علما الاجتماع و النفس

إنّ التنمية المستدامة ليست بالعبء، وإنما هي فرصة فريدة؛ فهي تتيح، من الناحية الاقتصادية، إقامة الأسواق وفتح أبواب العمل؛ ومن الناحية الاجتماعية، دمج المهمشين في تيار المجتمع؛ ومن الناحية السياسية، منح كل إنسان، رجلاً كان أم امرأة، صوتاً وقدرة على الاختيار لتحدّي مسار مستقبله".
كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة

1- مقدمة:
استقطب مفهوم التنمية المستدامة الاهتمام الدولي في العقود الأربعة الماضية، وفرض حضوره بقوة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية محورا لاهتمام العلماء والمفكرين، وقد أصبح الشغل الشاغل للمنظمات الدولية والإنسانية. وتجسد هذا الاهتمام الدولي في تواتر المؤتمرات والندوات والقمم الدولية التي عقدت لمناقشة قضايا التنمية المستدامة واستحقاقاتها التاريخية في مختلف أرجاء المعمورة. وأثارت هذه القضايا التنموية اهتمام المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، التي توجهت إلى تمويل منظومات متكاملة من برامج التنمية المستدامة في مختلف أنحاء العالم.

وفي إطار هذا الاهتمام الدولي والأكاديمي بقضايا التنمية المستدامة ولدت قناعة راسخة بأنه يمكن للتنمية المستدامة أن تشكل المنطلق الموضوعي والمنهج الفعال في مواجهة أغلب المشكلات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تواجه المجتمع الإنساني المعاصر، ولاسيما تلك التي تواجه البلدان النامية كقضايا: التخلف، والفقر، والأمية، والعدالة الاجتماعية، والتصحر، والتلوث، وغيرها من المشكلات الاجتماعية والبيئية.

وتأتي هذه الحظوة الّتي تكتسبها التّنمية المستدامة بتأثير الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة والتحديات الاجتماعية التي يواجهها الكوكب في هذه المرحلة الحيوية من تاريخ الإنسانية. فالعالم الذي نعيش فيه يتميز بخاصّيتي الازدحام والتكاثف السكاني الهائل. وعلى هذا سطح هذا الكوكب يعيش اليوم أكثر من 7.5 مليار إنسان، أي ما يقارب 9 أضعاف سكان الكرة الأرضية الذين عاشوا في بداية الثورة الصناعية عام 1750. وما تزال هذه النسب السكانية تتزايد بوتائر متسارعة جدا. ويقدر خبراء السكان أن عدد سكان الكرة الأرضية سيصل إلى 9 مليارات في عام 2040 ميلادية.

وبسبب هذه الكثافة السكانية الهائلة، فإن الملايين من الناس يبحثون عن موطئ قدم لهم في مجال الحياة الاقتصادية والمادية. ومن أجل هذه الغاية يكافح الفقراء من أجل الحصول على الغذاء، والمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية، والمأوى، وهي الحاجات الأساسية التي تمنحهم شروط الاستمرار على قيد الحياة. أما الميسورون من الناس الذين يعيشون في شروط حياة آمنة فإنهم يعملون على تحقيق مزيد من الرخاء، وعلى تحسين شروط الحياة بحثا عن مستقبل أكثر إشراقا لأبنائهم. وضمن صيرورة التقدم التكنولوجي الهائل فإن سكان البلدان المتقدمة ذات الدخل المرتفع يأملون أن تقدم لهم التطورات التكنولوجية مستويات أعلى من الرفاهية والرخاء.

  • نبذة عن الكاتب(ة): د. علي أسعد وطفة - كلية التربية -جامعة الكويت

لإن تَلخَّص فخرُ الملك الآشوري أسرحدون، في القرن السّابع قبل الميلاد، وهو يُصوّر زحف جيشه الظافر بقوله: "أمامه مدينة وخلفه خراب!!"، فإنّ مهامّ المنشغلين بحطام المدن في عالم اليوم، في الشرق أم في الغرب، تقف على نقيض منجَزات جيش أسرحدون: "أنّ بين أيديهم خرابا وأنّ عليهم أن يُرمّموا ما أَلمّ بتلك المدن". يأتي الأمر صونًا لإنسانية البشر وحفاظًا على رصيد الأخلاق الكونية المستنزَف، كما حاول لَمْلمته اللاهوتي الراحل هانس كونغ صاحب مقولة "لا سلام لعالم لا سلام فيه بين الأديان، ولا سلام بين الأديان بدون حوار عميق بينها". وعلى ذلك الأساس لا يبدو سؤال "ما العمل؟" في أيّامنا، أمام اتّساع رقعة انخرام المدن، وتزايد أعداد المهجَّرين، وضيق السُّبل، وانسداد الآفاق، سؤالا سياسيّا، كما دأبت الأدبيات الاستراتيجية أن تلحقه بأيديولوجيا معيَّنة أو بشخصية كاريزمية محدّدة؛ بل هو سؤال ثقافيّ في الجوهر، يتلمّس سُبل ترميم نسيج المدن، الرمزي والقِيَمي والخُلقي، لِما لحقه من اهتراء.

هذا وقد دأب الناس على طرح "سؤال ما العمل؟" حين يكابد الجميع أهوال الجحيم، وحين تتحوّل المدينة إلى مرتَعٍ للتوحّش وإلى بؤرة لتأجّج النزاعات. يطرحون ذلك السؤال على العارفين، وعلى من يأملون العثور لديهم على بصيص أمل للخروج من بلواهم. والثقافة الرشيدة، ثقافة الودعاء، لا ثقافة التنطّع والغيّ، غالبا ما تكون معنيّةً بذلك السؤال الحازم والمفرط في إحراجِه، على أمل انتشال الحيارى من تيهِهم، ومما ألمّ بهم وأَهليهم من عذابات يَصْلونها آناء الليل وأطراف النهار، وفي أحوال القرّ والحرّ على حدّ سواء. لأنّ إجابة الثقافة تنطوي على أمل وإعمار وبصيص خلاص، وهي محاولة لخروجٍ مستدام ممّا يترصّد الناس من أوضاع الذلّة والهوان.

  • نبذة عن الكاتب(ة): عزالدّين عناية - جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا

"ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التّواضع" (طاغور).
"ليس للرّجل سوى مجد واحد حقيقيّ، هو التّواضع". (إلفرد دو موسّيه).
1- مقدمة:  
للعلم هيبة، ولكنّ هيبته لا تأتي من الألقاب، ولا من فخامة الشّهادات، ولا من طقوس التّبجيل الّتي تحيط بأصحابها؛ فهيبة العلم تكمن في العلم نفسه، في قدرته على إنارة العقل، وتحرير الإنسان من الجهل، وتعميق وعيه بذاته والعالم. وكلّما ارتقى الإنسان في مدارج المعرفة، أدرك أنّ ما يعرفه لا يزال ضئيلا أمام ما لا يعرفه، وأنّ التّواضع ليس زينة أخلاقيّة للعالم، بل هو شرط من شروط العلم ذاته. وهذا المعنى حاضر بقوة في المقالة حين تجعل التواضع إقرارا باتساع المعرفة ومحدودية ما يملكه الإنسان منها. 
ولكنّ المفارقة تبدأ حين ينقلب اللّقب من دلالة على التّحصيل العلميّ إلى علامة على التّفوّق الاجتماعيّ، وحين تتحوّل الشّهادة من بداية لرحلة البحث والمعرفة إلى وسام للتّباهي والتّعالي. وهنا يغدو السّؤال مشروعا: ماذا يحدث للجامعة حين يتقدّم اللّقب على المعرفة، وتسبق الهيبة الإنجاز، ويصبح التّفخيم بديلا من القيمة العلميّة الحقيقيّة؟ وماذا يبقى من روح العلم حين يتحوّل بعض حملة ألقابه إلى أسرى لها، يستمدّون منها مكانتهم وشعورهم بالتّفوّق؟
من هنا تنطلق هذه المقاربة في محاولة لقراءة ظاهرة هوس التّفخيم والتّعظيم في الوسط الأكاديميّ، والكشف عن بعض أبعادها النّفسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، لا انتقاصا من قيمة الشّهادات والألقاب العلميّة، بل دفاعا عن معناها الحقيقيّ، وعن الجامعة بوصفها فضاء للمعرفة والنّقد والتّواضع العلميّ، لا مسرحا للتّفاخر والتّراتب والتّضخّم النّرجسيّ.
2- تواضع العلم والعلماء:
عرف العلماء بتواضعهم وظرفهم، وعذوبة معشرهم، وحبّهم للنّاس، والميل إليهم، والتّقرّب منهم ومسامرتهم وتكريمهم. واقترنت الحكمة بالتّواضع، واكتنزت بالمحبّة، واهتزّت أغصان المعرفة بحمولة السّلام. وعلى خلاف ذلك، ارتهن الجهل بالغرور، واشتدّ بالاستكبار، ونما بالغطرسة. وإذا كان العالم يعرف بتواضعه، فإنّ الجاهل يتميّز بغروره، ويعرف بتبجّحه وتعاليه واستكباره. وإذا كان العلم قرينا للتّواضع، وهذا أكيد مؤكّد، فإنّ الجهل لا يكون إلّا صنوا للغرور والاستكبار، وموئلا لمشاعر التّضخّم المرضيّة النّرجسيّة.
ينبّئنا تاريخ الفلاسفة أنّ الفيلسوف الإغريقيّ فيثاغورث (Pythagoras) (570-495 ق.م) اعترض على تسمية الفيلسوف بالحكيم، ونظر إليه على أنّه مجرّد محبّ للحكمة؛ فالحكمة أوسع من أن يقبضها الإنسان الفيلسوف، بل أقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو فضيلة المحبّة للحكمة الّتي تفيض بأنوارها الكونيّة. ومن هذا المنطلق التّأسيسيّ، كان يعتقد بوجود حكيم واحد هو الله، لا غيره، العارف بأحوال الكون والقابض على أسراره - وما الفلاسفة في النّهاية إلّا محبّو الحكمة وعاشقوها - وفي قوله يكمن سرّ التّواضع الفكريّ والفلسفيّ بين العلماء والمفكّرين.

مقدمة:
هناك انطباع شائع بين كثير من المثقفين، فضلاً عن عامة الناس، أن السوسيولوجيا أو علم الاجتماع هو علم نخبوي، يدرسه ويمارسه مجموعة من الباحثين الأكاديميين الذين يحرصون على استخدام مصطلحات نظرية معقدة وصعبة الفهم، وتنحصر أبحاثهم ودراساتهم في أروقة الجامعات وداخل المراكز البحثية والأكاديمية، وغالباً ما تكون بعيدة عن لغة واهتمامات وهموم الإنسان العادي اليومية.
إلا أن هذا الانطباع يفتقد إلى الدقة، فإذا كان يمكن أن ينطبق على علم اجتماع القرن التاسع عشر، إلا أنه يبتعد كثيراً عن طبيعة وحقيقة علم الاجتماع المعاصر؛ فتتبع مسار تطور السوسيولوجيا يكشف أنها تحولت من النظريات الكبرى التي تحاول فهم وتفسير الوحدات والبُنى الاجتماعية الكبرى بطريقة كلية وشاملة، إلى سوسيولوجيا تعترف بخصوصية الانسان وتقدرها، وتهتم بتفاصيل حياته اليومية، وتحلل ما تنتجه خياراته الحرة في إدارة حياته في حدود فهمه الشخصي لتفاصيلها اليومية، وتحت تأثير بيئته المحلية المادية والثقافية بمعانيها الواسعة. مما أكسب علم الاجتماع المرونة المعرفية والمنهجية التي أعادته إلى طابعه الإنساني، من خلال عقد الصلة النظرية بينه وبين بقية التخصصات الإنسانية.
ومن هنا، تأتي أهمية هذه الدراسة التي تتناول بالتحليل أحد الإسهامات السوسيولوجية الهامة التي صدرت مؤخراً، وهو كتاب: (لا أعيش إنَّما أنا على قيدِ الحياة. كتيب عن الفقر والمشقة في صعيد مصر) من تأليف الدكتور خالد كاظم أبو دوح أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة سوهاج بمصر، والصادر هذا العام 2026 عن دار النخبة بالقاهرة. وهو عمل سوسيولوجي إبداعي يتناول قضية الفقر والمشقة في صعيد مصر، ويعلن صاحبه بداية وبكل وضوح أنه (من الناس وإلى الناس)، وهو الكتيب الأول في سلسلة "سوسيولوجيا للجميع"، التي يقول عنها مؤلفها إنها تتناول قضايا اجتماعية حية بعين الباحث وقلب الإنسان، بلغة لا تحتاج إلى قاموس متخصص لفهمها، لإيمانه بأن المعرفة الاجتماعية الحقيقية هي تلك التي تصل إلى كل من يعيش الظاهرة، لا إلى من يدرسها فقط، متجاوزةً المقاربات الكمية الجافة والأرقام الإحصائية الصماء نحو بناء سوسيولوجيا من أسفل (Sociology From Below) تنصت بعمق لتفاصيل العيش اليومي وهامش المجتمع.
ويدخل هذا العمل الذي نناقشه ضمن أدبيات سوسيولوجيا الحياة اليومية (Sociology of Everyday Life)، ذلك الاتجاه السوسيولوجي الذي ظهرت إرهاصاته الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين، على يد النمساوي ألفرد شوتز في كتابه (إشكاليات الواقع الاجتماعي) ومفهومه عن عالم الحياة اليومية (Lifeworld) عام 1932. ومناقشات الفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر حول نقد الحياة اليومية بدءاً من عام 1947. ثم تحول إلى تيار سوسيولوجي حقيقي في علم الاجتماع مع كتابات عالم الاجتماع إرفينج جوفمان وكتابه الشهير (تقديم الذات في الحياة اليومية) عام 1959.

يعتبر الحديث في موضوع الجسد من بين المواضيع التي تشغل حيز تفكير الإنسان، نظراً لتشعب معانيه وتداخله مع عدة مفاهيم، من بينها مفهوم "البدن". فكلمة "بدن" تعني: كيان حي يتكون من جسد وروح، ويجمع بين الجانب الروحي والجانب المادي. أما كلمة "جسد" فتعني كل ما له طول وعرض، أي الشكل الخارجي أو البنية المادية للكائن الحي. هذه الثنائية التي تضمنت جسداً وروحاً اُعتبرت في الفكر الفلسفي المعاصر وحدة أساسية قامت عليها الذات الإنسانية. لكن مفهوم الجسد لم يتوقف عند هذا التعريف البسيط، بل ساهمت وسائل الإعلام في بلورة تعريف مغاير لمفهوم الجسد، وذلك عندما تدخل الإعلام بخلفياته الأيديولوجية، ليصبح الإعلام أيقونة توجه اختصاصات ومعاني الجسد.
حظي مفهوم "الجسد" باهتمام كبير من قبل الفلاسفة والمؤرخين على مر الأزمنة، فكلمة جسد هي الكلمة الأكثر تداولاً في عالمنا المعاصر كما في باقي العصور، لأنه محط اهتمام الفلاسفة والعلماء ورجال الدين والسياسة... فهو محط اختلاف وإجماع في نفس الوقت، باعتباره يدخل في الموروث الثقافي بكل تجلياته. إلا أنه في نفس الوقت أداة ووسيلة للتغيير، ومن خلال دراسة هذا الموروث وإعادة تصحيحه، يمكننا إعادة الاعتبار للجسد، بهدف الوصول إلى خلاص هذا الجسد، وذلك عبر إعطائه الحرية بإعادة قراءته بوصفه قيمة جمالية، وصولاً إلى محاولة فهم الذات والمجتمع. فالجسد عندما يرتبط بالمجال الإعلامي يصبح المجال التجاري هو الأساس الذي يحركه، والذي يرتكز على عملية البيع وترويج السلع والخدمات.
أصبح جسد الإنسان يخضع لمعايير الإعلام بدخول هذا الأخير في الحياة اليومية للإنسان، ولم يعد جسد الإنسان يحمل قدسيته من خلال الحفاظ على خصوصياته، بل انتهكت هذه الخصوصية عندما وجه الإعلام أدواته لجسد الإنسان، وحول هذا الجسد إلى مادة للترويج لأغراضه الأيديولوجية.
لقد صرنا في هذا القرن نتعامل مع تعريف الجسد ككائن غريب عنا، ولم يعد بإمكاننا تعريف الجسد بأنه ذلك المفهوم الذي يحافظ على قدسيته ككيان مستقل يحمل روحاً وبدناً، بل أصبح ذلك الكائن الغريب الذي من الواجب علينا معاملته بكثير من الحيطة والحذر. وهذا راجع للدور الذي أصبح منوطاً به، وهو استعارته ليكون واجهة لأعمالنا الاقتصادية والثقافية والسياسية، من خلال استثمار طراوته في (الرقص، الإعلانات الإشهارية، الدعارة، حقل التجارب...)، بهدف تحقيق الربح المادي بصورة سريعة، وإن كانت على حساب حقوق وحريات الأفراد، وأيضاً من خلال العلاقة التي يقيمها الأفراد فيما بينهم. وهو ما يفسر حضور مفهوم الجسد بشتى أشكاله وفي جميع الأمكنة وعبر شتى وسائل الإعلام، حتى أن حياة الناس ونشاطهم اليومي أصبحا مشروطين بإغراء الصورة والحركات والألوان والخطاب المصاحب الذي يشكل أهم دعائم الإعلام.

" الخيانة الزوجية سقوط أخلاقي قبل أن تكون خطأ في العلاقة، لأنها تكشف إنساناً قدّم رغبة عابرة على عهد ارتضاه، واختار ما يشتهيه على ما يمليه عليه ضميره الأخلاقي، متناسياً أن الوفاء ليس قيداً على الرغبة، بل قيمة تكشف معدن الإنسان " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل ونقد ظاهرة الخيانة الزوجية بوصفها ظاهرة اجتماعية تتجاوز الفعل الفردي، والكشف عن التحولات التي أعادت تشكيل مؤسسة الزواج والعلاقات الحميمة وآليات الضبط الاجتماعي، وتحليل تفاعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والقيمية التي قد تهيئ لوقوعها، وانعكاساتها على الثقة والاستقرار الأسري والتماسك الاجتماعي، وصولاً إلى مساءلة الشروط التي تجعل الوفاء والمسؤولية الزوجية أكثر تعقيداً في المجتمع المعاصر.

تعد الخيانة الزوجية من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالبنية الحميمية للأسرة، وأشدها قدرة على كشف التوترات الكامنة بين الرغبة الفردية والالتزام الجماعي الذي تقوم عليه مؤسسة الزواج. فحين يخرج أحد الطرفين عن العقد الضمني الذي يربطه بشريكه، فإنه لا يخرق قاعدة أخلاقية فردية فحسب، بل يمس نسيجاً من التوقعات المتبادلة التي تشكلت عبر تراكم طويل من الأعراف والقيم والممارسات، بحيث تتحول الواقعة الفردية إلى مؤشر على تحولات أعمق تنعكس في بنية العلاقات الأسرية والمجتمعية ذاتها. ولذلك فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي تجاوز التفسير الأخلاقي المباشر الذي يختزلها في ضعف شخصي أو انحراف فردي، نحو قراءة تتقصى الشروط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والقيمية التي قد تهيئ لوقوعها، وتتبع الآثار التي تتركها على مستويات متعددة تبدأ بالفرد ولا تنتهي عند حدود الأسرة الصغيرة.

ومن بين الأسباب التي تفضي إلى الخيانة الزوجية، يبرز التحول الذي طرأ على مفهوم الزواج نفسه في المجتمعات المعاصرة. فبعد أن كان الزواج يؤدي، إلى جانب وظيفته العاطفية، وظائف اقتصادية وإنجابية وتضامنية تتجاوز علاقة الزوجين، أصبح ينظر إليه بدرجة متزايدة بوصفه علاقة ينتظر منها تحقيق الإشباع العاطفي والجنسي والتوافق الشخصي. وهذا التحول، وإن كان قد ارتبط في بعض سياقاته بتحرير العلاقة الزوجية من بعض القيود التقليدية، فإنه يضع على كاهل العلاقة الزوجية عبئاً وجدانياً هائلاً، إذ يتوقع من شريك واحد أن يلبي طيفاً واسعاً من الحاجات العاطفية والنفسية والشخصية. وحين تتسع الفجوة بين هذه التوقعات وبين ما تستطيع العلاقة الفعلية تقديمه، قد يجد أحد الطرفين نفسه أمام فراغ عاطفي يبحث عن ملئه خارج إطار العلاقة القائمة، خصوصاً عندما تغيب القدرة على الحوار أو معالجة الخلل داخلها.

يضاف إلى ذلك ما أحدثته وسائل التواصل المعاصرة من إعادة تشكيل لحدود الخصوصية والتواصل بين الأفراد. فقد أتاحت هذه الوسائل مساحات من التفاعل الموازي يصعب على المؤسسات التقليدية، كالأسرة الممتدة أو الجوار، أن تمارس عليها رقابتها المعتادة، فانفتح المجال أمام علاقات عابرة لحدود الرقابة الاجتماعية التي كانت تضبط بعض سلوكيات الأفراد في سياقات سابقة. وهذا لا يعني أن مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب المباشر للخيانة، بل إنها هيأت بنية فرص جديدة سهلت تحقق نزوع قد يكون موجوداً أصلاً، لكنه كان يصطدم سابقاً بعوائق اجتماعية ومكانية وتقنية تحول دون تحوله بسهولة إلى فعل. ومن ثم فإن الوسائل التكنولوجية لا تصنع الخيانة من تلقاء نفسها، وإنما تعيد تشكيل البيئة التي يمكن أن تنشأ فيها العلاقات السرية، وتخفض كلفة التواصل معها، وتوسع إمكانات إخفائها واستمرارها.

" لا تتحول الأخطاء إلى أزمات لأنها تقع، بل لأنها تجد من يبرر استمرارها أكثر مما يسعى إلى تصحيحها " (الكاتب).
لا يخلو مجتمع من الأخطاء، كما لا يخلو إنسان من لحظات يخطئ فيها التقدير أو القرار. فالخطأ ليس استثناء في الحياة الاجتماعية، بل جزء من طبيعة الإنسان وحدود معرفته وتعقيد الواقع الذي يعيش فيه. غير أن الفارق الحقيقي بين الأفراد والمجتمعات لا يكمن في عدد الأخطاء التي يرتكبونها، وإنما في الكيفية التي يتعاملون بها معها. فهناك مجتمعات تنظر إلى الخطأ بوصفه فرصة للتعلم وإعادة النظر، وأخرى تنشغل بالدفاع عنه أكثر من انشغالها بفهم أسبابه. بذلك، لا يعود التبرير مجرد استجابة عابرة لموقف محرج، بل يبدأ في التحول تدريجياً إلى ثقافة تؤثر في طريقة التفكير، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي قدرة المجتمع على تصحيح مساره.
ويتراءى للوهلة الأولى أن التبرير فعل فردي يرتبط برغبة الإنسان في حماية صورته أمام الآخرين أو أمام نفسه. غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي لفهم الظاهرة في أبعادها الاجتماعية. فالإنسان لا يتعلم التبرير في فراغ، وإنما يكتسبه داخل بيئة اجتماعية تحدد له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، متى يعترف بخطئه، ومتى يبحث له عن الأعذار، ومتى يعد الدفاع عن الموقف دليلاً على الوفاء أو القوة. وهكذا لا ينشأ التبرير من نزعة شخصية فقط، بل يتشكل أيضاً داخل منظومة من القيم والعلاقات والانتماءات التي تمنح بعض أشكاله قبولاً اجتماعياً، حتى يغدو في كثير من الأحيان سلوكاً مألوفاً لا يثير الانتباه.
وعندئذ تبرز أهمية النظر إلى التبرير بوصفه ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون سلوكاً نفسياً. فالمجتمع لا يكتفي بتعليم أفراده ما ينبغي أن يفعلوه، بل يعلمهم أيضاً كيف يفسرون ما يفعلونه بعد وقوعه. وكثيراً ما تمنح الثقافة السائدة الأفراد لغة جاهزة للدفاع عن قراراتهم، فتخفف عنهم عبء المراجعة، وتعيد تقديم الخطأ في صورة يمكن التعايش معها أو تكرارها. ومع الزمن، لا يصبح التبرير مجرد وسيلة لحماية صورة الذات، بل يتحول إلى آلية اجتماعية تحمي استقرار المعتقدات السائدة، حتى وإن كانت تلك المعتقدات أحد أسباب المشكلات التي يعانيها المجتمع.
وتتجلى خطورة هذه الآلية عندما يصبح الاهتمام منصباً على البحث عن مبررات الخطأ أكثر من البحث عن جذوره. فعندئذ يتراجع السؤال " كيف نعالج المشكلة؟ " ليحل محله سؤال آخر أكثر حضوراً " كيف ندافع عن موقفنا؟ ". وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ تنتقل الأولوية من تصحيح الواقع إلى حماية الصورة، ومن مراجعة الأفكار إلى تبريرها، ومن مساءلة القرارات إلى البحث عن أسباب تجعلها تبدو مقبولة. ومع تكرار هذا النمط، تتكون ثقافة ترى في الاعتراف بالخطأ تهديداً للمكانة، بينما تنظر إلى التبرير بوصفه وسيلة للحفاظ على الهيبة أو الانتماء، فتغدو الحقيقة أقل تأثيراً من الرواية التي ينسجها المجتمع حولها.

   المونديال ليس مجرد منافسة رياضية تحسم فيها النتائج بالأهداف، ولا مجرد احتفال عالمي تتزين فيه المدن بالأعلام والألوان. إنه في العمق، ظاهرة اجتماعية شاملة تكشف الكثير عن الإنسان المعاصر وعن حاجته الدائمة إلى المعنى وإلى الانتماء وإلى لحظة نادرة ينسى فيها إكراهات الواقع. فالكرة في زمننا، أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود وطقسا جماعيا يعيد تشكيل الوعي والانفعال ويصنع لحظات استثنائية من الإجماع العاطفي الذي تعجز السياسة والاقتصاد والدين أحيانا عن تحقيقه.     المونديال ليس مجرد منافسة رياضية تحسم فيها النتائج بالأهداف، ولا مجرد احتفال عالمي تتزين فيه المدن بالأعلام والألوان. إنه في العمق، ظاهرة اجتماعية شاملة تكشف الكثير عن الإنسان المعاصر وعن حاجته الدائمة إلى المعنى وإلى الانتماء وإلى لحظة نادرة ينسى فيها إكراهات الواقع. فالكرة في زمننا، أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود وطقسا جماعيا يعيد تشكيل الوعي والانفعال ويصنع لحظات استثنائية من الإجماع العاطفي الذي تعجز السياسة والاقتصاد والدين أحيانا عن تحقيقه.
     إن رياضة كرة القدم فن لكنها أيضا رقصة على ملعب الفراغ؛ تمريرات ومراوغات وأهداف تداعب الحقيقة والهموم والزمان، وتتمايل الأجساد بالتحليق قبل التصفيق وتتحول المدرجات إلى مسارح كبرى تنصهر فيها الطبقات الاجتماعية والهويات المتعددة في هوية واحدة "هوية الجمهور المشجع". إنها لحظة نادرة يتصالح فيها الإنسان مع ذاته ويجد في انتصار فريقه تعويضا رمزيا عن إخفاقاته اليومية وفي جمال اللعبة عزاء عن قبح العالم.
     لا يمكن أن نستوعب لعبة المونديال كحدث رياضي معزول، لكن باعتباره أيضا مؤسسة اجتماعية تنتج المعنى وتصنع الانتماء وتعيد إنتاج الأمل. أشار (إميل دوركايم) إلى أن المجتمعات تحتاج بين الفينة والأخرى إلى لحظات من "الفوران الجمعي"، حيث يشعر الأفراد بأنهم جزء من كيان أكبر منهم. وفي المونديال يتحقق هذا المعنى بوضوح؛ إذ تختفي الفوارق مؤقتا ويتحول ملايين الأفراد إلى جماهير تهتف بصوت واحد وتبكي وتفرح بإيقاع واحد كأنها تعيش طقسا مقدسا جديدا، غير أن هذه اللحظة برغم قوتها تبقى عابرة. فما أن يتم إطلاق صافرة النهاية حتى يعود الجميع إلى حياتهم اليومية، إلى البطالة وغلاء المعيشة والأزمات السياسية والقلق الاجتماعي وضغوط الحياة التي لم تتغير بانتهاء المباراة، ويبرز هنا سؤال الحقيقة وهو، ماذا بعد المونديال؟

 "نَحْنُ لا نُمارِسُ النَّقْدَ مِنْ أَجْلِ النَّقْدِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ مِمَّا هُوَ مَيِّتٌ أَوْ مُتَخَشِّبٌ فِي كِيانِنا العَقْلِيِّ، وَإِرْثِنا الثَّقافِيِّ" . — مُحَمَّدُ عابِدُ الجابِرِيّ
" إِنَّ عَصْرَنا هُوَ عَصْرُ النَّقْدِ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْفَحْصِ النَّقْدِيِّ بِهَدَفِ قَبُولِهِ أَوْ رَفْضِهِ، وَبِالتَّالِي إِصْدارِ حُكْمٍ عَقْلانِيٍّ عَلَى ذَلِكَ." —  إيمانويل كانْط.

1- مُقَدِّمَةٌ:

الفِكْرُ النَّقْدِيُّ يَخْدِشُ، يُهاجِمُ، يَكْتَسِحُ، يُدَمِّرُ، يَتَوَغَّلُ فِي الأَعْماقِ، يُفَكِّكُ، يَحْفِرُ، يَثِبُ إِلَى الأَعْلَى وَإِلَى الأَدْنَى وَالأَسْفَلِ، يَتَحَرَّكُ يَمِينًا وَشَمالًا، يَهُبُّ كَالْعاصِفَةِ حِينًا، وَكَالإِعْصارِ أَحْيانًا، يَنْفَجِرُ كَالْبُرْكانِ مَرَّةً، وَيَتَحَرَّكُ كَالاهْتِزازاتِ الأَرْضِيَّةِ مِرارًا. إِنَّهُ مَفْهُومٌ دِينَامِيٌّ مُتَحَرِّكٌ، غاضِبٌ، يُزَمْجِرُ، يُهَدِّدُ، يَتَحَرَّكُ بِقُوَّةٍ، يُفَجِّرُ التَّقالِيدَ السَّاكِنَةَ، وَيَهُزُّ الأَفْكارَ الجامِدَةَ. إِنَّهُ هَدِيرُ العَقْلِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّقْدِ، وَزَمْجَرَةُ الوَعْيِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكِيكِ وَالتَّحْلِيلِ غَوْصًا فِي الطَّبَقاتِ الأَعْمَقِ لِلْوُجُودِ الاجْتِماعِيِّ. وَالنَّقْدُ، فِي كُلِّ الأَحْوالِ، يَهُزُّ أَرْكانَ الأَنْظِمَةِ الاسْتِبْدادِيَّةِ الاغْتِرابِيَّةِ الجامِدَةِ المُتَحَجِّرَةِ، وَيُحاوِلُ تَفْكِيكَها وتفنيدها والكشف عن خفاياها الأعمق، وَهُوَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلَى أَنْ يُفَكِّكَ الظَّواهِرَ الاجْتِماعِيَّةَ وَيَهُزَّ الوَعْيَ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا.

لَقَدْ أَفْضَتْ حَرَكَةُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ إِلَى تَوْلِيدِ مَنْظُوماتٍ فِكْرِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فاعِلَةٍ فِي مَجالِ التَّفْكِيرِ السُّوسِيُولُوجِيِّ، تَعْتَمِدُ عَلَى أَنْظِمَةٍ فِكْرِيَّةٍ خارِقَةٍ، وَنَماذِجَ تَحْلِيلِيَّةٍ عَمِيقَةِ الأَغْوارِ، وَأَنْماطٍ مَعْرِفِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي عُمْقِ المَفاهِيمِ، وَأَنْ تَتَوَغَّلَ فِي غَوْرِ الأَشْياءِ، وَنَماذِجَ مَعْرِفِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّحْلِيلِ الأَعْمَقِ لِخَفايا الأُمُورِ وَالقَضايا الاجْتِماعِيَّةِ. لَقَدْ تَمَّ التَّرْوِيجُ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةً لِتَعْزِيزِ التَّفْكِيرِ مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا، وَالبَحْثِ الأَعْمَقِ فِي القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ، بِطَرِيقَةِ الكَشْفِ عَمَّا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ، وَما كَمَنَ خَلْفَ السُّطُورِ، وَإِعْدادِ مُواطِنِينَ أَكْثَرَ وَعْيًا وَقُدْرَةً عَلَى الفَهْمِ وَاسْتِيعابِ الأُمُورِ عَلَى حَقِيقَتِها، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُقارَباتِ المُخْتَلِفَةَ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ فَإِنَّها تَخْتَلِفُ فِي اتِّجاهاتِها وَفِي تَعَيُّناتِها الفِكْرِيَّةِ.

2- مِنَ الرُّؤْيَةِ السَّطْحِيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ النَّقْدِيَّةِ:

كَثِيرٌ مِنَ الأَبْحاثِ وَالدِّراساتِ المُنْجَزَةِ، الَّتِي يَزْعُمُ كُتَّابُها بِأَنَّهُمْ يُمارِسُونَ المَناهِجَ النَّقْدِيَّةَ فِي أَعْمالِهِمْ، لا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ نَمَطًا مِنَ المُمارَساتِ الفِكْرِيَّةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِدُ أَنْساقًا مُحَدَّدَةً مِنَ المَهاراتِ تَحْتَ عُنْوانِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَهِيَ مَهاراتٌ فِكْرِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى أَيِّ مَسْأَلَةٍ تَقْرِيبًا. وَمَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ المَهاراتِ، فَإِنَّها تُمَثِّلُ نُسْخَةً وَهْمِيَّةً مِنَ الفِكْرِ النَّقْدِيِّ الَّذِي يُخْتَزَلُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ سَطْحِيَّةٍ طافِيَةٍ. وَبِالقَدْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الأَمْرُ كَذَلِكَ، يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ العَقْلانِيَّةِ الأَداتِيَّةِ الَّتِي تَخْتَزِلُ المَعْرِفَةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَداةٍ فِي سَبِيلِ أَهْدافٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَرْسُومَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَعَلَى هَذا النَّحْوِ يُخْتَزَلُ النَّقْدُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ بِلا جَسَدٍ، وَإِلَى جَسَدٍ بِلا رُوحٍ أَوْ مَعْنًى، فِي خِدْمَةِ مَصالِحِ الهَيْمَنَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. وَلَكِنَّنا، عَلَى خِلافِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ التِّقْنِيَّةِ المَهارِيَّةِ لِلنَّقْدِ، نَجِدُ أَنَّ النَّقْدَ السُّوسِيُولُوجِيَّ هُوَ الفاعِلِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُنا مِنْ وَضْعِيَّةِ التَّفْكِيرِ السَّطْحِيِّ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ بِوَصْفِها تَخَصُّصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقَ الجُذُورِ ([1]).

” لا تُخضع السلطة الإنسان لأنها أقوى منه، بل لأنه لا يستطيع أن يتكون خارج شروط الاعتراف التي تفرضها، فالذات تولد من الطاعة بقدر ما تحلم بالتحرر، وتبقى ممزقة بين ما يملي عليها أن تكونه، وما تحاول أن تصير إليه “.

” الذات لا تُقمع أولاً، بل تُنشّأ نفسياً على صورة ما يُخضعها “ (الكاتب).

- المقدمة:

تنطلق جوديث بتلر من مساءلة جذرية لمفهوم الذات، تقوض التصورات التي تفترضها جوهراً مستقلاً سابقاً على السلطة أو خارجاً عنها. فالذات، في منظورها، لا تُمنح وجودها من ذاتها، بل تتشكل داخل شبكات معقدة من العلاقات السلطوية والخطابية التي تحدد شروط ظهورها، وإمكان الكلام والرغبة والاعتراف. وبهذا المعنى، تغدو الهوية عملية تكون غير مكتملة، تقوم على توتر بنيوي دائم بين الحاجة إلى الاعتراف والقيود التي يفرضها هذا الاعتراف نفسه.

يتأسس هذا التصور بوصفه حصيلة حوار نقدي مركب مع تقاليد فلسفية وسوسيولوجية ونفسية متعددة، حيث تعيد بتلر صياغة مفاهيم الاعتراف، والاستدعاء، واستبطان السلطة، والهيمنة الرمزية، وتكون الهوية النفسية، ضمن أفق نظري واحد. فلا يظهر الإخضاع هنا بوصفه نقيضاً للذات، بل شرطاً من شروط تشكّلها، ولا تُفهم السلطة كقوة خارجية فحسب، بل كبنية تُستدخل نفسياً ويعاد إنتاجها في الممارسة اليومية.

وانطلاقاً من هذا الإطار، يتناول هذا المقال تحليل الكيفية التي تعيد بها بتلر بناء العلاقة بين السلطة والذات، بوصفها علاقة تأسيسية ملتبسة، من خلال مناقشة المرجعيات النظرية التي استندت إليها، وحدود هذا التصور، وإمكاناته النقدية في فهم آليات الإخضاع والمقاومة في السياقات الاجتماعية والأسرية المعاصرة.

كما يكتسب هذا الإطار النظري أهمية مضاعفة عند النظر إلى واقع التنشئة في الأسرة العربية، حيث يشكل الامتثال والطاعة محور العلاقة بين الطفل والسلطة الأبوية، بينما يقدم الاعتراف على نحو مشروط يعمق التوتر بين الخضوع والرغبة في التحرر. ومن هذا التقاطع بين الفلسفة والتحليل النفسي وعلم الاجتماع، يتكون مدخل لفهم أعمق لكيفية تشكل الذات تحت السلطة، وكيف يصبح التمرد اللاحق على الأسرة امتداداً للصراع الأولي الذي تبنيه بنية الإخضاع نفسها.

- البعد النفسي للسلطة (مقاربة متعددة المرجعيات في آليات الإخضاع وتجلياتها في الحياة اليومية):

بدأت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر (1956- ) مشروعها الفلسفي من نقطة لا تخلو من الجرأة حين اعتبرت الذات ليست كياناً سابقاً على السلطة، ولا تُفهم باعتبارها جوهراً مستقلاً يقع تحت تهديد خارجي، بل هي نتاج عمليات سلطوية دقيقة تمنحها إمكان الظهور كما تمنحها القدرة على الكلام والرغبة والاعتراف. فالذات، في عمقها تتخلق داخل علاقة لا تكف عن التوتر بين الامتثال والرغبة في التحرر. وهنا تستعيد بتلر إرث هيجل حول الاعتراف، لكنها لا تأخذ منه الصورة المثالية التي تجعل الاعتراف عملية تكامل بين ذاتين، بل تستحضر جانبه المنقوص، الذات لا تنال اعترافاً كاملاً بل تُقاد دائماً إلى الشعور بنقص بنيوي تولده علاقتها بالآخر. إن الآخر لا يمنحها ماهيتها، بل يمنحها الشرط الذي يجعلها محتاجة إليه في كل ظهور.

     علي الوَرْدِي ( 1913 _ 1995 ) عَالِم اجتماع عِرَاقي ومُؤرِّخ . اهتمَّ بِتَحليلِ شَخصيةِ الإنسانِ انطلاقًا مِنْ حَقيقةٍ بسيطة ، وَهِيَ أنَّ الإنسانَ لَيْسَ كائنًا نقيًّا ، ولا شِرِّيرًا خالصًا . إنَّه يعيشُ مُمَزَّقًا بَيْنَ مَا يُمْليه المِثَالُ ، ومَا يَفرِضه الواقعُ . وهَذا التَّمَزُّقُ يَصْنَعُ ازدواجيَّةً تُكوِّن جَوْهَرَ الشَّخْصيةِ الإنسانيةِ .

     لا يُمكِن دِراسةُ الفَرْدِ عِندَه بِمَعْزِلٍ عَنْ مُحِيطه . فالشَّخْصِيَّةُ ، كَمَا يُصوِّرها ، هِيَ في النِّهايةِ انعكاسٌ لاختلالاتِ المُجتمعِ . والشَّخْصِيَّةُ عِندَه لَيْسَتْ مَسألةً نَفْسِيَّةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هِيَ سَرْدِيَّة اجتماعيَّة . وكُلُّ فَرْدٍ يَحمِل في داخله تاريخًا طويلًا مِنَ التَّحَوُّلاتِ والصِّرَاعاتِ .

     أوْجَدَ مُعَادَلَةً نادرةً ، فَهُوَ يَدْرُسُ الشَّخْصِيَّةَ بِمَنهجٍ عِلْمِيٍّ واضح ، وَيُصِرُّ على التَّوثيقِ والاستشهادِ ، لكنَّه يَترُك مَساحةً واسعة للفِكْرِ الإنسانيِّ العاطفيِّ ، وهَذا جَعَلَ تَحليلَه للشَّخْصِيَّةِ ذا نَبْرَةٍ خَاصَّة تَجْمَعُ بَيْنَ الرَّصَانةِ العِلْمِيَّةِ وَدِفْءِ الأدبِ .

     تَرَكَ تأثيرًا واضحًا ، لأنَّ مَا تَنَاوَلَه لَمْ يَكُنْ قَضِيَّةً عابرة ، بَلْ مَسَّ جَوْهَرَ الإنسانِ في لَحْظةٍ تاريخية مُضطربة، وكَشَفَ تناقضاتِ التفكيرِ التقليديِّ ، وَفَتَحَ البابَ أمامَ نَمَطٍ جَديدٍ مِنَ النَّقْدِ الاجتماعيِّ الذي يَجْمَعُ بَيْنَ السوسيولوجيا والتَّحْليلِ النَّفْسِيِّ والفَلسفةِ . وَقَدْ أعادَ صِياغةَ السُّؤالِ المَركزيِّ : مَنْ نَحْنُ ؟ . لَيْسَ بِوَصْفِهِ سُؤال هُوِيَّة فَحَسْب ، بَلْ أيضًا بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا وَنَفْسِيًّا واجتماعيًّا يَعكِس رَغْبَةً في فَهْمِ الذاتِ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْها .

     تَحليلُ الشَّخْصيةِ عِنْدَه لَيْسَ وَصْفًا لِمَرَضٍ نَفْسِيٍّ ، بَلْ هُوَ مُحَاوَلَةٌ لِتَحريرِ الإنسانِ مِنْ سَطْوةِ أوهامِه ، فَهُوَ يَدْعُو بِلا مَلَلٍ إلى التَّفريقِ بَيْنَ مَا نَقُولُه ومَا نَفْعَلُه ، وَمُواجهةِ ذَواتِنا بِجُرْأةٍ ، والتَّخَلُّصِ مِنَ المَظاهرِ الزائفةِ التي تَمْنعنا مِنْ رُؤيةِ حقيقتنا، وأنْ نَكُونَ لا كَما يُريدُ المُجتمعُ التقليديُّ ، ولا كما نَتخيَّل أنفُسَنا في لَحَظَاتِ الكِبْرَياء، بَلْ كما نَحْنُ فِعْلًا ، مَخْلوقات تَبْحَث عَنْ مَعْنى ، وَتَتَعَثَّر ، وَتَتعلَّم ، وتَتناقض ، وتَنْهَض مِنْ جديد .

  تقديم:
     ارتأينا أن نستهل هذه المقالة حول العلاقة بين السيكولوجي والفلسفي في السينما المغربية ببعض الملاحظات الأولية نعتبرها ضرورية حتى نتقدم بخطى ثابتة على أرض محفوفة بالصعوبات و المنزلقات.

  • الملاحظة الأولى: أن الرهان الخاص بالعلوم الإنسانية على العموم، و بعلم النفس تحديدا ليس في هذا المقام رهانا سينمائيا خالصا، و ليس مجرد ترف فكري، إنما هو رهان ثقافي و اجتماعي شامل، لأننا ننطلق من قناعة راسخة و هي أنه لا وجود لحداثة حقيقية في غياب علوم إنسانية متطورة، يعتبر علم النفس علما أساسيا من بينها.
  • الملاحظة الثانية: أننا عندما نتحدث عن السيكولوجيا أو علم النفس، فنحن نأخذه في كامل علاقاته وتفاعله مع سائر العلوم الإنسانية الأخرى، و على رأسها السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا، و ليس بمعزل عنها. كما أننا نأخذ بعين الاعتبار مجمل التطورات الحاصلة في الحقل السيكولوجي العالمي، الذي عرفت أبحاثه تطورات هائلة خاصة في العقود الأخيرة بفعل التطور الحاصل في مجال التكنولوجيات الجديدة للإعلام و الاتصال.

3- الملاحظة الثالثة: أشير في هذه الملاحظة الثالثة إلى أن التحليل النفسي، الذي هو مبحث أساسي من مباحث السيكولوجيا، قد ظهر إلى الوجود بشكل متزامن مع ظهور الفن السابع. ففي نفس السنة، 1895 ، التي عرض فيها لأول مرة فيلم للأخوين لوميير بالمقهى الكبير بباريس، نشر فرويد مؤلفه " دراسات في الهستيريا " و هو كتاب مشترك مع الطبيب النفسي جوزيف بروير. لكن المفارقة أن فرويد رفض كل الاقتراحات التي وجهت له للتعامل مع السينما، و خاصة اقتراح غولدوين بإنجاز أشرطة سينمائية مستوحاة من  قصص الحب الكبرى في التاريخ. و كذلك اقتراحا آخر من الشركة الألمانية  UFA لإنجاز شريط سينمائي حول مفاهيم التحليل النفسي، و حول آلياته و طبيعة اشتغاله، لكن رد فرويد في الحالتين كان هو الرفض. أُورِد هذا الموقف في بداية هذه المقالة لأنبه إلى ضرورة الحذر الشديد و التحوط المنهجي بخصوص هذه العلاقة الملتبسة، تفاديا للسقوط في الابتذال الذي تخوف منه فرويد، و الذي كثيرا ما سقطت فيه المؤسسة الهوليودية في تعاملها مع هذا البعد السيكولوجي. (2)

      بعد هذه المداخل التوضيحية، أسجل أيضا بداية أن البعد السيكولوجي، ظل حاضرا بقوة في السينما المغربية منذ بدايات تأسيسها كسينما ذات عمق ثقافي و اجتماعي خاصة مع أفلام "وشمة" لحميد بناني، و " قفطان الحب لمنقط بالهوى" لمومن سميحي، و " عرائس من قصب" للجيلالي فرحاتي على سبيل المثال. ذلك أن البعد السيكولوجي للشخصيات هو الذي يمنح هذه الأفلام قوتها و عمقها، و كلما كان الشريط السينمائي واعيا بهذا البعد النفسي، و متمثلا له بالدقة اللازمة كلما ساهم ذلك في إنتاج أو بناء كون سينمائي منسجم و متكامل.

استهلال
ينبني هذا العمل-قدر الاستطاعة بطبيعة الحال-على ملاحظة تتبعية لِمجموعة من الأعمال المنشورة في حقل علم النفس الاجتماعي في المغرب. فقد أسعف تعاطينا، من غير شك، مع هذا الكم المعرفي، الجدير حقا بالاهتمام، على تحصيل ملاحظتين اثنتين مُؤَدَّاهُما:

1-فتور المواكبة المطلوبة، الرامية، على الأقل، إلى التعريف بالانهمامات العلمية لرواد السيكولوجيا الاجتماعية في الجامعة.

2-برود مَنْزَع القراءة، وتراخي الدًّافعية المُتَطَلِّعة إلى تحليل، وتفكيك أسس وحيثيات الخطاب السيكوسوسيولوجي في أفق نقده  فتقييمه بالتساؤل المُهَدِّم للمعرفة المُطمئنة؛ والاستفهام المُكَسِّر للنماذج الرَّكيكة. أَلاَ يُعْتَبَرالنقد الوجيه عَصَبَ المعرفة، ومِهْمَازَها الخَلاَّق للمعاني المُرَجَّحَة، والصانعُ للدَّلاَلاَت المُحتملة؟

 فيما أحسب، هذا هو المَسَاق الذي يُؤطرهاته الدراسة التي نَتَوسَّلُ بها الإطلالة على الإنتاج الفكري للمفكر وعالم النفس الاجتماعي الدكتورالمصطفى حدية سَعْياً إلى تقليب تَشَكُّلاَتِ خِطَابِه؛ وغايةً في الوقوف على المَسْأَليَات الأساسية، والطُّرُوحات الكبرى المبثوتة طَيَّ أبحاثه الغزيرة.

أولا: تقاطع الموضوعات والأفْهُومات في الاجتماع النفسي العربي:

 بحضوره الوازن في الساحة الثقافية المغربية والعربية على السواء، استطاع الأستاذ المصطفى حدية أن ينحت اسمه ضمن كبار السيكولوجيين العرب. فقد تمكن بفعل اجتهاده ومثابرته من تأسيس مشروع مدرسة قائمة الذات في حقل الاجتماع النفسي بالمغرب تتقاطع، في جزء كبير منها، مع أعمال أكاديميين عرب من عيار حليم بركات، هشام شرابي ومصطفى حجازي على سبيل المثال لا الحصر.

بحرقة لاضديد لها، طَرَقَ هؤلاء المفكرون الجذريون، بين ثنايا أبحاثهم، التي انصبت على المجتمعات العربية، مشكلات التخلف بأورامه المزمنة، وقضايا التنشئة الاجتماعية، والحرية، والهدر بكل أشكاله وألوانه المختلفة...فضلا عن جدلية الثقافة والهوية في عصرمدهش، سِمَتُهُ التَّبَدُّلُ والانقلاب؛ وخِصِّيصَتُه الاحتمال واللاَّيَقِين بفعل نهاية الجغرافيا وهيمنة الأمبريالية الثقافية.2..  فبالاستناد إلى مرجعية متينة تمتح من معين علم النفس، وتنهل من المنهج النقدي الاجتماعي-التحليلي، والإبداع السردي على السواء  عمد الدكتور حليم بركات(1933-2023)إلى تفكيك بنيات المجتمع العربي، وخلخلة الطبيعة السلطوية للدولة 3 ليخلص إلى القول بوجود هوة تفصل الإنسان العربي عن مؤسسات مجتمعه وسمها حليم بركات بالاغتراب 4 الذي يرده إلى:

  • - التجزئة والتفتت الاجتماعي
  • - هيمنة الدولة على المجتمع(=الاغتراب السياسي وأزمة المجتمع المدني) 5
  • - تسلط الأنظمة الهرمية القسرية التي يجسدها النظام البطريركي، وهيمنة المؤسسات الدينية، وغلبة التربية المعتمدة على الذاكرة والاستظهار.
  • - الاستغلال الطبقي ومايستتبعه من ظلم، وقهر وحرمان، واتساع الفجوات بين المعدمين والأغنياء.
  • - التبعية، والهيمنة الخارجية على معظم الثروات والمقدرات العربية
  • - سطوة المقدس، وصلابة التقاليد، وثباتية الطقوس التي تعمل على تزمين الصراع بين القديم/التراث والجديد/الحداثة.6

     إنَّ عِلْمَ النَّفْسِ قائمٌ على تَحليلِ العَالَمِ الداخلي للإنسان ، وإرجاعِ حياته الباطنية إلى عناصرها البِدائية الأوَّلِيَّة ، وربطِ السلوكِ اليَومي بتأثيراتِ العقلِ وإفرازاتِ الشخصيةِ وأساليبِ التفكيرِ ، مِن أجْلِ فَهْمِ وُجودِ الإنسان كَكَائن حَي وحُر ، والتَّحَكُّمِ بِمَسَارِه ، والتَّنَبُّؤ بِمَصِيرِه . وكُلُّ إنسان لَدَيه حَيَوَات كثيرة وشخصيات مُتعددة ، وَوَحْدَها اللغةُ هي القادرةُ على وَضْعِ الخُطوطِ الفاصلةِ بَين حَيَوَاتِ الإنسانِ ، وتَحديدِ نِقَاطِ الاتصالِ والانفصالِ بَيْنَ شخصياته . وهذا لَيس غريبًا ، فاللغةُ هي الطاقةُ الرمزيةُ التي تَجْمَع بَين السُّلوكِ والشُّعورِ في إطار التَّسَلْسُلِ الفِكري المَنطِقي .

     واللغةُ لا تَتَجَسَّد حُلْمًا وواقعًا إلا في الأدب ، باعتباره الشكل الإبداعي المُعَبِّر عَن عواطف الإنسان ، والتَّعبير الفَنِّي المُظْهِر لأفكارِه وهَوَاجِسِه ، كما أنَّ اللغة لا تَتَشَكَّل كِيَانًا وكَينونةً إلا في التاريخ ، باعتباره الوِعاء الوُجودي للتُّرَاثِ الثقافي ، والتأويل العقلاني للفِعْلِ الاجتماعي المُتَدَفِّق في الزمانِ والمكانِ . وهكذا تُصبح اللغةُ مِحْوَرَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الغريزةِ الفِطْرِيَّةِ والإرادةِ الحُرَّة ، ونُقْطَةَ الالتقاءِ بَيْنَ الرُّوحِ والمَادَّةِ .

     وعِلْمُ النَّفْسِ على ارتباط وثيق بالأدبِ والتاريخِ _ تأثُّرًا وتأثيرًا _ ، باعتبارهما مِن أهَمِّ العُلومِ الإنسانية التي تَهدِف إلى تَجذيرِ مَعرفةِ الإنسانِ بِوُجوده ، وتحليلِ عَلاقته بالكائناتِ الحَيَّةِ والأنظمةِ الاجتماعيةِ وعَناصرِ الطبيعة .

     ومِن أبرزِ الأمثلةِ على تأثير الأدبِ في عِلْمِ النَّفْسِ ، رِوايةُ " لوليتا " ( 1955 ) ، للروائي الروسي الأمريكي فلاديمير نابوكوف (1899 _ 1977 )، وقد تَمَّ تَحويلُها إلى فِيلم سينمائي صدر في سنة 1962 ، مِن إخراج الأمريكي ستانلي كوبريك ( 1928 _ 1999 ) الذي يَعتبره الكثيرون واحدًا مِن أعظم صُنَّاع الأفلام في التاريخ .

كتاب من تأليف المفكر النهضوي المصري سلامة موسى (1887 – 1958)، صدر هذا المؤلف خلال القرن الماضي، لتعيد مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة بالقاهرة نشره في طبعة عصرية. وفيما يهم موضوع الكتاب، يتناول الأخير أحد أهم اكتشافات علم النفس الحديث، ونريد بذلك العقل الباطن لما له من مفعول كبير في سلوك الإنسان ونشاطه الذهني:

ما المقصود بالعقل الباطن؟

يعرف المؤلف العقل الباطن بكونه "العقل الذي يعمل على غير وعي منا. فهذا العقل يعمل كأنه مستقل عنا، وهو يقرر ميولنا وأمزجتنا". ويعتقد سيغموند فرويد (1856 – 1939) الذي دشن البحث في هذا المجال أن الغريزة الجنسية هي أهم محددات العقل الباطن، أما ألفرد أدلر (1870 – 1937) فيقلل من تأثير الغريزة الجنسية، ويركز على دوافع أخرى مثل الرغبة في امتلاك القوة والسلطة. وصولا إلى كارل يونغ (1875 – 1961) الذي ألف بين الرأيين (فرويد وأدلر) وأكد على أن "اللبيد (يُقصد به الرغبات والعواطف المكبوتة في العقل الباطن) هو تلك الغريزة الجنسية قد امتزجت بالنزوع إلى الرقي". فالإنسان بطبعه ميال إلى الرقي والتطور، إذ كثيرا ما ننساق لخواطر لذيذة كأن نحلم بأننا أصبحنا أغنياء أو قادة.

وعليه، فإن العقل الباطن هو "عقل الثقافة القديمة" وما تحيل إليه من غرائز بدائية (حب الشهوة واللذة والانتقام والعنف)، أما العقل الواعي فهو "عقل الثقافة الحديثة"، عقل الحضارة والعلم والمعرفة. بيد أن نوازع العقل الباطن ليست كلها شريرة، لأن الإنسان القديم لم يكن شريرا على نحو مطلق، كما أن العقل الباطن والعقل الواعي كثيرا ما يتعاونان لتحقيق مصلحة الإنسان، كالعالم الذي يتوصل إلى اختراع أو كشف علمي بواسطة الحلم.

الكبت

إن الرغبة أيا تكن طبيعتها (طعام، جنس... إلخ) إذا ما كُبتت من لدن العقل الواعي فذلك لا يعني زوالها، بل هي تندس في العقل الباطن وتتحين الفرصة لتخرج من مخبئها، فالعقل الباطن في هذه الحالة ينفس عن رغباتنا المكبوتة بواسطة الخواطر (أحلام اليقظة) والأحلام. وإذا ما بلغت الرغبة المكبوتة حدا بعيدا من الجموح قد تؤدي إلى الإصابة بالأمراض العصابية كما يعتقد فرويد فيما يخص الغريزة الجنسية، لكن الرغبة المكبوتة قد تفضي إلى سبيل إيجابي وهو التسامي بحيث "نتسامى بالعاطفة إلى فن من الفنون العليا، فأرغب الناس في وصف الجمال ولذات العشق هو المحروم من الحب (كالشاعر)". وتأسيسا على ذلك "إذا كانت العواطف المكبوتة تُحدث الجنون أحيانا فإنها أحيانا أخرى تُحدث النبوغ".

ضمن سياق تحليلنفسي امتد من عام 1919 إلى حوالي عام 1930، ظل فرويد يرى في وليام رايخ (1897-1957) طالبا متميزا، واعدا، ويحميه من هجمات المحللين الآخرين. عندما أعطاه رايش كتابه الأول "وظيفة هزة الجماع " (1970)، صرخ فرويد: "هذا عمل عظيم"! الذي يفيد به هذا التعجب هو أن فرويد درس الجنسانية (النشاط الجنسي)، ولكن لم يسبق له أن درس هزة الجماع، حيث بدت له ظاهرة ثانوية تختتم النشاط الجنسي، أي ظاهرة إفرازات، لن يكون لها في حد ذاتها سوى تأثير فسيولوجي ونفسي ضئيل أو منعدم.
تسمح لنا دهشة فرويد هذه بفهم أين وكيف يتموقع رايخ إزاء عمله: استكشاف ما لم يصل إليه المؤسس. لأنه إذا كان فرويد هو بالفعل المخترع الثوري للجنسانية الطفولية، مستكشف آلياتها وتأثيراتها النفسية المرضية، لم يقترب حقا من التتمة، ما نسميه الجنس التناسلي، الذي يتم إحلاله منذ سن البلوغ، والذي اهتم به رايخ.
من جانب آخر، إذا تحرر فرويد تدريجيا من الأسس العصبية الحيوية للأداء النفسي وكذلك من القواعد الجسدية، فسوف يعود رايخ إليها لتعميقها، لا سيما من خلال رد الاعتبار للجسد وعلم وظائف الأعضاء وإحلاله (الجسد) مكانا مهما في العلاج التحليلنفسي: الجسد له لغته الخاصة، ولكنه أيضا ذاكرة، وبالتالي فهو محاور مهم.
علاوة على ذلك، إذا كان فرويد قد أشار إلى آثار الحضارة على النشاط الجنسي البشري من خلال التنازلات التي تفرضها (فرويد، 1969)، ومساهمته بالتالي في تكوين "الباثولوجيات" (علم الأمراض)، فإن رايخ سيذهب بتفكيره أبعد من ذلك، خاصة مع فكرة الطاعون العاطفي* (emotional plague).

مقدمة
كان إريك فروم (1900-1980) محللًا نفسيًا ألمانيًا أمريكيًا ، مرتبطًا بمدرسة فرانكفورت ، والذي أكد على الدور الذي تلعبه الثقافة في تنمية الشخصية. دعا إلى التحليل النفسي كأداة لعلاج المشاكل الثقافية وبالتالي الحد من الأمراض العقلية. يعتقد فروم أن الشخصية في البشر تطورت كطريقة للناس لتلبية احتياجاتهم. على عكس فرويد، لم يؤمن أن الشخصية ثابتة، فقد حدد فروم خمس احتياجات إنسانية أساسية: الترابط، التجذر، التعالي، الإحساس بالهوية، وإطار التوجه. إن غياب هذه ، وفقًا لفروم ، من شأنه أن يسبب مشاكل عقلية واجتماعية مثل الاغتراب. تصور فروم نسخًا مثالية للمجتمع والدين تؤكد على الحرية وتلبية احتياجات الإنسان. وبذلك، أصبح أحد مؤسسي الاشتراكية الإنسانية. لقد أكد على المحددات الثقافية للشخصية. بحث في أعماله في المشاكل العاطفية في المجتمعات الحرة ودعا إلى التحليل النفسي كعلاج للأمراض الثقافية وكأداة للمساعدة في تطوير مجتمع غير عصابي. من المعلوم أن فروم وُلِد في فرانكفورت، وتلقى تعليمه في هايدلبرغ وميونيخ قبل أن يؤسس عيادة خاصة للعلاج النفسي في عام 1925. بدأ فروم كتلميذ لسيغموند فرويد ، جامعاً نظرياته النفسية مع المبدأ الاجتماعي لكارل ماركس. استخدم طريقة فريدة للتحليل النفسي تتضمن مواجهة المريض بصفته معالجًا له وكشخص آخر متعاطف، مشددًا على عدم وجود سمة أو عامل في المريض غير موجود لدى أي شخص آخر في ألمانيا، انتقل فروم إلى شيكاغو في عام 1933 لإلقاء محاضرة في معهد التحليل النفسي. قام بالتدريس في العديد من الجامعات الأمريكية ووسع وجهات نظره لتشمل مبادئ زن البوذية. في عام 1957 ، شارك في تأسيس اللجنة الوطنية للسياسة النووية السليمة. كتب فروم أيضًا عددًا من الكتب والمقالات للأكاديميين وعامة الناس على حدٍ سواء. اكتسب فروم شعبية لأول مرة مع عامة الناس من خلال كتابه "الهروب من الحرية" ، والذي شرح خوف الإنسان اللاواعي من الحرية وجاذبية الأنظمة السياسية الاستبدادية. شكل هذا الكتاب إلى حد كبير الفكر الفكري في أمريكا في ذلك الوقت ، وتسبب في تصنيف فروم على أنه فرويد جديد ، جنبًا إلى جنب مع كارين هورني وهاري ستاك سوليفان. على الرغم من اختلاف هذه الأرقام الثلاثة ، وفقًا لفروم ، فإن كل واحد منهم يشترك في التركيز على العوامل الاجتماعية والثقافية والموقف النقدي لنظرية فرويد حول أولوية الغريزة الجنسية. في عام 1951، أصبح فروم أستاذًا في جامعة المكسيك الوطنية، حيث أسس المعهد المكسيكي للمحلل النفسي وسافر بانتظام إلى الولايات المتحدة قبل أن يستقر في سويسرا عام 1971 وطور فروم العديد من الموضوعات الرئيسية، وطور أفكاره وصقلها بشكل تدريجي. هذه الفئات هي شخصية اجتماعية، والتي تربط نظرية التحليل النفسي للدافع الديناميكي بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية. الموضوع الثاني هو مراجعة فروم للتحليل النفسي لفرويد ، لا سيما تأكيده على العدوانية والتدمير.المحور الثالث: نقده للمجتمع الصناعي ، ورابعه: تحليله للدين وعلاقته بالتنمية البشرية. من بني نظرياته عن الشخصية الاجتماعية على مفهوم فرويد أن سمات الشخصية ديناميكية. كان يعتقد أن هيكل الشخصية يشرح الإجراءات والأفكار: ما الذي يحفز الناس وما يجده مرضيًا أو محبطًا. فكيف انتقل بالإنسان من استلاب التملك الخاص إلى تحرر الكينونة المشتركة؟

يتحدد مرمى  هاته  الدراسة  في  النظر في  مفهومين  مركزيين  طفقا  في السنوات  الأخيرة،  يشكلان  مدار  اهتمام  عالم  الاجتماع  العربي  الدكتور عبد الصمد  الديالمي. نقصد بذلك  "الانفجار الجنسي"،  و"الانتقال  الجنسي" وهما  المفهومان  اللذان  أبدعهما  أثناء  انهماكه  بتحليل  معضلة   تخلف  مجتمعنا؛ وتفكيك  السلوكات  الجنسية  في علاقتها  بالمعايير الدينية  والمنظومة  الأبوية  بكل  لواحقها  القانونية.   

 في البدء  كان " رايش ":

ينتمي  د.عبد الصمد  الديالمي  إلى  الجيل  الثاني  من  علماء الاجتماع المغاربة. فمنذ  التحاقه  أستاذا  للسوسيولوجيا  بجامعة  فاس  سنة 1977 عمد  إلى  رسم  الخطوط   العامة  لمشروعه  السوسيولوجي  المتمحور حول  الجنسانية،  والجندرية  والنسوية. وبوصف  هاته  المسأليات مرتهنة   بالنص  الديني  والاجتهاد  الفقهي   فإنها  تدعو  الباحث  للاشتباك  علميا، ولامراء  في  ذلك، مع  ثقافة  الفقيه  المتمذهب، ومع الإسلامانية، وخلفياتها  الإيديولوجية  الصريحة  والمضمرة  حيال الحداثة، والديموقراطية، والعلمنة  والحريات  الفردية  والعامة..

بتفان  منقطع  النظير  سينكب  الدكتور عبد الصمد الديالمي  على مشروعه  هذا  منتظما  في  إنجازه  عاملا على  تطويره  منذ لحظة  اكتشافه  كتاب  " الثورة الجنسية "  للمحلل  النفساني  النمساوي  فلهلم  رايش؛ الكتاب  الذي  سيشكل  بالفعل  نقطة  تحول  حاسمة، ليس  فقط   في  حياة  عبد الصمد  الديالمي  الشخصية  التي  وسمها، منذ  البداية،   تمرد  لافت على  الأساليب  التقليدية  في التنشئة  الاجتماعية،  وانتفاض  واع  على  الأبوية 1 ؛ وإنما  انقلاب  جذري  في حياته  العلمية  برمتها  ستحمله على  بناء  الأسئلة  الحارقة، والمحاور الكبرى  فالمفاهيم المركزية  التي  سينتظم  حولها  منجزه  السوسيولوجي  لما  ينيف  عن  أربعين  سنة. يكتب  عبد الصمد  الديالمي  في  هذا  الصدد: " في 1973، قرأت         " الثورة  الجنسية " ل"رايش"  وأنا  أستاذ  بالثانوي. في  الواقع  لا أدري  لماذا  قرأته (...) إنه  الكتاب  الذي  جعلني  أعمق  تمردي  على  المجتمع  وعلى  القيم  السائدة (...) إنه  الكتاب  الذي  جعلني  أكتشف  أن  الزواج  والأسرة  يعوقان  الرضى  الجنسي، وأنهما  يشكلان  سجنا  للمرأة... إنه  الكتاب  الذي  جعلني  أقتنع  أن  لاثورة  دون  ثورة  جنسية..."2

آخر الإصدارات

مفضلات الشهر من علمي الاجتماع و النفس