، مثل مخازن الأعلاف، وغالبًا ما تُدعّم بأغطية بلاستيكية للوقاية من تسرب مياه الأمطار والثلوج.
كما تتجاوز وظائف الصفصاف المجال المعماري لتشمل الاستخدامات المنزلية اليومية؛ إذ تُجمع أغصانه ولحاؤه وتُخزن داخل المنازل لاستعمالها كوقود في الأفران التقليدية لإعداد الخبز المحلي، ولتسخين مياه الحمامات العائلية ومياه الوضوء في المساجد.
وإذا كان الصفصاف قد رسّخ حضوره في الذاكرة الجماعية رغم حداثة عهده النسبي بالمنطقة، فإن القصب بدوره يحتل مكانة موازية في المخيال المحلي، حيث يتجاوز كونه مادة بنائية ليغدو عنصرًا دلاليًا في الثقافة الأمازيغية.
ويتجلى ذلك في حضوره داخل الأمثال الشعبية والأشعار المحلية، حيث يُستدعى القصب ـ مثل الصفصاف ـ لتشخيص حالات اجتماعية والتعبير عن تمثلات رمزية وأمنيات جماعية، وهو ما ستوضحه النماذج الشعرية التي سيتم التطرق إليها في الفقرات اللاحقة من هذا المقال.
وتُعدّ سمة الاستقامة أبرز خاصية تميّز نبات القصب وتجعله يحظى بمكانة رمزية خاصة في المخيال الأمازيغي؛ إذ ينمو في المروج وعلى ضفاف الأودية طويلًا منتصبًا دون اعوجاج، بخلاف كثير من النباتات والأشجار الأخرى.
وقد انعكست هذه الخاصية الطبيعية على التمثلات الثقافية واللغوية، حيث حرص الأمازيغ على توظيف القصب في أمثالهم وأشعارهم بوصفه رمزًا للحظ السعيد والحياة المستقيمة، فتُستدعى صورته في الدعاء والتفاؤل، مثل تمني «حظ كحظ القصب» أو «حياة بقدر استقامته». وترتبط الاستقامة في اللغة الأمازيغية بمفهوم «تانومي»، الذي يحيل إلى الاعتدال والانسجام والاستقرار، في مقابل «أفروغ» الذي يدل على الاعوجاج ويرمز إلى حياة مضطربة وغير مستقرة.
ولا تقتصر رمزية القصب على خاصية الاستقامة فحسب، بل تمتد لتشمل علاقته الوثيقة بالماء، إذ ينمو أساسًا في الأودية والمروج الرطبة، مما يجعله مؤشرًا طبيعيًا على وجود الماء. ومن ثمّ، فإن حضوره في المجال يُعدّ، في المخيال الأمازيغي، دالًا على الحياة والخصب والاستمرارية، باعتبار الماء أصل الوجود ومصدر كل حي، وهو ما يجد صداه أيضًا في المرجعية الدينية من خلال قوله تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي».
وهكذا تتكامل دلالتا الاستقامة والحياة في هذا النبات، ليغدو القصب رمزًا مركبًا يجمع بين الاعتدال الأخلاقي والخصوبة الطبيعية والاستقامة.
وتبرز هذه الدلالة بشكل أوضح في المتن الشعري الشفهي، خاصة في الأهازيج المرتبطة بطقوس الزواج، حيث يُردَّد البيت: «ألالانو أدام إزكور، مولانا إسكدام، أدام إك أم أوغانيم»، باعتباره فألًا حسنًا موجَّهًا للعروس، في تعبير جماعي عن التطلع إلى حياة زوجية مستقرة ومتناغمة، تُقاس رمزًا باستقامة القصب واقترانه بالحياة والدوام.
ومن زاوية أخرى، بعيدًا عن خاصية الاستقامة، فقد لاحظ الأمازيغ أن القصب يتميز بخاصية فريدة تتمثل في كونه أجوف من الداخل، إذ لا يشبه باقي الأشجار، بل يبدو كعظم بلا نخاع. وانطلاقًا من هذه الملاحظة الدقيقة، استحضر الإنسان الأمازيغي دلالة رمزية عميقة، مفادها أن ما كان خاليًا من الجوهر سرعان ما يضعف أمام الشدائد، تمامًا كما يضعف القصب أمام الرياح القوية لافتقاده ما يقويه من الداخل.
وفي هذا السياق، يرد في الشعر الأمازيغي قول معبّر:
«كيغ تين أوغانيم أورديكي أديف، أيازوو أورديكي مايسركيكيد».
حيث يكثف هذا البيت الشعري المعنى السابق، إذ يصور الإنسان الضعيف، المغلوب على أمره، عاجزًا أمام أعباء الحياة وتكاليفها، مستعطفًا قوى الطبيعة ـ التي ترمز إليها الرياح والعواصف ـ أن تخفف عنه وطأة الوجود. فهو، في ضعفه، يشبه القصب الأجوف الذي لا يملك نخاعًا يقويه، فكيف له أن يصمد أمام العواصف الهوجاء؟
ومن جهة أخرى، يحضر القصب في الحفلات والمناسبات الاجتماعية، خاصة في حفلات الختان؛ إذ تحمل أم الطفل المختون قصبة تُعلَّق عليها الهدايا والمساهمات المادية التي تُقدَّم بهذه المناسبة، ولا سيما الأوراق النقدية. وتحمل هذه العادة رمزية عميقة، إذ تعبّر عن التمني بمستقبل سعيد للطفل، ورزق وفير دون عناء أو ملل؛ فالاستقامة في الحياة تُقترن بالسعادة واليسر، بينما يُحيل الاعوجاج إلى الكدح والمعاناة والشقاء.
وهكذا يتجاوز التشبيه بعده الحسي ليغدو بناءً رمزيًا يعكس عمق تفاعل الإنسان الأمازيغي مع محيطه الطبيعي والبيئي، حيث لا تُستمد الصور من الطبيعة فحسب، بل تُحوَّل إلى دلالات أنثروبولوجية تجسد معاناة الإنسان في صراعه مع الزمن وتقلبات الحياة.
خلاصة القول، إن نبات القصب، بما يحمله من حضور مادي ورمزي، يؤدي وظائف اجتماعية وثقافية وأنثروبولوجية عميقة في الذاكرة الجماعية والمخيال الأمازيغي؛ إذ يعكس، في الآن ذاته، طبيعة العلاقة العضوية التي تربط الإنسان الأمازيغي بمحيطه الطبيعي والبيئي. فاستحضار الأشجار والنباتات والحيوانات والطيور في المتخيل الأمازيغي لا يتم اعتباطًا، بل يقوم على ملاحظة دقيقة لخصائصها النوعية، ثم توظيف هذه الخصائص في الممارسة الثقافية والرمزية.
وانطلاقًا من إحدى السمات البارزة للثقافة الأمازيغية، والمتمثلة في توظيف المجاز والحديث بالإيحاء واللغز بدل التصريح المباشر، تتحول عناصر الطبيعة إلى حوامل دلالية كثيفة، تختزن معاني إنسانية واجتماعية عميقة.
وهذا ما يميز الأدب والإبداعات الأمازيغية، سواء المكتوبة أو المترجمة إلى لغات أخرى، حيث يتجلى هذا التفاعل الحي مع الطبيعة في الشعر والأمثال والحكايات، بما يمنح الأدب الأمازيغي ـ بمختلف أجناسه من شعر ورواية وغيرها ـ سمات خاصة وخصوصية فنية واضحة.
وعلى الرغم من انفتاح هذا الأدب على مجالات جغرافية، جهوية وعالمية متعددة، فإنه يظل محتفظًا بفرادته، مستمدًا تميزه من هذا الارتباط العميق بالطبيعة، ومن قدرته على تحويل تفاصيلها إلى رموز ودلالات تُثري التجربة الإنسانية، وتُكرّس الأدب الأمازيغي فنًا وإبداعًا مستقلًا بذاته.
لعل الوظائف المتعددة للقصب، كما وردت في هذا المقال المتواضع، تُعد خير دليل على هذا الاستنتاج، وأبلغ مثال على هذا الاستنباط. والهدف من هذه الدراسات هو فهم واستيعاب العقليات والذهنيات، قصد رسم معالم جديدة للتنمية، انطلاقًا من تربة الماضي، وتأسيس مخططاتنا في هذا المجال وفق الجذور التاريخية العريقة للذهنية المغربية، في ارتباطها بمجالها وتربتها، بعيدًا عن كل الأطروحات التي تعتمد على دراسة التاريخ في معزل عن الجغرافيا بوصفها مجالًا فاعلًا ومؤثرًا في الواقع.

الإحالات:
1- محمد شفيق، اللغة الأمازيغية: بنيتها اللسانية، منشورات الفنك، شارع أنفا، الدار البيضاء – المغرب، طبعة 2000، ص 38.

  • نبذة عن الكاتب(ة): عدي الراضي - باحث في التاريخ والتراث

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ