تقديم المترجم:
الدّليل الكلاميّ الكونيّ The Kalam Cosmological Argument كما عرضه الباحث وليام لين كريغ صيغةٌ استدلاليةٌ قديمة، ومستحدثة، ومطوّرة في آن واحد: تربط دليل الحدوث الكلامي عند الفلاسفة المسلمين، وعلى الخصوص عند حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، من النّاحية الصُّورية؛ والتّطورات العلمية الحديثة في علم الفلك، وعلم الكونيات، والرّياضيات، والفيزياء من النّاحية المَعرفية. ولهذا، فالقالبُ الصوري والمنطقي لهذا الدّليل قديمٌ، ومحتواه ومضمونه المعرفي جديدٌ. إنّ الغرضَ الأسمى لهذا الدّليل يتجلى في نفي القِدم، وإثبات الحدوث (الخلق)، من جهة؛ ونفي اللانهاية، وإثبات النّهاية (البعث والمعاد) من جهة ثانية.لقد واجه الفلاسفة المسلمون، بهذا الدّليل، القائلين بالقدم، وبالخصوص الفلاسفة اليونان؛ ونجد له صياغات عدة، عند أبي يعقوب يوسف الكندي، وعند أبي نصر الفارابي، وعند أبي علي بن سينا، وعند نصير الدّين الطوسي، وعند أبي المعالي الجويني، وعند فخر الدين الرّازي...وهو الّذي يُسمِّيه المناطقة والمتكلمين القياس العقلي، مميزين إياه عن القياس الشَّرعي.
لا يقصد وليام لين كريغ بالكلام ما نفهمُه نحن بعلم الكلام، الّذي خاضَ فيه القدرية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة وغيرهم؛ وإنّما يقصد به القضايا الكلامية من قبيل: إثبات وجود الله، وإثبات الخلق، وإثبات المعاد، ونفي اللانهاية، ونفي القِدم...وهي قضايا لا تختلف عن القضايا اللاهوتية المطروحة عند اليهود والمسيحيين. ولهذا، فعلم الكلام، عند كريغ، مرادف لعلم اللاهوت. وتجدر الإشارة، إلى أنّ هذه القضايا اللاهوتية والكلامية المذكورة ناقشها الفلاسفة المتقدمون، والمتأخرون باستفاضة لا تقل عمقا وأهمية عن تلك الّتي تناولها بها المتكلمون الإسلاميون.
لقد عرضَ وليام لين كريغ هذه المقالة في صيغة استدلالية، تتألف من تمهيدٍ يبيّن فيه الأسباب الذاتية، الّتي دفعته إلى الاهتمام بموضوع نفي القدم، وإثبات البداية، ونفي اللانهاية، وإثبات النهاية؛ وكيف تطوّر هذا الاهتمام إلى إنجاز أطروحة دكتوراه حوله، حيث صاغ بنية استدلالية، استمدها من أبي حامد الغزالي، والتي عرضها في كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد". ولهذا، كانت المقالة عبارة عن تحليل بنية الاستدلال الكلامي الكوني، انطلق فيها وليام لين كريغ من إثبات صدق المقدمة الأولى بالأدلة المنطقية والعلمية، بعد إعادة صياغتها؛ وإثبات صدق المقدمة الثانية بالأدلة العقلية والعلمية، ليستنتج في الأخير صحة النّتيجة.
تجدر الإشارة إلى أنّ أبا حامد الغزالي اعتمد ثلاثة مناهج منطقية، انتقاها بعناية، وواجَه بها كلّ الأحكام المزعومة المتعلقة بالاعتقاد، الّتي ادعاها الخصوم. قال: «اعلم أنّ مناهج الأدلة متشعِّبة، وقد أوردنا بعضَها في كتاب محك النظر، وأشبعنا القول فيها في كتاب معيار العلم. ولكنا في هذا الكتاب نحترز عن الطرق المتغلقة، والمسالك الغامضة قصدا للإيضاح، وميلا إلى الإيجاز، واجتنابا للتطويل.».[1]
وهذه المناهج الثّلاثة هي:
المنهج الأول: السَّبر والتّقسيم: «وهو أن نحصر الأمر في قسمين، ثم يبطل أحدهما، فيلزم منه ثبوت الثاني. كقولنا: العالم إما حادث، وإما قديم. ومحال أن يكون قديما، فيلزم منه لا محالة أن يكون حادثا(...) وهذا اللازم هو مطلوبنا، وهو علم مقصود، استفدناه من علمين آخرين، أحدهما قولنا: العالم إما قديم أو حادث، فإن الحكم بهذا الانحصار علم.».[2]
المنهج الثاني: القياس الحملي البرهاني، وهو: «أن نرتب أصلين على وجه آخر، مثل قولنا: كل ما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث، وهو أصل؛ والعالم لا يخلو عن الحوادث، فهو أصل آخر؛ فيلزم منهما صحة دعوانا، وهو أن العالم حادث، وهو المطلوب، فتأمل. هل يتصور أن يقر الخصم بالأصلين، ثم يمكنه إنكار صحة الدعوى، فتعلم قطعا أن ذلك محال.».[3]
المنهج الثالث: البُرهان بالخُلف ومفاده: «أن لا نعترض لثبوت دعوانا، بل ندعي استحالة دعوى الخصم بأن نبين أنه مفض إلى المحال، وما يفضي إلى المحال، فهو محال لا محالة. مثاله قولنا: إن صح قول الخصم أن دورات الفلك لا نهاية لها، لزم منه صحة قول القائل أن ما لا نهاية له قد انقضى، وفرغ منه، ومعلوم أن هذا اللازم محال، فيعلم منه لا محالة أن المفضي إليه محال، وهو مذهب الخصم.».[4]
هكذا نلاحظ أنَّ الغزالي لم يعتمد على الاستدلال التمثيلي، أو الاستدلال بالشاهد على الغائب، أو قياس الغائب على الشاهد، الذي يُقال إنّ المتكلمين استعملوه للدفاع عن العقائد، وهذا يخالفُ ما ادعاه الكثير بأنّ أبا حامد الغزالي، كان خطابياً، وأنّ أبا الوليد ابن رشد كان برهانيا.[5]
في الوقت الّذي نسمع فيه الخطابات تتعالي من أجل تجديد علم الكلام، نرى الدّراسات العربية المنشورة في هذا الباب مُحتشمة ومتواضعة؛ وفي الوقت الّذي نسمعُ فيه حجة الإسلام أبي حامد الغزالي،[6] تتناسل الأفكار الإيديولوجية الّتي ألصِقت بهذه الشّخصية الفذة، وجعلته عدوا للفلسفة من قبل أصحاب ما يُسمى بالمشاريع الفكرية العربية: التّقدمية، والتَّغريبية، والقومية، وحتّى الإسلاميين اعتبروه ضعيف الحديث، وبعضُهم اعتبروه ضال العقيدة، لأنَّه أشعريُّ المذهب !
ومجملُ القول، فهذه المَقالة المُترجمة تُعلِّمُنا كيف يتمُ تجديدُ علم الكلام، من جهة؛ وتبرزُ لنا، من جهة ثانية، قيمةَ وشخصيّة حُجة الإسلام أبي حامد الغزالي، العلَم الّذي أهْمَلْنا قيمَته بسبب تُرهات وأحكام غير علمية. وإليكم نصُ المقالة.
المَقالةُ المُترجَمة[7]
تقديم:
[1] لقدْ تساءلتُ مندهشاً، وأنا صغير السّن، عن سبب وجود الكون قائلا: من أينَ أتى هذا الكون؟ وهلْ كانت له بداية؟ وأتذكر أنّي كنتُ، ذات ليلة، مستلقيًا على سريري، وأحاول أنْ أتخيل الكونَ بلا بداية، قائلا في نفسي: لو اعتبرتُ كلّ حَدثٍ يسبقُه حَدثٌ آخر، ولو عُدنا القهقرى، وتوغلنا في الماضي السّحيق شيئاً فشيئاً، دون توقفٍ، أو دون نقطة بدايةٍ، فإنَّ هذا الماضي سيكون لا نهائياً، أي سيكونُ بلا بداية ! حينئذٍ دارت دوامة الأفكار في ذهني. وبدا لي الأمرُ غير قابل للتصديق، فقلت في نفسي: لا بد من وجود بدايةٍ له عند نقطة ما. ولمّا ففكرتُ في ذلك فيما بعد، بدأ كلِّ ما سأرويه لكم.
[2] لمْ أكن أتوقعُ أنَّ البشرية اصطدَمت بفكرة الماضي اللانهائي، وبمسألة وجود بداية للكون منذ قرون، بلْ ومنذ آلاف السّنين. لقد اعتقدَ فلاسفة اليونان القدماء أنّ المادة، بما أنّها ضرورية الوجود، وغير مخلوقة، فإنّها أزلية. وإنْ كانَ اللهُ مسؤولاً عن بث النِّظام في الكون، فإنّه لم يَخْلُقه.
[3] لقد كان هذا التّصوّر اليوناني متناقضاً مع الفكر اليهودي القديم في هذه المسألة، لأنّ الكَتَبة العبرانيون[8] اعتقدوا أنَّ الكونَ لم يكنْ موجودًا من قبلُ، وإنّما خلقَه اللهُ في مرحلةٍ ما في الماضي؛ لقد ورد في الآية الأولى من الكتاب العِبري المُقدّس قوله: «في البدءِ خلقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ».[9]
[4] وبعد ذلك، بدأ هذان التَّياران المتنافسان بالتَّفاعل، ونشأ في الفلسفة الغَربية جدلٌ مستشري، دامَ لأكثر من ألف سنة حول ما إذا كانَ للكون بدايةٌ أم لا بداية له. واحتدَم الجدل بين المُتكلمين اليهود، والمتكلمين المسلمين، من جهة؛ وبين المُتكلمين المسيحيين، الكاثوليك والبروتستانت، من جهة ثانية. وانتهى في الأخير بنهايةٍ غير حاسمةٍ مع تصوّر الفيلسوف الألماني العظيم إيمانويل كانط، الّذي عاش في القرن الثامن عشر. فقد رأى هذا الأخير، أنّه لمن التّناقض، أنْ تكونَ لكلا الطّرفين أدلةٌ عقلانيةً مُقنعة،[10] معلناً بذلك عن إفلاسِ العقل نفسه !
[5] وبما أنّني لم أُكن على علمٍ بهذا النِّقاش إلاّ بعد تخرُجي من الجامعة. وبما أنّ الرّغبةً كانت تراودني وتُلح عليّ فهمَ هذه المسألة، فإنّني قرّرتُ، فيما بعد إتمامي لرسالة الماجستير في الفلسفة، أنْ أبحثَ عن أستاذٍ مشرفٍ مستعدٍ للإشراف على أطروحة شهادة الدّكتوراه حول هذا الموضوع. وقد كانَ جون هيك[11] الأستاذ بجامعة برمنغهام هو الشّخص الأبرز للإشراف عليها. لذلك، جئت إلى برمنغهام، وكتبتُ رسالةً دكتوراه حول الدّليل الكوني تحت إشرافِه، وفي الأخير صدرت لي ثلاثة كتب حول تلك الأطروحة. لقد تمكنتُ من الكشف عن الجُذور التَّاريخية لهذا الدّليل، وتعمّقتُ في تحليله، وقمتُ بتطويره. كما اكتشفتُ أنّ له ارتباطَات مُذهلة بعلم الفلك، وبعلم الكونيات المُعاصريْن.
[6] وبما أنّ لهذا الدّليل جذوراً تاريخية في علمِ الكلام الإسلامي في العصور الوسطى، فإنّني جعلته دليلاً مسيحياً،[12] وأطلقتُ عليه اسم "الدّليل الكلامي الكوني" (ولفظ "الكلامي" المستعمل هنا نسبة إلى لفظ عربي يرتبط بعلم الكلام، الذي لا يختلف عن لفظ اللاّهوت في القرون الوسطى). لقد عاد هذا الدَّليل إلى الواجهة من جديد، بعد أن طواه النّسيان منذ عهد إيمانويل كانط. فقد ذكرَ مايكل مارتن[13] في كتابه دليل كامبريدج للإلحاد أنّ: «إحصاء المقالات المنشورة في المجلات الفلسفيّة يُظهرُ أنَّ عددَ المقالات المنشورة حول ... الدَّليل الكلامي يفوقُ عددَ المقالات المنشورة حول أيّ ... صيغةٍ معاصرةٍ أخرى لأيّ دليل عن وجود الله ... فالمؤمنُون والمُلحدون على حدٍ سواء 'لا يمكنُهم الاستغناء عنه'».[14]
[7] إذن، فماذا نقصدُ بالدَّليل الكوني الكلامي الَّذي أثارَ هذا الاهتمام؟ لندع أحد أبرز رواد هذا الجدل في القرون الوسطى يتحدَّث عن نفسه. إنّه أبو حامد الغزالي،[15] لقد كانَ هذا الرّجلُ متكلماً مسلمًا، عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وأصلُه من فارس، أي إيران الحالية. لقد كان يخشى أنْ يتأثر فلاسفةُ عصره من المسلمين بالفلسفة اليونانية القديمة، وينكروا خلقَ اللهِ للكون. وبعد دراسَته المتعمقة لمتونِ الفلاسفة، كتبَ نقدًا لاذعًا لآرائِهم في كتاب مشهور سمّاه تهافت الفلاسفة. ففي هذا الكتاب الرّائع، يعتبرُ القول بأنّ العالمَ لا بداية له، قولٌ سخيفٌ. لذلك، فبالنسبة إليه، لا بدّ للعالم من بداية، وبما أنّ لا شيءَ يبدأ في الوجود من دون سببٍ، فإنّه لا بدّ من وجود خالقٍ مُتعالٍ عن الكون برُمته.
1. الدَّلِيلُ الكَونيُّ عند الغزالي:
[8] لقد صاغَ الغزالي دليلَه في صورة منطقية بسيطة كالآتي: "كلُّ موجودٍ يبدأُ، له سببٌ لبدئِه؛ وبما أنّ العالمَ موجودٌ يبدأُ؛ فإنّ لهُ سبباً لبدئِه.".[16]
يتضمنُ استدلالُ الغزالي هنا ثلاثَ خُطواتٍ [مقدمتان، ونتيجة] بسيطةٍ:
المقدمة الأولى: كلُّ ما يبدأ في الوجودِ له سببُ لبدئه.[17]
المقدمة الثانية: الكون بدأ في الوجود.[18]
النتيجة: الكون له سبب لبدئِه.[19]
[9] لنتناولَ كلَّ خطوةٍ من هذا الاستدلال، ونبحثُ في مدى صِدْقِ المقدمتين، ونخلُص في النهاية إلى نتيجة صحيحةً.
2. صدقُ المُقدّمَتَيْنِ الأولى والثّانية
1.2. صِدقُ المُقدّمةِ الأولى
[10] اعلم أنّ الغزالي لمْ يكن في حاجة ماسة إلى مقدمة قوية تُضاهي المقدمة الأولى لبيان صحة استدلاله. ويمكنُ إعادة صياغة المُقدمة الأولى بشكل أكثر تواضعًا كالآتي: "إذا بدأ الكون في الوجود، فإنّ له سببٌ لبدئه".[20]
[11] إنّ هذه الصّيغة الأكثر تواضعًا للمقدمة الأولى ستُمكّننا من تجنُّب التّشتت حول ما إذا كانت الجُزيئات دون الذّرية النّاتجة عن عمليات الاضمحلال الكوانطي[21] تحدُث بدونِ سبب. فهذا الاستثناءُ المزعوم فيما يتعلق بالمقدمة الأولى لا علاقة له بالمُقدمة التي أعيدَ صياغتها. لأنّ الكونَ يطالُ كلّ الحقائق الزّمانية والمكانية المُتجاورة. لذلك، فإنّ القولَ بأنّ وجودَ الكون برُمته بدون سبب يعتبرُ ضرباً من المُحال، ويعتبرُ أمرا عبثيا. لأنّه في حدوث الاضمحلال الكوانطي، فإنّ الجزيئات لا تحدُثُ من العدم، كما يُحذّر كريستوفر إيشام،[22] عالم الكونيات الكوانطي الأول في بريطانيا.
[12] لذلك، يجب توخي الحَذر عند استعمال لفظ "الخلق" في سياق العلوم الفيزيائية. ومن الأمثلة المألوفة على ذلك خلق الجُزيئات الأولية في مُسرِّع. ومع ذلك، فإنّ ما يحدُث في هذه الحال هو تحويلُ نوعٍ من المادة إلى نوع آخر، مع الحِفاظ على إجمالي كمية الطّاقة في هذه العملية.[23]
[13] وبالتالي، فإنّ هذا الاستثناء المَزعوم من المقدمة الأولى ليس استثناءً من المُقدمة الّتي أعيد صياغتها. والدّليل على ذلك يرجعُ إلى ثلاثة أسباب تدعمُ المقدمة الّتي أعيد صياغتها، ويمكن عرضُها كالآتي:
السّبب الأول: مفادُه أنّه لا يمكنُ لشيء أنْ يأتي من العدم. فالادعاءُ بأنّ شيئًا ما يمكنُ أنْ يأتي من العدم يعتبرُ أسوأ من ادعاء السّحر والشّعوذة. فلمّا يسحبُ ساحرٌ أرنبًا من قبعة، فأنت، على الأقل، تشاهِد السَّاحر، ناهيك عن القُبعة ! لكن، لو أنكرتَ المُقدمة الّتي أعيد صياغتها، فعليك أنْ تعتقد أنّ الكونَ كلّه ظهرَ في وقت ما في الماضي بدون أيّ سبب. ولا أحدَ يصدّق على القطع بأنّ أشياءَ، من قبيل: أنَّ حصاناً، أو قرية من قرى الأسكيمو، يمكن أنْ يظهرَا بغتة، وبدونِ سببٍ.
السَّبب الثّاني: لو كان بإمكان شيءٍ أنْ يأتي من العَدم، فمن غير المُمكن تفسيرُ سبب عدم إتيان أيِّ شيء أو كلّ شيء من العدم. استحضر في ذهنك الأسئلة الآتية: لمَ لا تحدُث الدّراجات بغتةً من العَدم، ويحدُث بيتهوفن بغتةً من العَدم، وتحدُث بيرة الجذور بغتةً من العَدم؟ ولمَ الكون، على وجه الخصوص، هو الّذي يمكن أنْ تنشأ من العَدم؟ وما الّذي يجعلُ العَدمَ مُميّزًا لهذه الدّرجة؟ فلا يمكنُ أنْ يكونَ هناك أيُّ شيء في العدم يفضل الكون، لأنّ العدمَ لا يملكُ أيّ خصائص. ولا يمكنُ لأيّ شيء أن يُقيّد العدمَ، لأنّه لا يوجد شيءٌ يُمكنُ تقييدُه !
السّبب الثّالثُ: تؤكدُ التّجربة المُشتركة، والأدلة العلمية صدقَ المُقدمة الّتي أعيد صياغتها. إنّ علم حدوث العالم يقوم على افتراض وجود شروط سببية لأصلِ الكون. لذلك، ويصعبُ فهمُ كيف يمكنُ لأيّ شخصٍ مُلتزم بالعلم الحديث أنْ يُنكرَ أنّ المُقدمة التي أعيد صياغتها أقرب إلى الصّدق منها إلى الكذب.
[14] وعليه، فإنّني أعتقد أنّ المقدمة الأولى للدليل الكلامي الكوني صادقةٌ على وجهِ القطع.
2.2. المُقدِّمة الثّانية
[15] إنّ المقدمة الأكثر إثارة للجدل في هذ الدّليل هي المُقدمة الثانية، وهي أنّ الكون يبدأ في الوجود. وهذا ليس بديهيًا على الإطلاق. فدعونا نفحص الأدلة الفلسفية، والأدلة العلمية الدّاعمة لهذه المُقدمة.
1.2.2. الدّليلُ الْفَلسفي الأول:
[16] لقد اعتقد أبو حامد الغزالي أنّه إذا لمْ يبدأ الكون في الوجود أصلاً، فقد كانَ هناك عدد لا نهائيٌّ من الأحداث الماضية قبلَ اليوم. لكنه أقرّ بأنّ عددًا لا نهائيًا من الأشياء لا يمكن أنْ يوجدَ. ثم إنّه أقرّ وجود عدد لا نهائي من الأشياء من باب الإمكان، لكنّه أنكرَ وجود عدد لا نهائي منها بالفعل.
[17] فلمّا نقول إنّ شيئًا ما لانهائي على سبيل الإمكان، فإنّ اللانهاية ليست سوى حدٍّ مثالي لا يمكن الوصل إليه مطلقا. فعلى سبيل المثال، يمكنك تقسيمُ أيُّ مسافة محدودة إلى نصفين، ثم إلى أرباع، ثم إلى أثمان، ثم إلى أسداس، وهكذا إلى ما لا نهاية. إنّ عدد الأقسام لانهائي على سبيل الإمكان، بمعنى أنّه يمكنك الاستمرار في القسمة إلى ما لا نهاية. لكنك لن تصل أبدًا إلى قسمة "اللانهائي". فلن يكونَ لديك أبدًا عددٌ لا نهائي من الأجزاء أو الأقسام.
[18] إنّ أبا حامد الغزالي لا يعترضُ على وجود لانهائياتٍ مُحتملةٍ، لأنّها، بالنسبة إليه، مجرد حدودٍ مثالية. لكنّه أكد بأنّه لو وُجد عددٌ لانهائيٌّ من الأشياء، فإننا سنستنتجُ سخافات مُتعددة. ولتجنب استنتاج هذه السّخافات، يجبُ أن نُنكرَ وجودَ عددٍ لانهائيٍّ من الأشياء. وهذا يعني أنّ عددَ الأحداث الماضية لا يمكنُ أن يكونَ لانهائيًّا. وبناء عليه، فلا يمكنُ أن يكون الكونُ بلا بداية؛ وإنَّما الكون يبدأ في الوجود.
[19] يُزعم كثيرًا أنّ هذا النّوع من الأدلة قد تم إبطالُه بما حصل من تطورات في الرّياضيات الحديثة. ففي نظرية المجموعات الحَديثة، يُعدّ استعمال المجموعات اللانهائية أمرًا شائعًا. على سبيل المثال، تطالُ مجموعة الأعداد الطّبيعية، التي هي: {0، 1، 2، ...} عددا لانهائياً من العناصر. ووفقًا لنظرية المجموعات الحَديثة، فإنّ عدد العناصر في هذه المجموعة ليس لانهائيًا على سبيل الإمكان فحسب؛ وإنّما هو لانهائي بالفعل. وقد استنتج كثيرون أنّ هذه التّطورات تُقوّض وتفنِّد دليل أبي حامد الغزالي.
[20] لكن، هل هذا الادعاء صحيح؟ إنَّ نظرية المجموعات الحديثة تبيِّن أنّه إذا انطلقتَ من مُسلّماتٍ وقواعدَ مُعينة، فإنه يُمكنكَ التّحدُّث عن مجموعاتٍ لا نهائيةٍ متسقة فعليًّا، دون أن تُناقضَ نفسك. وكلُّ ما يُحقّقه هذا هو توضيح كيفية إنشاء عالمٍ مُحدّدٍ من الخطاب للتحدّث باتساق عن اللانهائيات الفعلية. لكنّه لا يُثبت، على وجه القطع، وجودَ هذه الكيانات الرّياضية، أو وجودَ عددٍ لا نهائيٍّ من الأشياء. فلو كان أبو حامد الغزالي مُحقًّا، فإن هذا العالم من الخطاب يعتبرُ مُجرد عالمٍ خيالي، لا يختلفُ عن عالم شرلوك هولمز،[24] أو يعتبر مجرد شيء لا وجودَ له إلاّ في عقلك.
[21] إنّ الطَّريقة الَّتي يُبيّن بها أبي حامد الغزالي استحالةَ وجود عددٍ لا نهائيٍّ من الأشياء هي تخيّل ما سيكونُ عليه الحالً لو وُجدت مثل هذه المجموعة، وتم استنباط النتائج العبثية المترتبة عنها. دعوني أشارككم إحدى رسوماتي التَّوضيحية المفضلة، واسمُها "فندق هيلبرت"، وهي من ابتكار عالم الرِّياضيات الألماني العظيم ديڤيد هيلبرت[25]:

الشكل الأول: نقيضة فندق هيلبرت
[22] يدعونا هيلبرت أولاً إلى تخيّلِ فُندقٍ عاديٍّ، به عددٌ مُحدَّدٌ من الغُرف. ولنفترضْ أنَّ كلّ غرفِ هذا الفندق مُمتلئة عن آخرها. فإذا حضر نزيلٌ جديدٌ إلى مكتبِ الاستقبال يطلبُ غرفةً، فإنّ المُديرَ يقول له: "معذرةً، فكلُّ الغُرف مُمتلئة"، وهنا تنتهي القِصة.
[23] لكن لنَتخيّل فندقًا به عددٌ لا نهائيُّ من الغُرف، كما يقول هيلبرت، ولنفترضْ مجددًا أنَّ كلَّ الغُرف مُمتلئةً عن آخرها. ويجب إدراك هذه الحقيقة بوضوح. فلا توجدُ أيُّ غرفة شاغرةٍ (فارغة) في الفندق اللامتناهي برمته؛ فكلُّ غرفةٍ فيها شخصٌ بلَحْمِه ودمِه. ولنفترض أنَّ نزيلًا جديدًا جاء إلى مكتب الاستقبال يطلبُ غرفةً، فالمُدير يقول له: توجدُ غرفة "ولا توجدُ مشكلة": فالشَّخصُ الَّذي كانَ يقيمُ في الغرفة الأولى، سيُنقلُ إلى الغرفة الثّانية، والشَّخصُ الّذي كان يقيمُ في الغرفة الثّانية، سيُنقل إلى الغرفة الثّالثة، والشّخصُ الَّذي كان يقيمُ في الغرفة الثَّالثة، سيُنقلُ إلى الغرفة الرّابعة، وهكذا إلى ما لا نهاية. ونتيجة لهذه الانتقالات إلى الغرف، تصبحُ الغرفة الأولى شاغرة، ومن تم يقومُ النَّزيلُ الجديد بتسجيلِ دخوله بامتنان وترحيب. لكن، كيف يحدُث هذا، وقبل وصولِه كانت كلُّ الغُرفِ مُمتلئةً بالفعل؟!
[24] لكن الأمر سيزدادُ سوءًا ! فلنفترض الآن، كما يقول هيلبرت، أنّ عددًا لا نهائيًا من النّزلاء الجُدُد وقفوا عند مكتب الاستقبال، ويطلبُ كلُّ واحدٍ منهم غرفة. حينئذ، يخاطبهم المدير قائلا: توجد لكل واحد منكم غرفة "لا توجد مشكلة، ولا توجد مشكلة !": فالشّخصُ الّذي كانَ يُقيمُ في الغرفة الأولى، سيُنقلُ إلى الغرفة الثَّانية، والشّخصُ الَّذي كان يُقيمُ في الغرفة الثَّانية سيُنقلُ إلى الغرفة الرَّابعة، والشّخصُ الَّذي كان يقيمُ في الغرفة الثَّالثة سيُنقل إلى الغرفة السَّادسة، وفي كلّ مرة يُنقل الشَّخص إلى رقم غرفة ضعفُ رَقمها. وبما أنَّ أيَّ عددٍ مضروبٍ في اثنين هو عددٌ زوجيٌّ، فإنَّ الأمر سينتهي بجميعِ النّزلاء القُدامى في الغُرف ذات الأرقام الزَّوجية. وعليه، فإنَّ كلَّ الغُرف ذات الأرقام الفَردية ستُصبحُ شاغرة، ويتم استيعابُ هذا العدد اللانهائي من النُّزلاء الجُدد بكلّ يُسر وسُهولة. في الواقع، يمكنُ للمدير القيام بذلك عددًا لا نهائيًا من المَرات، واستيعاب عددٍ لا نهائي من النُّزلاء على نحو دائم. فبالرّغم من أنّ كلّ الغرف كانت ممتلئة بالفعل قبل وُصول النُّزلاء الجُدد، فإنّه يتم إحداثُ غرفٍ شاغرة لهم. أيعقل هذا في نظركم !
[25] لقد قال لي أحدُ الطُّلاب ذاتَ مرةٍ مُتهكماً: لو كانَ فُندق هيلبرت موجودًا في الواقع، لكان من الضَّروري وضعُ لافتةٍ خارجَه مكتوبٌ عليها: "لا توجدُ غرفٌ شاغرةٌ، ونرحبُ بالنُّزلاء الكرام". فهلْ يُعقل أنْ يوجدَ مثل هذا الفندق في الواقع؟
[26] إنّ فندق هيلبرت محال وعبثي. فبما أنَّ لا شيءَ يعتمدُ على الرُّسوم التَّوضيحية المُتعلقة بالفندق، فإنَّه يمكنُ تعميم الدَّليل لإثبات أنَّ وجودَ عددٍ لا نهائي من الأشياء هو أمرٌ سخيف وعبثيٌّ.
[27] أحيانا، ينتقدُ النَّاس فندق هيلبرت بالقول: إنَّ هذه السَّخافات ناتجة عن جَهلنا بمفهوم اللانهاية، وعن عدم قُدرتنا على فهمِها. لكن هذا الانتقاد خاطئٌ وساذجٌ. فكما ذكرتُ سابقا، إنَّ نظرية المجموعات اللانهائية فرعٌ في غاية التطوّر والفهم في الرِّياضيات الحديثة. لكن، تنشأ السّخافات، لأنّنا نفهم طبيعة اللانهاية على أنّها فعلية. لقد كان هيلبرت ذكيًا، وكان يُجيدُ تفسير النّتائج العَجيبة لوجود عدد لا نهائي من الأشياء.
[28] في الواقع، لا يمكنُ للناقد في هذه المرحلة إلاّ أنْ يتقبّلَ الأمرَ بصدرٍ رحبٍ ويقول: إنّ فندق هيلبرت ليس عبثيًا. أحيانًا يحاولُ النّقاد تبرير هذه الخطوة بالقول: إنّه لو كانَ اللانهائي موجودًا بالفعل، فإنَّ مثل هذه الحالات هي بالضبط ما يجبُ أنْ نتوقعَه. لكن هذا الرد غير كافٍ. وسيوافق هيلبرت، بالطبع، على أنَّه لو كان اللانهائي موجودًا بالفعل، فإنَّ الوضع مع فندقه المُتخيل هو ما نتوقعُه. وإلا لما كان هذا مثالًا جيدًا ! لكن السُّؤال المطروح هو: هلْ هذا الفندق مُمكن بالفعل؟
[29] ولهذا، فإنّني أعتقد أنَّ دليل أبي حامد الغزالي الأول وجيه. لأنّه يبين أنَّ عدد الأحداث الماضية لا بد أنْ يكونَ محدودًا. وعليه، فلا بد أنَّ للكون بداية. ويمكنُنا تلخيص دليل أبي حامد الغزالي كالآتي:
المقدمة الأولى: لا يمكنُ أنْ يوجدَ لانهائي بالفعل.
المقدمة الثانية: التّراجع الزّمني اللانهائي للأحداث لانهائي بالفعل.
النتيجة: لذلك: لا يمكنُ أن يوجدَ تراجعٌ زمنيٌّ لانهائيٌّ للأحداث.
2.2.2. الدَّليلُ الْفَلسفي الثَّاني:
[30] إنَّ لأبي حامد الغزالي دليلٌ ثانٍ مستقلٌ لبداية الكون. إنّه يلاحظُ أنّ سلسلة الأحداث الماضية قد تشكَّلت بإضافة حدثٍ تلوَ الآخر. وسلسلة الأحداث الماضية تُشبه إلى حد ما أحجار الدُّومينو الَّتي تتساقطُ واحدة تلو الأخرى، حتى تصل إلى حجر دومينو أخير، وهو اليوم. لكنَّه يثبت أنَّه لا يمكنُ لأيّ سلسلة تتكّون بإضافة عنصر تلو الآخر أن تكونَ لا نهائية في الواقع. لأنّه لا يمكنُ المرور عبر عددٍ لا نهائيٍّ من العناصر واحدًا تلو الآخر.
[31] قد يكونُ من السّهل ملاحظة ذلك عند محاولة العَدِّ إلى ما لا نهاية، لكن مهْما بلغ عدُّك، سيبقى هناك دائمًا عدٌّ لا نهائي من الأعداد.
[32] لكن إذا لم تستطعِ العدَّ إلى ما لا نهاية تصاعدياً، فكيفَ يمكنُك العدُّ من ما لا نهاية تنازليا؟ فهذا أشبه بشخصٍ يدّعي أنه عدّ كلَّ الأعداد السَّالبة تنازليًا، منتهيًا إلى الصِّفر: أي عَدَّ من الأعداد: -1، -2، -3،...إلى العدد 0. وهذا يبدو جنونيًا. فقبل أنْ يتمكن من العدَّ حتى العدد 0، كان عليه أن يعد حتى العدد -1، وقبل أن يتمكن من العد إلى -1، كان عليه أن يعد إلى -2، وهكذا دواليك، عائدًا إلى ما لا نهاية. فقبل أن يُعدّ أيّ عدد، يجبُ أن يكون قد عدّ ما لا نهاية له من الأعداد أولًا. فأنتَ ببساطة تعودُ إلى الماضي، ولا يمكن عدّ أي عددٍ أبدًا.
[33] ثم إنَّه لا يمكنُ لقطعة الدُّومينو الأخيرة أنْ تسقطَ أبدًا إذا كان لا بد من سقوطِ عددٍ لا نهائي من قطع الدُّومينو أولًا. وبناء عليه، فلا يمكنُ الوصول إلى اليوم أبدًا. والآن قد حصْحَصَ الحقُ! فمن البيّن أنَّ سلسلة الأحداث الماضية لا بد أنْ تكونَ محدودةً، وتكونَ لها بداية.
[34] لقد سعى الغزالي إلى ترسيخ استحالة تكوين ماضٍ لانهائي من خلال إيضاح العَبث والمُحال الَّذي قد ينتجُ عنه لو أمكن حصوله. فلنفترض، على سبيل المثال، أنَّ كلَّ دورة واحدة يُكملها كوكبُ زحل حول الشّمس يُكملها كوكبُ المشتري مرتين. فكلّما طالت مُدة دورانهما، تأخر كوكب زحل. وإذا استمرا كلاهما في الدَّوران إلى الأبد، فسيقتربان من حدٍّ يكونُ فيه كوكب زحل بعيدًا جدًا عن المشتري. ولن يصلا، بالطَّبع، إلى هذا الحد أبدًا.
[35] لكن لنقلب القِصة رأسًا على عقب، ولنَفترض أنَّ كوكبَ المُشتري وكوكب زحل كانا يدوران حول الشّمس منذ الأزل. فأيُّهما أكمل أكبر عددٍ من الدَّورات؟ فالإجابة هي أنَّ عدد مداراتهما متساوٍ تمامًا: فأين اللانهاية ! وهنا لا يمكننا التّهرب من هذا الدّليل بالقول إنَّ اللانهاية ليست عددًا. ففي الرِّياضيات الحديثة، اللانهاية عدد، أي عدد عناصر المجموعة {0، 1، 2، 3، ...}.) لكن هذا يبدو سخيفًا، فكلما طالت مدة دورانهما، زاد التَّفاوت. فكيف يتساوى إذاً عددُ الدّورات على نحو سحري بجعلها تدور منذ الأزل؟
[36] وهناك مثال آخر، لنفترض أنَّنا قابلنا شخصًاً يدعي أنَّه كان يعدُ تنازليًا من الماضي الأزلي وينتهي حتَّى الآن، أي يعُدُّ من الأعداد: -1، -2، -3،... إلى العدد 0 !. فنعجب، ونقول: يا إلهي ! لم، ونسأل، هل أنهى عدَّه التَّنازلي اليوم؟ ولمَ لمْ ينته من عده بالأمس أو بالأمس؟ وبعد كل شيء، وبحلول ذلك الوقت كان قد انقضى بالفعل مقدارٌ لا نهائيٌّ من الوقت. لذلك، فإذا كانَ الشَّخص يعدُّ بمعدل رقم واحد في الثّانية، فقد كان لديه بالفعل عددٌ لا نهائي من الثَّواني لإنهاء عدِّه التَّنازلي. ويجبُ أن يكونَ قد انتهى بالفعل ! في الواقع، في أيّ وقت في الماضي، كان لديه بالفعل وقت لا نهائي. وبالتالي، كان يجبُ أن ينتهي بالفعل. ولكن بعد ذلك لا يُمكننا في أيّ وقت في الماضي أنْ نجدَ الشَّخص يُنهي عدَّه التَّنازلي، مما يتناقض مع الفرضية القائلة بأنَّه كان يعدُّ منذ الأزل.
[37] لقد دافع ألكسندر بروس[26] وروبرت كونز[27] مؤخرًا عن تصوّرٍ مُعاصر وشيِّق من دليل الغزالي يُسمَّى نقيضة (مفارقة) قابض الأرواح.[28] هناك عددٌ لا نهائيُّ من قابضي الأرواح (يمكنُ اعتبارهم آلهة، لمنع أيّ اعتراضات مادية). فأنتَ تكونُ حيا بحُلول مُنتصف اللّيل، وسيُزهق روحَك قابض الأرواح الأول في الواحدة صباحًا لو كُنت لا تزال على قيد الحياة في ذلك الوقت. وسيُزهقُ روحَك قابضُ الأرواح الثاني في الثّانية عشرة والنّصف صباحًا لو كنت لا تزال حيًا في ذلك الوقت. وسيقبض روحك قابض الأرواح الثّالث في الثّانية عشرة والرّبع صباحًا، وهكذا دواليك. فهذا الوضع يبدو معقولًا تمامًا، بالنّظر إلى إمكانية حدوث عدد لا نهائي من الأشياء، ولكنَّه يؤدي إلى استحالة: إذ لا يمكنُك البقاء على قيد الحياة بعد منتصف اللّيل، ومع ذلك لا يمكنُ أن يُزهق روحَك أي قابض أرواح في أي وقت. يُظهِر بروس وكونز كيفية إعادة صياغة النّقيضة، إذ يتم توزيع قابضي الأرواح على مدى وقت لا نهائي بدلاً من ساعة واحدة، فعلى سبيل المثال، فمن خلال جعل كلّ قابض أرواح يحملُ منجله في الأول من يناير من كلّ عام مضى إذا تمكنت من العيش كل هذا الوقت.
[38] إنَّ هذه الأمثلة تُعزّز ادعاء أبي حامد الغزالي بأنَّه لا يمكنُ لأيِّ سلسلة تتشكل بإضافة عنصر تلو الآخر أنْ تكون لا نهائية في الواقع. فبما أنَّ سلسلة الأحداث الماضية تتشكل بإضافة حدث تلو الآخر، فإنّه لا يمكن أن تكون لا نهائية في الواقع. ولا بد أنّ لها بداية. وعليه، فإنّنا نملكُ دليلا قاطعا ثانيا للمقدمة الثانية، وهي أنَّ الكونَ له بداية. ويمكن تلخيص هذا الدّليل في الصورة المنطقية الآتية:
المقدمة الأولى: المجموعة المُشكَّلة بجمع متتالي لا يمكن أن تكون لانهائيةً بالفعل.
المقدمة الثانية: السّلسلة الزّمنية للأحداث هي مجموعة مُشكَّلة بجمع متتالي.
النتيجة: إذاً، لا يمكنُ أنْ تكون السّلسلة الزَّمنية للأحداث لانهائيةً بالفعل.[29]
3.2.2. التَّأكيدُ العِلْمي الأول:
[39] من أروع التَّطورات في علم الفلك الحديث، والَّتي لمْ يكن أبي حامد الغزالي ليتوقعها، تتجلى في امتلاكنا الآن أدلة علمية قوية على بداية الكون. ويأتي أولُ تأكيدٍ علميٍّ على بداية الكون من تمدُّده.
[40] لقد افترضتِ البشريةُ على مر التّاريخ أنَّ الكونَ برُمته ثابتٌ. صحيحٌ أنَّ الأشياء في الكون كانت تتحرَّك وتتغيَّر، لكن الكونَ نفسه كان موجودًا، إنْ جاز التّعبير. لقد كان هذا أيضًا افتراض ألبرت إنشتاين لمَّا بدأ بتطبيق نظريته الجَديدة على الجاذبية، أي النّظرية المسماة "النّظرية النسبية العامة" على الكون سنة 1917.
[41] لكن إنشتاين وجد أنّ هناك شيئًا خاطئًا للغاية. لقد وصفتْ معادلاتُه كونًا إمّا ينتفخُ كالبالون أو ينهارُ على نفسه. وخلال عشرينيات القرن الماضي، قرّر كلّ من الرّياضي الرّوسي ألكسندر فريدمان،[30] والفلكي البلجيكي جورج لوميتر[31] أخذ معادلات إنشتاين على ظاهرها، ونتيجة لذلك توصلا بشكل مستقلٍ إلى نموذجين لكونٍ مُتسع. وفي سنة 1929، قام الفلكيُّ الأمريكي إدوين هابل،[32] من خلال ملاحظاتٍ لا تعرف الكلّل في مَرْصَدِ جبل ويلسون، باكتشافٍ مُذهل أكد نظرية فريدمان ولوميتر. لقد وجدَ أنَّ الضَّوءَ القادِم من المَجرات البعيدة يبدو أكثر احمرار ممّا كان متوقعًا. لقد كان هذا "الانزياح الأحمر" في الضّوء على الأرجح بسبب تمدّد موجات الضَّوء مع ابتعاد المَجرات عنا. فأينما وجه هابل تلسكوبه نحو سماء اللّيل، لاحظ هذا الانزياح الأحمر نفسَه في ضوء المَجرات. لقد بدا وكأنّنا في مركز انفجار كوني، وكلُّ المجرات الأخرى تطيرُ بعيدًا عنا بسرعات مذهلة !
[42] وعليه، فحسبَ نظرية فريدمان ولوميتر، فإنّنا لسنا في مركز الكون على وجه الحقيقة. وإنّما سينظرُ أيُّ راصد في أيِّ مجرة إلى الخارج ويرى المجرات الأخرى تبتعدُ عنه. ويرجع ذلك، وفقًا للنظرية، إلى أنّ الفضاء نفسَه هو الذي يتمدَّد. فالمَجراتُ في الواقع ساكنة في الفضاء، لكنّها تبتعدُ عن بعضها بعض مع تمدُّده.
[43] لقد عُرفت نظرية فريدمان ولوميتر لاحقًا بنظرية الانفجار العظيم. لكنَّ هذا الاسم قد يكونُ مُضلِّلًا. فاعتبار تمدُّد الكونِ نوعًا من الانفجار قد يُضلِّلنا، ويُوحي لنا بأنَّ المَجرات تتحرَّك في فضاء فارغٍ موجود مسبقًا من نقطة مركزية. وهذا يُعدُّ سوء فهمٍ تامٍّ للنظرية. فالنَّظرية أكثر تطرفًا من ذلك بكثير.
[44] ففي الوقت الّذي تتتبع فيه تمدُّد الكون عبر الزّمن، تقتربُ الأشياء أكثر فأكثر. وفي النّهاية، تصبحُ المسافة بين أيّ نقطتين في الفضاء صفرًا. ولا يمكنكَ الاقتراب أكثر من ذلك ! عند هذه النُّقطة، تكون قد وصلتَ إلى حدود الزّمان والمكان. ولا يمكنُ تمدّد الزمان والمكان أبعد من ذلك. إنّها حرفيًا بداية الزَّمان والمكان.
[45] ولكي نحصلَ على صورة لذلك، يمكننا تصويرُ فضائنا ثلاثي الأبعاد كقرصٍ ثنائيِّ الأبعاد يتقلَّصُ كلّما عُدت بالزَّمن إلى الوراء كما هو موضح في الشّكل الآتي:

الشّكل الثاني: قرصٌ ثنائي الأبعاد
[46] إنّ الشّكل الثّاني المتعلق بالتّمثيل الهندسي للزمكان. يمثلُ فيه القرص ثنائيُ الأبعاد فضاءنا ثلاثي الأبعاد. ويمثلُ فيه البعد الرّأسي الزَّمن. فعند العودة بالزّمن، يتقلَّصُ المكان حتّى تصبحَ المسافةُ بين أي نقطتين صفرًا. وهكذا، يتخذ الزّمكان شكلَ مخروط هندسي. ونقطةُ المخروط هي الحدُ الفاصلُ بين الزّمان والمكان.
[47] وفي النّهاية، تصبحُ المسافة بين أيّ نقطتين في الفضاء صفرًا. لذلك، يمكنُ تمثيل الزّمكان هندسيًا كمخروط. واللافت في هذا أنّه في الوقت الّذي يمكنُ فيه تمدّد المخروط إلى ما لا نهاية في اتجاه، فإنّ له نقطة حدود في الاتجاه الآخر. ولأنَّ هذا الاتجاه يمثل الزَّمن، ونقطة الحُدود تقعُ في الماضي، فإنَّ النّموذج يُوحي بأنّ الزَّمنَ الماضي محدودٌ، وله بداية.
[48] وبما أنَّ الزمكان هو السّاحة الَّتي تُوجد فيها كلّ المادة والطّاقة، فإنّ بداية الزّمكان هي أيضًا بداية كلّ المادة والطّاقة. إنَّها بدايةُ الكون.
[49] اعلم ببساطة أنّه لا يوجدُ شيءٌ قبل الحدّ الابتدائي للزمكان. ولا يجبُ أن ننخدع بالألفاظ. فلمّا يقولُ علماء الكونيات: "لا يوجدُ شيءٌ قبل الحدّ الابتدائي"، فإنّهم لا يقصدون وجود حال سابقة عليه، وهي حال العدم. إنّ هذا يعني اعتبار العدم كما لو كانَ شيئًا! وإنّما يقصدون أنّه عند نقطةِ الحدّ، فمن الخطأ القول بأنّ "هناك شيئًا قبل هذه النّقطة".
[50] وبالتالي، يتنبأ نموذجُ الانفجار العظيم القياسي ببدايةٍ مُطلقة للكون. فإذا كانَ هذا النّموذج صحيحًا، فسيكونُ لدينا تأكيد علميٌّ مُذهل للمقدمة الثانية من الدّليل الكلامي الكوني.
[51] فهل النّموذج صحيح، أو الأهم من ذلك، هل هو صحيح في توقعه لبداية الكون؟ فعلى الرّغم من تأكيده التّجريبي، سيحتاج نموذجُ الانفجار العظيم القياسي إلى تعديلات مُختلفة. يعتمدُ النّموذج، كما رأينا، على نظرية النّسبية العامة لإنشتاين. لكن نظرية إنشتاين تنهارُ لمّا يتقلص الفضاء إلى أبعاد دون ذرية. وسنحتاجُ إلى إدخال الفيزياء دون الذرية عند هذه النّقطة، ولا أحدَ مُتأكدٌ من كيفية القيام بذلك. ثم إنّه من المُرجح أنّ تمدّد الكون ليس ثابتًا، كما هو الحال في النّموذج القياسي. فمن المحتمل أنّ يتسارع، وربما مرَ بلحظة وجيزة من التمدّد فائق السّرعة في الماضي.
[52] لكن لا ينبغي لأيٍّ من هذه التّعديلات أنْ تُؤثر على التّنبؤ الأساسي بالبداية المُطلقة للكون. في الواقع، اقترح الفيزيائيون عشرات النّماذج البديلة على مدى عقود منذ عمل فريدمان وليميتر، وتلك الّتي ليس لها بداية مُطلقة تثبت مرارًا وتكرارًا أنّها غير قابلة للتطبيق. وبعبارة أكثر إيجابية، لقد كانت النّماذج غير القياسية الوحيدة القابلة للتطبيق هي تلك الّتي تنطوي على بداية مُطلقة للكون. فقد تنطوي هذه البداية أو لا تنطوي على نقطة بداية. ولكن في النّظريات (مثل اقتراح ستيفن هوكينغ نظرية "اللا حدود"[33]) الّتي ليس لها بداية تُشبه النّقطة، فإنّ الماضي لا يزالُ محدودًا، وليس لانهائيًا. إنّ الكون لم يكنْ موجودًا منذ الأزل، وفقًا لهذه النظريات، ولكنه وُجد، حتى لو لم يكن ذلك في نقطة محدّدة بدقة.
[53] يمكنُ النّظر إلى تاريخ علم الكونيات في القرن العشرين، بمعنى ما، باعتباره سلسلة من المحاولات الفاشلة المتتالية لتجنُب البداية المطلقة الّتي تنبأ بها نموذج الانفجار العظيم القياسي. وقد صمد هذا التّنبؤ الآن لمَا يقرب من قرن، خلال فترة من التّقدم الهائل في علم الفلك الرّصدي، والعمل النّظري الإبداعي في الفيزياء الفلكية.
[54] وفي غضون ذلك، عزّزت سلسلة من نظريات التّفرد اللافتة بشكلٍ مُتزايد من قوة النّماذج القابلة للتطبيق تجريبيًا، وذلك بإثباتها أنّه في ظل ظروف أكثر تعميمًا، تكون البداية حتمية. ففي سنة 2003، تمكَّن أرفيند بوردي[34] وآلان غوث[35] وألكسندر ڤيلينكين[36] من إثبات أنّ أيّ كون، في المُتوسط، في حال تمدُّد كوني عبر كلّ تاريخ، لا يمكن أنْ يكون لانهائيًا في الماضي، وإنّما يجبُ أن تكون له بداية. وينطبقُ هذا أيضًا على سيناريوهات الأكوان المتعددة. وفي سنة 2012، أظهر ڤيلينكين أنّ النّماذج الّتي لا تستوفي هذا الشّرط الواحد لا تزال تفشلُ لأسباب أخرى في تجنب بداية الكون. وخلُص فيلينكين إلى أنّه: «لا يمكنُ لأيِّ من هذه السِّيناريوهات أن يكونَ في الواقع أبديًا».[37] و «كلُّ الأدلة التي لدينا تشير إلى أنّ للكون بداية».[38]
[55] تُثبت نظرية بورد، وغوث، وڤيلينكين[39] أنَّ الزّمكان الكلاسيكي، في ظلّ حال عامة واحدة، لا يمكنُ أنْ يمتدَ إلى ما بعد اللانهاية، وإنّما يجبُ أن يصلَ إلى حدٍّ، في وقتٍ ما في الماضي المحدود. لأنّه، إما أنْ يكونَ هناك شيءٌ ما على الجانب الآخر من ذلك الحد أو لا. فإنّ لم يكن كذلك، فإنّ ذلك الحد هو ببساطة بداية الكون. وإن وُجد شيءٌ ما على الجانب الآخر، فسيكون منطقةً موصوفةً بنظرية الجاذبية الكوانطية التي لم تُكتشف بعد. وفي هذه الحال، يقول ڤيلينكين، إنه ستكون بداية الكون. وعلى أي حال، فإنّ الكونَ له بداية.
[56] من المعلوم أنَّ النّتائج العَلمية دائمًا ما تكونُ مُؤقتة. ويُمكننا أنْ نتوقع تمامًا طرح نظريات جديدة، في محاولة لتجنُب فكرة بداية الكون. وهذه المقترحات جديرة بالتّرحيب والاختبار. ومع ذلك، من الواضح تمامًا إلى أي اتجاهٍ تُشير الأدلة. فاليوم، يقفُ مؤيد دليل أبي حامد الغزالي الكوني مرتاح البال ضمن التيار العلمي السّائد معتبرًا أنّ الكون له بداية.
4.2.2. الدَّليلُ العِلميُّ الثَّاني:
[57] إذا لم يكنِ الدَّليلُ العلميُّ الأول كافيًا، فإنّه يوجدُ، في الواقع، تأكيدٌ علميٌّ ثانٍ على بداية الكون، وهو القانونُ الثّاني للديناميكا الحَرارية. ومفادُ هذا القانون أنّ الطّاقة إذا لمْ تُغذَّ في نظامٍ ما، فإنّ هذا النّظام سيزدادُ اضطرابًا.
[58] لقد أدركَ العلماءُ في القرن التّاسع عشر أنّ هذا القانون ينطوي على تنبؤ قاتمٍ وحالك لمستقبلِ العالم. فإذا ما أُتيحتِ الفرصةُ الكافية، فإنّ كلّ الطّاقة ستنتشر في كلّ أرجاء العالم بالتّساوي. وسيصبحُ العالم حساءً، لا ملامح له، ولا حياةَ فيه. وبمجرد أنْ يصلَ العالم إلى هذه الحال، فلن يكونَ هناك أيُّ تغيير جوهري آخر، لأنّها حالُ توازن. وقد أطلقُ العلماء على هذه الحال اسم "الموت الحراري" للكون.
[59] لكن أثارَ هذا التّنبؤُ، غير المرغوب فيه، حيرةً أخرى، مقتضاها أنّه: لو كانَ الكون، مع مرور الوقت الكافي، سيتجمد حتمًا في حال موت حراري، فلم، يكون موجودًا في موت حراري منذ الأزل دائما، وليس الآن؟ ولو كان الكون سيصل إلى حال التّوازن، في زمن محدود، فمع مرور الزمن اللانهائي، ينبغي أن يكون الآن في حال توازن بالفعل. لكنّه لم يكن كذلك. فنحن في حال عدم توازن، حيث لا تزال الطّاقة متاحةً للاستعمال، و لا تزال للكون بنيةٌ منظمة.
[60] لقد اقترحَ الفيزيائي الألماني لودفيغ بولتزمان[40] في القرن التّاسع عشر حلاً جريئًا لهذا الإشكال. فقد اقترح أنّ الكونَ ربما يكونُ في حال توازنٍ كليٍّ. ومع ذلك، فبمحض الصّدفة وحدَها، ستظهرُ مناطق أكثر انتظامًا من عدم التّوازن هنا وهناك. وُيطلقُ بولتزمان على هذه المناطق المَعزولة من عدم التّوازن اسم "العوالم". ويصادفُ أنّ كوننا هو أحد هذه العوالم. وفي النّهاية، ووفقًا للقانون الثّاني للديناميكا الحرارية، فإنّه سيعود إلى حال التّوازن الكلي.
[61] لكنّ الفيزيائيين المُعاصرون رفضوا بالإجماع فرضية بولتزمان الجريئة عن العوالم المتعدّدة كتفسير لعدم التّوازن الملحوظ في الكون. لأنّ عيبَها الفادح يتجلى في أنّه لو كان عالمُنا مجرد عالم يتحوّلُ صدفة من حال توازن كلي، فعندئذٍ يجبُ أن نلاحظَ رقعةً أصغر بكثير من النّظام. ولم يجبُ ذلك؟ لأن التّحوّل الطّفيف عن التّوازن أكثر احتمالية بكثير من التّحوّل الهائل والمستمر اللازم لتكوين الكون الّذي نراه، ومع ذلك، فإنّ التّحوُّل الطّفيف يكفي لوجودنا. فالتّحوّل الّذي شكّل عالمًا، على سبيل المثال، والذي لا يزيدُ حجمُه عن مجموعتنا الشّمسية سيكونُ كافيًا لنكونَ على قيد الحياة، وسيكون حدُوثه أكثر احتمالية بشكل لا يُصدق من التّحوُّل الّذي شكّل الكونَ بأكمله الّذي نراه!
[62] لو طُبِّقت فرضيةُ بولتزمان باستمرار، فإنّها ستؤدي إلى نوعٍ غريبٍ من الوهم: فمن المُرجح أنّنا سنعيش فعلاً في عالم أصغر، وستكونُ النّجوم والكواكب الّتي نرصدُها ليست سوى أوهام، ومجرد صور مرسومة في السّماء. فوجود هذا النّوع من العوالم أكثر احتمالاً بكثيرٍ من كونٍ انحرف عن التّوازن لمليارات السّنين، مُتحدياً القانون الثّاني للديناميكا الحرارية، ليُشكِّل الكونَ الّذي نرصدُه.
[63] لقد غيّرَ اكتشافُ تمدُّد الكون في عشرينيات القرن الماضي نوعَ الموت الحراري المُتنبأ به بناءً على القانون الثّاني للديناميكا الحرارية، لكنّه لم يُغيِّر السّؤال الجوهري. وتُشيرُ الاكتشافات الحديثة إلى أنَّ التمدُّد الكوني يتسارعُ بالفعل. فبما أنّ حجمَ الفضاء يتزايدُ بسرعة كبيرة، فإنّ الكون يبتعدُ أكثر فأكثر عن حال التّوازن الّتي تتوزعُ فيها المادة والطّاقة بالتّساوي. لكن تسارعَ تمدُّد الكونِ يُعجِّلُ بزواله. أمّا في الوقت الحالي، فإنَّ مناطق الكون المُختلفة ستزداد عزلةً عن بعضها بعض في الفضاء، وستصبحُ كل منطقة مُنعزلة، ومُظلمة، وباردة ومُخفَّفة، وميتة. وإذا تقرر هذا، فلم إذن، ليست منطقتنا في مثل هذه الحال لو كانَ الكون موجودًا بالفعل منذ زمنٍ لا نهائي؟
[64] من الواضح أنّ هذا السُّؤال مبنيٌّ على افتراضٍ خاطئٍ، وهو أنّ الكونَ موجودٌ منذ زمن لا نهائي. ويقولُ معظمُ الفيزيائيين اليوم إنّ المادة والطّاقة وُضعتا في الكون كشرط ابتدائي، وأنّ الكونَ يسيرُ وفق المسار الّذي رسمهُ القانونُ الثّاني للديناميكا الحرارية منذ بدايته قبل زمنٍ محدودٍ.
[65] لقد بُذلت، بالطّبع، محاولاتٌ عدة لتجنُب بداية الكون المُتنبأ بها بناءً على القانون الثّاني للديناميكا الحَرارية. لكن لم يُكتب النّجاح لأيّ واحدة من هذه المحاولات. فقد يتمسكُ المشككون بالأمل في أن تُساعد الجاذبية الكوانطية في تجنّب آثار القانون الثّاني للديناميكا الحرارية. لكن في سنة 2013، تمكّن عالم الكونيات آرون وول[41] من جامعة كاليفورنيا من صياغة نظريةٍ جديدة للتفرُّد، يبدو أنّها تُوصدُ الباب أمامَ هذا الاحتمال. ويُبيّن أنّه من خلال النّظر إلى صدق القانون الثّاني المُعمّم للديناميكا الحرارية في الجاذبية الكوانطية،[42] فلا بد أنْ الكونَ له بداية، ما لم يُفترض انعكاس مسار الزّمن (أي أن الزّمن يسير إلى الوراء!) في مرحلة ما من الماضي، وهو ما يُلاحظُه، بحق، أنّه ينطوي على بداية الدّيناميكا الحرارية في الزّمن، قال: «يبدو أنّه يُثير نفس الأسئلة الفلسفية التي يُثيرها أيّ نوع آخر من البداية في الزّمن».[43] ويذكر وول أنّ نتائجَه تتطلب صحة بعض المفاهيم الأساسية فقط، وبالتالي «فمن المعقول أنّ نعتقد أنّ النّتائج سوف تصمد في نظرية كاملة للجاذبية الكوانطية».
[66] وبناء عليه، فإنّ الأدلة العلمية تؤكد مرة أخرى صدق المقدمة الثّانية من دليل الغزالي الكوني.
3.النّتيجةُ المُستنبطة:
[67] بناءً على الأدلة الفلسفية والعلمية، فإنّه، بما أنَّ لنا أسسا وجيهة للإيمان بأنّ الكون له بداية، فإن هذا يقتضي أنّ لهُ سببًا لبدايته.
[68] وما هي الصّفات الّتي يجبُ أن يمتلكَها هذا السّببُ الكوني؟ أولا، يجبُ أن يكونَ هذا السّببُ في حد ذاته غير مُسبَّب، لأنّنا رأينا استحالة وجود سلسلة لا نهائية من الأسباب. فهو إذًا السّببُ الأول غير المُسبَّبِ. ثانيا، يجبُ أنْ يتجاوز هذا السّبب المكان والزّمان، لأنَّه هو الّذي خلقَ المكان والزّمان. ثالثا، يجبُ أن يكون سببا غير مادي، وغير فيزيائي. رابعاً، يجبُ أنْ تكون له قوة جبارة لا تُصدَّق، لأنّه هو الذي خلق المادة كلّها، والطّاقة كلّها.
[69] خامسا، ثم إنّ الغزالي أكد بأنّ هذا السّببَ الأول غير المُسبَّب لا بدّ أنْ يكون كائناً ذاتياً. وهذه هي الطّريقة الوحيدة لتفسير كيف يمكنُ لسبب أزلي أن يُحدث أثرًا له يتجلى في بداية تقدر بمقدار الكون.
[70] وهنا حيثُ يكمنُ الإشكال: فإذا كان السّبب كافيًا لإحداث أثره، وإذا وُجد السّبب، فلا بد أن يكون الأثر موجودًا أيضًا. هبْ أنّه إذا كان سببُ تجمُّد الماء هو انخفاض درجةِ حرارته المئوية تحت درجة الصّفر. ولو كانت درجةُ الحرارة أقل من الصّفر منذ الأزل، فإنَّ أيّ ماءٍ موجود على البسيطة سيتجمد منذ الأزل. وبما أنّه من المُستحيل أنْ يبدأ الماءُ بالتّجمد منذ زمن محدود، فإنّ سببُ وجود الكون على الدّوام، يتجلى في كونه أزلي. وإذا تقرر هذا، فلم الكون ليس موجودًا بشكل دائم أيضًا؟ ولم وُجد قبل أربعة عشر مليار سنة فقط؟ ولم ليس دائما كسببه؟
[71] لقد رأى أبو حامد الغزالي أنّ حلّ هذا الإشكال يكمنُ في أنّ السّببَ الأول، الّذي لا بد أنْ يكون وجودا ذاتيًا، يتمتع بالمشيئة، وبحرية الإرادة. فخلقه للكون فعلٌ حرّ ومستقلٌ عن أيّ شروط مسبقة ومحدّدة. إذن فخلقُه يمكن أن يكون أمرًا إراديًا وجديدًا. فالمشيئة أو حريةُ الإرادة تُمكّنه من الحصول على نتيجة ذات بداية من سبب دائم أزلي. وبهذا، فإنّنا لا نصلُ إلى سبب متعالٍ عن الكون فحسب، وإنّما نصلُ إلى خالقه الذّاتي.
[72] يبدو من الصّعب علينا أنْ نتخيّل هذا السّبب، ولكن إحدى طرق التّفكير فيه تتجلى في تصوّر وجود إله واحد بدون الكون، إله خالد، لا يمسه التّغيير. فمشيئته في الخلق حدثٌ زمنيّ، متزامنة مع بداية الكون. وعليه، فالله يحلُ في الزّمان لمّا يخلق الكون. وبذلك يكون خالدًا بدون الكون، وفي الزّمان مع الكون.
[73] وعليه، فإنّ دليلَ أبي حامد الغزالي الكوني يُوطد لنا أسسا متينة للإيمانِ بوجود خالقٍ ذاتيٍّ للكون، خالقٌ لا بدايةَ له، ولا سببَ له، ولا زمانَ له، ولا مكانَ له، ولا يمسُّه التّغيير، وليس بشيء مادي، وقويٌّ جبارٌ.
مصدرُ النّص:
Craig, William Lane., The Kalam Cosmological Argument, Lecture at the University of Birmingham, Summary of his thesis, 2015.
مصادر معتمدة (للمترجم)
1. الجويني، أبوالمعالي، الشامل في أصول الدين، وضع الحواشي عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1999.
2. الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1988.
3. الغزالي، أبو حامد، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، الطبعة السابعة، 1987.
4. الغزالي، أبو حامد، محك النظر، دار المناهج للنشر والتوزيع، السعودية، الطبعة الأولى، 2016.
[1] - الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1988، ص.12.
[2] - نفس المصدر، نفس الصفحة.
[3] - نفس المصدر، ص.13
[4] - نفس المصدر، ص.13.
[5] - كل من يطّلع على كتاب معيار العلم في فن المنطق لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، ويستوعب مبادئ المنطق المسطّرة فيه، وهي لا تختلف عما سطره المناطقة قبله؛ ثم يتتبع كيف طبّق هذه مبادئ على أصول الدين (علم الكلام) في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، ثم يتتبع كيف طبّق هذه المبادئ على أصول الفقه في كتاب مِحك النظر، ثم يتتبع كيف نقل هذه المبادئ إلى السُّلوك أو العقل العملي في كتاب ميزان العمل...فإنّه سيرى فلسفة نسقية، لها جانب نظري وآخر تطبيقي، وهذا من المتعذر حُصوله عند غيره، وسيتبيّن له أنه ظل وفيا لمبادئه المنطقية.
فيما يخص ادعاء خطابية الغزالي، وبرهانية ابن رشد، لنا مقالة تفند هذا الادعاء تحت عنوان: الاستدلال الكلامي، منشورة في مجلة "نقد وتنوير"، يمكن الرجوع إليها من أجل التوسع.
[6] - في نظري شخصية أبي حامد الغزالي عند العرب، لا تختلف عن شخصية بليز پاسكال عند الغرب، فكلاهما انتصرا للقلب على حساب العقل، دون أن ينفيا دور العقل (فاهتمام الغزالي بالمنطق يماثله اهتمام پاسكال بالرّياضيات). لكن المفكرين الغربيين لم يحمّلوا پاسكال سبب تخلفهم كما حمّل المفكرون العرب الغزالي سبب التأخر. فالانطباع الّذي تُقدّمه قراءة كتاب واحد له، وهو رسالة "المنقذ من الضلال" يبين بلا شك، أنّ هذا العلَم الفذ عاش باحثا عن الحقيقة، ولم يسلم بما قاله أهل العلوم، ولم يقلد أحد، ولا اعتبر الحكيم الأول صاحب حق لا تشوبه شائبة، كما فعل ابن رشد، الشّخصية المُمجّدة عند أغلب مفكري العرب.
[7] - هذه المقالة، في الأصل، نصٌ لمحاضرةٍ ألقاها الدكتور وليام لين كريغ سنة 2015 بجامعة برمنغهام، حيث ناقش رسالتَه للدكتوراه، والّتي يلخّص فيها مفهوم الدّليل الكلامي الكوني (دليل الحدوث) عند أبي حامد الغزالي.
[8] - نلاحظ هنا من خلال هذه العبارة أنّ وليام لين كريغ يعتبر الأسفار، أو العهد القديم ليس وحيا، وإنّما كتبها اليهود العبرانيون.
[9] - سفر التكوين، الآية الأولى من الكتاب الأول.
[10] - من المعلوم أنّ إيمانويل كانط قد انتقد العقل، ورسم له حدودا، لأنّه لا يمكنه، وليس بمقدوره الإجابة عن القضايا الميتافيزيقية، ما دامت ترتبط بحقيقة الشّيء في ذاته، أي (النُّومين)، الّذي لا يخضع لمقولتي الزّمان والمكان، ولا ترتبط بالظواهر، أي (الفينومين)، الّتي تخضع واقعيا لمقولتي الزّمان والمكان. ولهذا، فالقضايا الميتافيزيقية توجد خارج النّفي والإثبات، والعقل ليس بمقدوره نفيُها، وليس بمقدورها إثباتُها. لقد ميّز كانط بين المعرفة والإيمان: فما نعرفه يمكن أنْ نثبته أو ننفيه، وعادة ما تدخل الظّواهر الفيزيائية والطّبيعية في هذا الباب، أي في حدود العقل الخالص؛ وما نؤمن به، نسلّم بصحته، حتى في غياب الدّليل على الإثبات والنّفي، وعادة ما تدخل في هذا الباب القضايا الأخلاقية، أي مجال العقل العملي. لذلك آمن كانط بوجود الله، وبالحرية، وبخلود النّفس، لأنَّها مسلمات تقوم عليها الأخلاق، أما إثبات صدقها في الواقع، فهو ضربٌ من الخيال. (المترجم).
[11] - John Harwood Hick، (1922-2012) فيلسوف ولاهوتي إنجليزي، اهتم بفلسفة الدّين، وبمقارنة الأديان، تأثر بفلسفة كانط، ودرس بعدة جامعات مرموقة، دافع عن الإيمان، واشتهرت كتبه، وترجمت إلى لغات عدة.
[12] - لقد أفرغ وليام لين كريغ هذا الدليل من طابعه الإسلامي القائم على التوحيد، وأضفى عليه طابعا مسيحيا، لذلك، لا يظن القارئ أنه بهذا الدليل يدافع عن التوحيد، وإنما هو مسيحي، ومن المتعصبين لعقيدة التثليث، وفي بعض حواراته، يطعن في عقيدة التوحيد، وفي الإيمان بالله غير المجسد، كما يعتقد المسلمون.
[13] - Michael Lou Martin، (1932-2015) فيلسوف أمريكي، له اهتمام بالغ بفلسفة الدين، وهتم كذلك بفلسفة العلم، وبالعلوم الاجتماعية، يدافع بشراسة عن الإلحاد في وجه الإيمان، وفي مقابل وجود الله، وقد حاول أن يؤسس الإلحاد على قواعد منطقية وعقلانية.
[14]- Martin, Michael. (ed.), The Cambridge Companion to Atheism, Cambridge University Press, New York, 2007, p. 183.
[15] - فيلسوف، وأصولي، ومنطقي، ومتصوف، ومتكلم مسلم، شخصية فذة، كان لها تأثير بالغ في الثقافة العربية. ولد بإحدى مدن خراسان، تدعى طوس سنة 450 ه؛ ثم رحل إلى جرجان ونيسابور، حيث تتلمذ على إمام الحرمين، أبي المعالي الجويني، ودرس بالمدرسة النظامية بعد موت الجويني. انتهت مسيرته العلمية بالتصوف. توفي سنة 505 ه. ترك الغزالي عدة كتب في مجالات شتى، ولعل أبرزها: المنقذ من الضلال، وتهافت الفلاسفة، وإحياء علوم الدين، ومعيار العلم، والاقتصاد في الاعتقاد، والمهذب، والمنخول، والمستصفى...
[16]- Al-Gha-zalı-, Kitab al-Iqtisad fi’l-I’tiqad, cited in S. de Beaurecueil, “Gazzali et S. Thomas d’Aquin: Essai sur la preuve de l’existence de Dieu proposée dans l’Iqtisad et sa comparaison avec les ‘voies’ Thomiste,” Bulletin de l’Institut Francais d’Archaeologie Orientale 46 (1947): 203.
أما الصيغة الأصلية لدليل أبي حامد الغزالي، فهي كالآتي: «كلُّ حادَثٍ، فلحُدوثِه سببٌ؛ والعالمُ حادَثٌ؛ فيلزمُ منه إنَّ له سبباً». انظر: الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1988، ص. 19.
هذا الاستدلال يسمى القياس الحملي البرهاني، يتألف من مقدمة حملية كلية كبرى، ومن مقدمة حملية صغرى، ونتيجة حملية. وهو لا يختلف عن المثال المشهور: كل إنسان فان؛ سقراط إنسان؛ سقراط فان. فبحذف الحد الأوسط (إنسان) من المقدمتين الكبرى والصغرى، يبقى الحد الأصغر (سقراط) والحد الأكبر (فان).
إن لفظ "حادث" اسم فاعل بمعنى المفعول، لذلك نجد بعضهم يستعمل اسم المفعول "محدث"، ومعنى "حادث" في اصطلاح أهل أصول الدين، قال أبو المعالي الجويني: « وأمَّا الحادث، فقد اختلفت عبارات الأئمة في ذكر حقيقته، فصار صائرون إلى أنه الذي كان بعد أن لم يكن. وذهب آخرون إلى أن الحادث ما لم يكن ثم كان. وقال آخرون هو الموجود الذي له أول. وقال آخرون هو المفتتح وجوده. والذي ارتضاه شيخنا [أبي الحسن الأشعري] من غير رغبة منه من العبارات التي قدمناها أن قال: الحادث هو المتأخر، وربما انبسط القول: هو المتأخر بوجوده عن الأزلي.». انظر: الجويني، أبو المعالي، الشامل في أصول الدين، وضع الحواشي عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1999، ص.113. وقال عن نفي اللانهاية في نفس الكتاب، ص.84-85: «والّذي يحقق ذلك أوجه: أقربها ما ذكره شيخنا رضي الله عنه، وذلك أنه قال: من نفى الأولية على الحوادث، وزعم أنها لم تزل متعاقبة آحادا، ثم قدر الفراغ منها، وتحقق تصرمها، فقد جحدَ الضَّرورة وبديهة العقل، وذلك أنَّ ما لا نهايةَ له لا عددَ يحصرُه، ولا مبلغَ يضبطُه.».
[17] - وردت المقدمة الأولى: "كل حادث، فلحدوثه سبب" بالعبارة الإنجليزية الآتية:
"Whatever begins to exist has cause of beginning".
[18] - وردت المقدمة الثانية: "والعالم حادث" بالعبارة الإنجليزية الآتية:
"The universe began to exist".
[19] - وردت النتيجة اللازمة عن المقدمتين: "فيلزم منه إن له سبب" بالعبارة الإنجليزية الآتية:
"Therefore, the universe has a cause of its beginning.”
[20] - إذا كانَ العالمُ حادثاً، فإنّ له سبباً لحُدوثه.
[21] - في الفيزياء، يُعرف الاضمحلال الكوانطي، أو اضمحلال الجزيئات، أو اضمحلال المواد المشعة، كعملية تلقائية يتحول فيها جزيء دون ذري غير مستقر، أو نواة ذرية إلى جزيء واحد أو أكثر. وهو حدث احتمالي، لا رجعة فيه، ومتقطع، تحركه قوى الطّبيعة الأساسية وقواعد الميكانيكا الكوانطية. يتصف الاضمحلال الكوانطي بالعشوائية المتأصلة، فعلى الرغم من أن مجموعة كبيرة من الجزيئات المتحللة تتحرك وفق منهج إحصائي، يسمح للعلماء بالتنبؤ بدقة عن "عمر نصف" المجموعة، إلا أن اللحظة الدقيقة التي سيتحلل فيها أي جزيء فردي لا يمكن التنبؤ بها على مطلقا. كما أن الجسيم لا يشيخ، ويكون غير المستقر. فالذرة التي نجت منذ ملايين السنين لديها نفس احتمالية التحلل في الثانية التالية تمامًا مثل الذرة التي تشكلت بالأمس. (المترجم)
[22] - Christopher Isham، (ولد سنة 1944)، فيزيائي نظري إنجليزي. اهتم بنظرية الجاذبية الكوانطية، وبالدراسات المتعلقة بها. اقترح مقاربة للمنطق الكوانطي مؤقتة سماها الصُّورانية، واشتغل على الجاذبية الكوانطية، وعلى السلاسل، والديناميكية الهندسية الكوانطية. على غرار فيزيائيين آخرين، مثل جون بايز، يُعرف إيشام بأنه أحد أنصار نظرية المجموعات في الفيزياء النظرية. في سنة 1997، بدأ العمل على مقاربة جديدة للنظرية الكوانطية المبنية على نظرية الأسطح. ظهر في العديد من برامج قناة تلفزيون نوڤا، بالإضافة إلى فيلم حول ستيفن هوكينغ. لقد وصفه الفيزيائي باول ديڤيز بأنه "الخبير البريطاني الأكبر في الجاذبية الكوانطية". كما كتب أيضا عن العلاقة القائمة بين الفلسفة واللاهوت والفيزياء. (المترجم عن منصة ويكيبيديا).
[23]- Christopher Isham, “Creation of the Universe as a Quantum Process,” p. 378.
[24] - Sherlock Holmes شخصية خيالية، من إبداع الطبيب الاسكتلندي آرثر كونان دويل، اعتبر شرلوك هولمز نفسه محققا، يحل ما يعجز عن حله المحققون من جرائم، نسجت حوله عدة قصص، وأنجزت حوله عدة أفلام.
[25] - David Hilbert (1862-1943) رياضي ألماني، له عدة مساهمات وإنجازات علمية ساهمت في تطور الرياضيات، وفلسفتها.
[26] - Alaxander Pruss (ولد سنة 1973) فيلسوف ورياضي كندي.
[27] - Robert Charles Koons (ولد سنة 1957)، فيلسوف أمريكي، له مساهمات في الميتافيزيقا، والمنطق الفلسفي. عرف بعمله المشترك مع ألكسندر بروس حول مبدأ السبب الكافي، والحجج الكونية، والدفاع عن الواقعية الميتافيزيقية واللاهوتية.
[28] - Grim Reaper Paradox نقيضة (مفارقة) حاصد الأرواح، تجربة فكرية فلسفية تتضمن سلسلة لا نهائية من القتلة، وتبرز تناقضًا منطقيًا حول الزمن، وتثير جدلًا حول اللانهاية. تتساءل هذه المفارقة عما يحدث إذا حاول عدد لا نهائي من حاصدي الأرواح قتل شخص واحد، مُظهرةً كيف يمكن للرياضيات والواقع أن ينهارا عند التعامل مع مهام لا نهاية لها.
[29] - هذا برهان بالخلف كذلك، لأنه انطلق من النفي (المحال)، واستنتج النفي (المحال).
[30] - Alexander Alexandrovich Friedmann (1888-1925)، فيزيائي ورياضي روسي، يعتبر أول من وضع نظرية تمدد الكون، وفسّر ذلك من خلال تطويره لمعادلات سُميت بمعادلات فريدمان.
[31] - Georges LeMaître (1894-1966)، فلكي وفيزيائي بلجيكي، هو صاحب فرضية "الذرة الأولية"، التي تفسر أصل الكون ونشأته، والتي ستعرف فيما بعد بنظرية الانفجار الكبير.
[32] - Edwin Hubble (1889-1953)، فلكي أمريكي، مكتشف مجرات جديدة، ومثبت أن المجرات ليست ثابتة، وإنما تتباعد عن بعضها بعض.
[33] - no-boundary proposal، نظرية اللاحدود أو مقترح اللاحدود فكرة علمية طرحها جيمس هارتل وستيفن هوكينغ، مفادها أن الكون لا بداية له ولا حدود زمنية له. وتستند هذه النظرية إلى الفيزياء الكوانطية لتفسير أن السؤال عما كان يوجد قبل الانفجار العظيم سؤال لا معنى له، فالمكان والزمان يتقاربان ويتلاشىان كما تتلاشى الأرض. (المترجم عن موسوعة ويكيبيديا).
[34] - Arvind Borde (ولد سنة 1976) رياضي وكوسمولوجي هندي.
[35] - Alan Guth (ولد سنة 1947) كوسمولوجي أمريكي.
[36] -Alaxander Vilenkin (ولد سنة 1949) كوسمولوجي أوكراني.
[37]- Audrey Mithani and Alexander Vilenkin, “Did the universe have a beginning?” arXiv: 1204.4658v1 [hep-th] 20 Apr 2012, p. 5. For an accessible video, see http://www.youtube.com/watch?v=NXCQelhKJ7A (accessed February 23, 2014), where Vilenkin concludes, “there are no models at this time that provide a satisfactory model for a universe without a beginning.”
[38]- A.Vilenkin, cited in “Why physicists can't avoid a creation event,” by Lisa Grossman, New Scientist (January 11, 2012).
[39] - تندرج نظرية بورد-غوث-ڤيلينكين (BGV) في مجال علم الكونيات الفيزيائي، تم من خلالها التوصل إلى أن أيَّ كون يتوسع، في المتوسط، عبر تاريخه، ولا يمكن أن يكون لانهائيًا في الماضي، وإنما لا بد أن يكون له حدود زمكانية ماضية.
[40] -Ludwig Eduard Boltzmann (1844-1906) فيزيائي وفيلسوف نمساوي، مؤسس الفيزياء الستاتيكية، وأحد المدافعين عن وجود الذرات في عصره.
[41] - Aron Clark Wall (ولد سنة 1984) فيزيائي نظري، من أصل أمريكي، متخصص في الجاذبية الكوانطية.
[42] - Quantum Gravity Theory الجاذبية الكوانطية فرع من الفيزياء النّظرية، يهدف إلى توحيد نظرية النّسبية العامة لألبرت أينشتاين (الّتي تفسّر الجاذبية على نطاق واسع) مع ميكانيكا الكوانطا (الّتي تفسّر عالم الجُسيمات دون الذرية). وتتمثل الأفكار الرّئيسية الرّائدة في محاولة حلّ هذا اللغز في: نظرية الأوتار، ونظرية الجاذبية الكوانطية المجالية، ونظرية الجاذبية التربيعية.
[43]- Aron C. Wall, “The Generalized Second Law implies a Quantum Singularity Theorem,” arXiv: 1010.5513v3 [gr-qc] 24 (Jan 2013), p. 38.
*- William Lane Craig (ولد سنة 1949)، فيلسوف أمريكي معاصر، درّس فلسفة الدّين بالعديد من الجامعات. انصبَ اهتمامُه على الدّفاع عن المسيحية، والدّفاع عن وجود الله؛ وصاغ من أجل ذلك الدليل الكلامي الكوني للدفاع عنهما، من أجل إقامة الإيمان على المنطق، وقد اشتهر بمطارحات ومجادلات مع كثير من الملحدين.
** - أستاذ الفلسفة، حاصل على الدّكتوراه في الفلسفة من كلية الإنسانية والاجتماعية، التابعة لجامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب.
إضافة تعليق